كان الزمن أبيض وأسود، لا مكان فيه للتخاذل، أو الوقوف باستسلام تحت أقدام ظرف جائر .. سلب منهم الإنسان أو المكان أو الشعور الصادق .. كان العمر صفحات تكتب بصمود .. وتنطوي برضاً مخلفة آثاراً باقية ..
كما كان للفرح فيه طعم آخر .. يشبه الارتواء على الظمأ .. والمطر على أرض عطشى.. والرضوخ بابتسام في وجه العاصفة.. فنسيج الحياة الاجتماعية كان أكثر إحكاماً .. خيوطه أكثر تماسكاً وانسجاماً..
رغم أن الحياة شحيحة .. والموارد معدودة .. وفرص العيش الرغيد كذلك .. نشأت عوشه وعفراء في بيت العائلة، ودأبتا على خدمة أفرادها منذ الصغر.
والوالدان والإخوان .. الضيوف المعدودون والفريج .. كانت أقصى الأحلام .. وأبعد ما تعود به الذاكرة .. عوشه الأخت الكبرى لعفراء .. رغم أن الفرق قد لا يتجاوز السنوات الثلاث .. إلا أنه كان لعوشه الأثر الأكبر في تغيير مسار حياة كل منهما ..
تعلمت الأختان في مدرسة البيت الكبير.. والتحقتا بدروس التدبير المنزلي في صفوف الوالدة موزة .. وطبقتا المعرفة في الحياة اليومية في خدمة الأخوين علي وراشد.. تبدأ فصول الحكاية عندما التحقت عوشه بركب الزوجية ..
وتركت عش العائلة محلقةً في سرب جديد.. بناءً على قرار أسري صرف .. نص على تزويجها من ابن خالها سيف الذي يصارع شظف العيش مع إخوتها في البحر .. كانت الحياة هادئة وهانئة .. فعوشه ربة منزل من الطراز الرفيع، وسيف كذلك .. شهم وكريم .. ولأن السعادة الزوجية لا تكتمل إلا بأبناء يرسمون مستقبل العلاقة .. رزقهم الله بالمولود الأول علي .. الذي فتح عينيه وكان اليتم يتربص به في مهده..
كان اليوم فجراً .. عندما تلقت عوشه نبأ وفاة زوجها إثر غرق مركب الصيد بفعل عاصفة بحرية شديدة..
أخذت في مهبها سيف .. وخلفت ذكرى الأمومة اليتيمة .. استسلمت عوشه لقدر كان كفيلاً بها.. وأسدلت الستار على فصل أليم في حياة أرملة .. فأقبلت على تجربة الأمومة الأولى .. وكانت لابنها الأم والأب والعائلة ..
هناك .. وفي بيت العائلة الكبير .. تدور رحى الفرح من جديد .. عفراء تتزوج من ابن عمتها .. وتنصرف هذه المرة إلى حياة أكثر اتساعاً غير تلك التي اعتادت عليها .. بانتقالها للعيش مع زوجها في إحدى المناطق النائية .. تمر الأيام وحياة عفراء تخلو من أي حدث جديد .. لا أطفال يملؤون البيت فرحاً ولا بوادر تحسن في العلاقة .. ومحاولات الحمل والإنجاب استنفدت بالكامل ..
بالتراضي تم الاتفاق .. وعادت عفراء بعد مرور سنة ونصف إلى بيت العائلة الكبير .. بلقب مطلقة .. لتنضم إلى شقيقتها الأرملة عوشه.. كان علي الصغير حينها قد بلغ الثامنة .. عندما أنهكت تجربة الأمومة العرجاء عوشه .. فأصبحت تميل إلى حائط تستظل به .. وكتف تستند إليه .. عندها أسعفها القدر بقدر آخر.. هذه المرة جاء على صورة رجل .. بوسالم طالباً الزواج، أرمل يكبرها بربع قرن، توفيت زوجته وكبر أبناؤه .. فكان لابد من شريكة يمضي معها ما تبقى من خريف العمر ..
تزوجت عوشه .. وظفر ابنها علي بعائلة جديدة .. وإخوان يكبرونه سناً وخبرةً .. عاش برفقتهم الربيع من العمر .. ورزق بأختٍ مازالت زاده في الحياة .. بعد عمر طويل .. من جديد عوشه تصارع آلام الولادة.. ولكن يبدو أنها المرة الأخيرة .. تسدل الحياة الستار في وجه الأمومة.. وتحرم المولودة النشوء في الحضن الأول.. توفيت عوشه إثر آلام الولادة .. وتركت خلفها علي وابنتين في عمر الزهور ..
يقولون «الخالة أم».. ولأنها لم ترزق بأطفال .. قرر بوسالم الزواج من عفراء .. ليسطرا معاً حكايةً أخرى في فن الأمومة والتكافل الاجتماعي غاب أو غُيب عنا لأسباب أجهلها ..
أمل الفلاسي