للغياب معنى لا تعرفه إلا ساعة الحائط فهي الكائن الأكثر إحساساً بمعناه في البيت، فعلى الرغم من أنها توقفت عن العمل منذ سنين إلا أن «هيفاء» كانت تصر دوماً على مسح الغبار عنها.. ساعة الحائط تراكم الغبار عليها بفعل الغياب و.. النسيان.

إلى أين تمضين.. مازال الوقت مبكراً على الرحيل، ولازال لدينا الكثير لنفعله.. ما الحكمة وراء اختيارك هذا المكان القصي لتسكني فيه.. انا متأكد بأنك ستأتين كل يوم لتفقدنا واحداً ..واحداً ولن يمنعك عنا بعد المكان.. قد لا نراك ولكننا سنشعر بقدومك حتماً، وبخاصة طفلك «مأمون» ) المنغولي) المعلقة روحه بك والذي يجلس وحيدا منسحقاً تحت أقدام الفقد والغياب منذ اتخذت قرارك المفاجئ بالرحيل لا يحتك بأحد إلا لماماً.. ربما فقط عندما تأتين إليه خفية عن الجميع.

ـ انهضي .. كفاك مزاحاً، دوماً كنت خفيفة الظل.. ولكنني الآن لا أحتمل ما تفعلين.. انهضي أرجوك.

ـ ...

ـ ماذا، وسترحلين أيضاً ومنذ متى تحبين العزلة والابتعاد عن أولادك والناس، أنا متأكد بأنك ستموتين فقط في لحظة وحدة.

ـ ....

لا تشبه الأيام بعضها بالنسبة لـ «هيفاء»، أو بالأحرى لا تقبل هي بذلك أبداً، فالنهار من أوله طافح بالحكايات التي يجعل بعضها الدموع تنسكب غزيرة من العيون، فيما تدخل أخريات البعض في نوبات من الغليان والغضب، أما البعض الآخر من هذه الحكايات فيحمل إلى أصحابه إجابات لأسئلة طرحتها قلوب مضمخة بالعشق، ولا ننسى تلك الحكايات التي يشتمل عليها النهار الضاجة بالفرح والتي تمثل الرصيد الأكبر من هذه الحكايات في الجلسات الليلية في ختام النهار، حيث «هيفاء» دوماً هي البطل الرئيسي فيها جميعاً.. فهي وحدها من يستطيع أن يتسلل إلى الأعماق السحيقة وصولاً إلى مواطن الفرح في لحظة تصاعد الوجع.

ـ من هذه السيدة يا هيفاء؟

ومن خلف الضمادات الكثيفة التي تغطي رأسها ووجهها وبصوت ضعيف قالت:

ـ هي ليست سيدة بل مجموعة سيدات، مشيرة إلى الكرسي الذي يئن تحتها، مضيفة بأن اسمها «شذى» وجاءت للاطمئنان عليها عقب الحادث، مذكرة الجميع بما فيهم أنا بالكنبة المكسورة التي تدخل في ذمة «شذى» نفسها قبل أقل من أربعة أشهر.. ضحكنا كثيرا و«شذى» معنا، وضحكت بدورها كثيراً ولكن.. من بين أهداب الألم.

بكت كثيراً وحلفت بكل ما هو عزيز بأنها لن تسمح لنفسها برؤيته مجدداً، فها هو العيد الثاني يمر دون أن يزورها شقيقها، فمهما كانت الأسباب ليس هناك ما يبرر قطيعة الأخ لأخته هكذا كانت ترى الأمور..وبعد يومين، يومين فقط انهارت «هيفاء» وأغمي عليها عندما سمعت بأن شقيقها قد تعرض لحادث سير.. وسابقت الريح للوصول إليه وألقت بنفسها في أحضانه معتذرة له عن أفكار خاطئة ربما قد تكون راودتها تجاهه خلال الأيام الماضية.

للغياب طقوسه الخاصة وعلامات تسبق وقوعه، فالزوج يروي عنها حلم الليلة الماضية قصته عليه وهما يحتسيان قهوة الصباح بأنها كانت رأت نفسها مرتدية فستانها الأبيض تجول في حقول من القمح بعد الحصاد وعندما غرفت بيديها حبوباً واقتربت من الطيور لإطعامها فزعت جميعها وطارت تاركة «هيفاء» وحيدة تسيل من بين أصابعها حبوب القمح..

ربما كان «مأمون» قد زارك حيث تسكنين في ذاك المكان الموحش والبعيد أو أنك حللت ضيفة عليه في تلك اللحظة لأنه نهض على نحو مفاجئ ودخل في نوبة رقص على طريقة «زوربا» والتي كنت تحبين أن ترينه وهو في دوامتها.. لم يتدخل أحد وتركه الجميع وشأنه حتى تعب فجلس منكمشاً بهدوء إلى جانب والده ورفع كلتا يديه إلى الأعلى كمن يقرأ سورة الفاتحة.

خالد اللوباني