دعوات الأم والزوجة الصالحة، بالإضافة إلى أبناء ناجحين وملتزمين هي السر الذي يقف خلف الابتسامة الدائمة والفرحة التي تسكنه باستمرار كما قال لي ذات يوم وتجعله في حالة سلام دائم مع كل من يحيطون به، «أيمن محمد خير» مدير شركة النقل البري واحد من مفردات المكان التي تجعله غير مكتمل إذا ما غاب عنه يوماً، لذلك فإن رؤيته حزيناً تدفع إلى داخلك العديد من الأسئلة والمخاوف من فقدان ابتسامة تجعل المكان أقل جفافاً مما هو عليه..

ـ ما بك «أبا أحمد» وهذا هو لقبه بعد أن حصل على ولي العهد «على غير عادتك؟»

ـ لا شيء يا جار.. لا شيء.

ـ كيف تقول ذلك وأنت مقطب الجبين وتتجمع أحزان الدنيا في وجهك؟

أنفاس حارة أكثر سخونة من الطقس الملازم أطلقها »أبو أحمد» وأطرق برأسه لبرهة ثم نظر إليَّ بعمق وقال: لقد وصلني يوم أمس خبر حزين يخص أحد الركاب عن وفاة والدته.

ـ مع تعاطفي الشديد، فهذا الأمر لا يستدعي منك كل هذا الحزن لأن الموت حق علينا ويحصل كل يوم؟

ـ المسألة ليست على هذا النحو، فهي مرتبطة بظروف الشخص والوفاة نفسها

ـ هل لك أن تشرح لي الأمر؟

ـ هذا الراكب عندما سافر إلى الوطن كان قد قضى أكثر من خمسة عشر عاماً في الغربة لظروف مختلفة منها وضعه المادي السيئ، ولم ير والدته خلال هذه الفترة، وعندما اجتاحته أمواج الشوق الشديد لها ضرب بعرض الحائط كل الظروف وحجز مكاناً للسفر عبر شركتنا، وكنا جميعاً متعاطفين معه.

ـ وماذا حصل؟

ـ وعند وصوله الى منزل عائلته بعد غياب علم أن والدته توفيت ودفنت في اليوم السابق لوصوله.

ـ هي قصة مؤثرة فعلاً، ومع ذلك فالحياة تزخر بالكثير منها يا صديقي؟

ـ بالتأكيد، ومن يعرف أكثر مني عن مثل هذه الحكايات.

ـ هذا يعني أن لديك مخزوناً منها، حدثنا عن بعضها؟

ـ أنت تعرف أن غالبية من يسافرون براً بسبب انخفاض سعر التذكرة تكون أوضاعهم المالية صعبة، وهذا يفتح الباب على كثير من القصص المؤلمة

ـ نريد الأكثر تأثيراً بالنسبة لك من هذه الحكايات؟

ـ بصراحة لن أنسى تلك السيدة التي كانت متحمسة لزيارة أسرتها بعد غياب طويل بسبب مقاطعتهم لها لأنها تزوجت دون رضاهم، ولكنها عادت في الرحلة اللاحقة من الوطن منكسرة لأنهم رفضوا مسامحتها.

ـ وماذا في جعبتك غير ذلك؟

ـ وكذلك قصة الشاب الذي كان في قمة فرحته عندما كان يركب الباص مغادراً الى الوطن لرؤية والديه بعد عام كامل فارقهما فيه للعمل هنا، وهناك فوجئ بأن والديه قد تطلقا وغادر والده الى جهة مجهولة، وآخر اكتشف أن حبيبته وخطيبته قد تزوجت من آخر استطاع أن يدفع أكثر.

ـ أنا مندهش الآن كيف كنت قادراً على الابتسام خلال الفترة الماضية؟

ـ أحياناً تكون الابتسامة وسيلة لغسل الأحزان.. ونهض معلناً نهاية الحوار ليبدأ بعملية تحميل الركاب الذين يملأ قسمات وجوههم فرح مسكون بالخوف مما هو قادم.

خالد اللوباني