خلف الستائر التي تفصل الباب الرئيسي عن ممر القاعة.. العباءات تتطاير.. إيذاناً بالدخول إلى عالم عنوانه «للنساء فقط». وتذكيراً بالمنافسات المحتدمة.. حيث جموع المستقبلين تصطف يمنةً ويسرة.. قد يكون أكبر تجمع نسائي تشهده في حياتك.. العجائز أولاً بصبغة تكاد تكون متشابهة «البراقع» الجديدة المصنفرة.. وروائح العطور المعتقة..
تأتي بعدها طوابير السيدات في منتصف العمر ممن يُجدن عبارات الترحيب «مرحبا.. مرحبا الساع .. اقربوا يا حياكم الله» أما دور الحسناوات من الفتيات ففي آخر الصف.. يعرضن آخر خطوط الموضة العالمية.. في الأزياء.. والمكياج.. وطرق تصفيف الشعر.. وتوصيله.. وتلوينه.. وتلميعه..
نصيحة.. «خلينا نطوف من ورا.. ما فيني أسلم على اللي واقفات كلهن.. ما تمت عيوز في الفريج ما يت» التسلل خلف صفوف المستقبلين هو الحل الأمثل.. لتفادي عبارات المجاملات.. ومد الأيادي الروبوتية المتخشبة.. استقبال بابتسامة صفراء.. وانصراف عبر البهو الرئيسي إلى الداخل.. في الطريق سجاد أحمر يأخذك إلى القاعة الرئيسية.. حيث جزر من الطاولات المزينة بأعمدة الورود الطبيعية..
وسلاسل اللؤلؤ الملون، نساء كبار الشخصيات يقبعن بالطبع قريباً من الكوشة.. حيث الأكل أشهى.. والرؤية أوضح.. أما العامة وصغار الشخصيات فيتوزعن هنا وهناك.. عند الشاشات التي تنقل الحدث مباشرة.
بعد الانزلاق في دوامة العرس.. وضجيج الموسيقى الصاخبة.. وصوت المطربة التي لم تبخل بغناء المقطوعات التي تعرفها والتي لا تعرفها.. واللهجات التي تتقنها.. ولا تتقنها.. فاختلط الخليجي باللبناني.. والمصري بالعراقي.. ولكن ما زالت الأمور تحت السيطرة.. جلسن على إحدى الطاولات المحاذية للحائط.. يتفرجن باندهاش.. فالحاضرات يصفقن بحماس والمطربة تصرخ من «قمة رأسها». «عاشوا.. عاشوا اللي يصفقون.. أحلى تحية لأم الوردي..»®. في محاولة لاستمالة الحاضرات للتصفيق.
ويستمر مسلسل الدهشة.. فعلى إحدى الطاولات.. تنطلق موجات من الغضب.. لأن «الرقاصه» أفرطت في حركات الغنج والدلال المخجلة.. فصعدت فوق الطاولة تتمايل مأخوذة بأنغام الموسيقى.. و«تنعش» بكل ما أوتيت من قوة.. فيأتي صوت الضمير ساخطاً «حسبي الله عليها.. ما تستحي هالخبله.. لكن الشرهه مب عليها.. عاللي يابوها.. أسميني مب يايتنهم مره ثانيه لو عزموني».
وتتعالى ضحكات الحاضرات من الفتيات والنساء المتصابيات.. وتقفز «الرقاصه» من أعلى الطاولة لتبدأ وصلة أخرى على ممر الكوشه.. كان ذلك يدور على مرأى ومسمع الجميع.. أما ما يحدث خلف الكواليس.. فلا يوحي أبداً بجو الأفراح.. والليالي الملاح.. وقلة فقط تلتقط تفاصيله.. فكما جرت العادة.. لا يخلو حديث النساء من النميمة..هذه المرة..
الحديث هامس بجرأة.. وعلى طاولتهن المشاركات شخصيات مجتمعية راقية.. يرتدين الألماسات البراقة.. والكثير من المساحيق لإخفاء معالم الزمن.. «شوفي عقدها محلاه». «لا يا حبيبتي هذا مبين انه زركون.. هذي مب ويه ألماس.. زركون وايد عليها».
ترد إحداهن «بس الصراحه ساعتها.. وايد حلوه». «هذي الساعه موديلها جديم.. أتذكر بوعيالي يايبلي اياها سنة 82 أول ما سرنا سويسرا.. يوم كانت هي بعدها ما ركبت الطيارة ولا شافت الدنيا.. الحين بس يوم تاجر ريلها في البورصة شافت عمرها.. وقامت تلبس.. وإلا هي على قد حالها».
مسكينة.. على ما يبدو أنها الفقيرة.. فنظرات الجالسات معها على الطاولة هي مزيج من السخط.. والدهشة المؤلمة.. والمفاجأة.. فتلك التي «على قد حالها» صديقتها المقربة وهي التي دعتها لحضور عرس شقيقها.. وأخيراً.. وصلت العروس.. لتقطع بحضورها الأخاذ حبال النميمة الجانبية.. وتتسلق هرم الأحاديث الهامسة.. بدأت بعدها الجموع بالمغادرة شيئاً فشيئاً..
وعند الباب الخارجي.. إحدى العجائز تطلق رصاصة ختام حفل النميمة.. «بلاها عروسهم ما تستحي؟ عنبو من دخلت وهي إلا تضحك وتتلفت هني وهناك.. أنا يوم عرست.. حتى ما رمت أرفع راسي من المستحي».
أمل الفلاسي