في الخامسة والنصف صباحاً تلقى الضابط المناوب في غرفة العمليات اتصالاً من رجل يقول فيه لقد وجدت رأس امرأة .. إنها هنا.. كان واضحاً من الاتصال أن الرجل كان خائفاً وحاول الضابط تهدئته وقال له لا تقلق سآتيك الآن.
موقع الجريمة... تمكن الضابط من خلال جهاز خاص أن يحدد مكان الاتصال وعن طريق الكاميرات المنتشرة في كل مكان والمرتبطة بمركز الشرطة تم تحديد الموقع بالضبط. وعلى الفور انتقل الضابط ومعه ضباط آخرون من البحث الجنائي إلى مكان الاتصال، الذي كان عبارة عن مكب للقمامة، وكان الرجل لا يزال واقفا متسمراً في مكانه من الخوف. تقدم الضابط منه وسأله عن رأس المرأة فأشار الرجل بيده التي لا تزال ملطخة بالدماء. قال الرجل أنا عامل نظافة وأعمل على هذه السيارة ومن عادتي أن أحمل أكياس القمامة إلى داخل السيارة لتقوم بسحقها ولكن لاحظت أن في أحد الأكياس قطعة معدنية كبيرة فحاولت استبعادها حتى لا تؤثر على أسنان الماكينة الداخلية في السيارة والتي تقوم بسحق النفايات، لذا عندما وجدت هذا الكيس لاحظت أن فيه قطعة معدنية، وعندما فتحته لأستبعد القطعة وجدت رأس هذه المرأة.
طلب الضابط تفتيش جميع أكياس البلاستيك حيث تم العثور على بقايا المرأة. كانت الجريمة بشعة للغاية فقد تم قطع الذراعين والساقين ووضعها في أكياس منفصلة، أما بقية الجسم فقد وجد في كيس آخر وفيه (9) طعنات بسكين، وقف الجميع حائرين ومستنكرين لهذه الجريمة، وعلى الفور قال الضابط بان مثل هذه الجريمة لا يقوم بها أناس عاديون بل إن من ينفذها بهذه البشاعة والقسوة هم عادة من مدمني الكحول والمخدرات.
أمر الضابط بجمع أشلاء المرأة وإرسالها إلى المختبر الجنائي وطلب تقريراً مفصلاً عن عمرها والبلد الذي تنتمي إليه وكيفية قتلها وساعة ارتكاب الجريمة.. الخ.
وقبل إرسال الجسم إلى المختبر الجنائي قام أحد المخبرين بغسل وجه المرأة من الدماء التي تغطيه ثم أخذ عدداً من الصور للوجه لعل أحداً يتعرف عليها ويدلي بمعلومات عنها، خاصة وأنه في مكان الجريمة لم يتم العثور على أوراق أو أي شيء يدل على هوية القتيلة.
تقرير المختبر
كان الجميع ينتظر تقرير المختبر الجنائي حيث حمل التقرير المعلومات التالية، تم قتل المرأة بطعنات نافذة إلى القلب، وهي تبلغ عن العمر (25) عاماً ومن دولة آسيوية، وتمت عملية القتل قبل (12) ساعة كما تم اغتصابها قبل قتلها وتم اغتصابها بعد قتلها بـ (4) ساعات.
وأضاف التقرير أن الدلائل تشير إلى أن المغتصب نفس الرجل في المرتين مما يعني أنه ليس له شريك في الجريمة، وأشار التقرير إلى وجود جروح في صدر المرأة وأن أحد الجروح عليه مخدر من نوع كوكايين.
هذه المعلومة الأخيرة أعطت رجال التحقيق نصف الحقيقة حول جريمة القتل، حيث إن التوقعات الأولية كانت صحيحة، وهي أن الذي قام بهذه الجريمة البشعة هو من متعاطيّ المخدرات، خاصة وأن المخدر وُجد على أحد الجروح التي كانت في صدر المرأة وليس في دمها، ما يعني أنها غير متعاطية وأن المخدر ناجم عن القاتل نفسه.
بدأت الأجهزة المختصة تتابع التحقيق في اتجاهين الأول استخدام صورة وجه المرأة للاستدلال على أحد قد يعرفها أو شاهدها من قبل والاتجاه الثاني متابعة متعاطيّ المخدرات لمعرفة المتورط في هذه القضية.
كانت مجريات التحقيق صعبة للغاية في ظل غياب أية معلومة عن المرأة، وكان من المستحيل نشر صورتها في الصحف اليومية لكي يتعرف عليها أحدهم ويدلي بمعلومات عنها، وذلك حتى لا ينتبه القاتل إلى أن جريمته تم اكتشافها، فبعد مرور نحو أسبوعين على الجريمة أصبح الرجل القاتل متأكداً بأن الجريمة ذهبت مع القمامة وأن أحداً لن يكتشفها.
اللجوء للحيلة
فكر رجال التحقيق في اللجوء للحيلة، وهي اعتقال عدد من مدمني المخدرات المشتبه بهم وأخذ جزء من دمهم وفحصه ومقارنة ال«DNA» لدمهم مع الـ «DNA» للحيوانات المنوية التي وجدت في جسم القتيلة.
ورغم أن البعض تحفظ على هذه الطريقة إلاّ أن البعض الآخر وافق عليها، وذلك لإلقاء القبض على القاتل حتى لا يكرر فعلته مع امرأة أخرى، ويستمر مسلسل القتل دون توقف.
تم تنفيذ الفكرة مع (8) أشخاص، إلاّ أنهم لم يكونوا هم المطلوبين. في هذه الأثناء جاءت سيدة إلى مركز الشرطة لتبلغ عن شاب حاول التحرش بها وسط الشارع، لكنها نهرته، وفي اليوم الثاني تفاجأت به يصعد معها في المصعد وهي في طريقها إلى شقتها وحاول التحرش بها في المصعد وطلبت من الشرطة حمايتها، وقالت بأنه لم يتركها إلاّ بعد أن ضغطت على جرس الإنذار في المصعد، حيث تحين الفرصة وفر هارباً.
أدلت السيدة بمعلومات عن الرجل قالت فيها بأنه في أواخر العشرينات من عمره، أسمر البشرة قوي البنية يبدو من تصرفاته بأنه غير طبيعي، أما شعر رأسه فهو «مجعد».
قامت الشرطة برسم «كروكي» للشخص وفقاً للمعلومات التي أدلت بها السيدة، وتم توزيع الصورة على الجهات المعنية لاعتقاله، لكن بعد هذه الحادثة بنحو أسبوع جاءت سيدة أوروبية إلى مركز الشرطة لتقول بأنها كانت على سطح الفيلا التي تسكن فيها، وكانت تأخذ حماماً شمسياً عندما وجدت أمامها رجلاً قوي البنية أسمر البشرة في أواخر العشرينات من عمره، يقف أمامها ويحمل سكيناً طالباً منها أن تسمح له بمضاجعتها، وعندما رفضت غرس السكين في يدها وبدأت تنزف، وأضافت عندما وجدته جاداً في تهديده بقتلي إن لم أوافق على مطالبه، عندها وافقت وأنا خائفة.
تم أخذ السيدة إلى المختبر الجنائي وتم فحص السائل المنوي حيث تبين بأنه الشخص نفسه الذي قتل السيدة الأولى.
اجتماع طارئ
أصبح الوضع خطيرا جدا وأصبحت حياة الكثير من السيدات مهددة بالموت، وكان لابد من العثور على الرجل بأية طريقة، ورغم أن السيدة الأوروبية كانت قد صورت الرجل الذي اعتدى عليها بهاتفها النقال، إلاّ أن الصورة كانت له من الخلف وهو يفر هارباً، لذا بقي وجهه غير معروف. إلاّ أن تلك الصور أعطت معلومات إضافية إلى شخصيته.
ركزت الشرطة جهودها في مساحة كبيرة من المدينة وبثت عيونها في كل شارع رئيسي وفرعي لكن الضربة جاءت من مكان بعيد، فقد حاول الرجل الاعتداء على امرأة أخرى، حيث تسلق جدار الفيلا التي تسكنها، وعندما حاول الاعتداء عليها اشتبكت معه وتمكنت من جرحه في وجهه، وكان من الممكن للرجل أن يقتلها لولا أنها نادت على كلبها وجاء وأنقد حياتها.
أخذت الشرطة أوصاف الرجل من المرأة وقامت بمسح تحت أظافرها بمحلول خاص حيث وجدت قطعة صغيرة جداً من جلد وجهه تحت أظافر السيدة.
تم فحص قطعة الجلد وبتحليلها كانت تحمل ذات الصفات الوراثية «DNA» لنفس الشخص.
هنا قرر الضابط أن يجرب طريقة أخرى حيث استدعى جميع المسجونين مع قضايا المخدرات وبدأ في استجوابهم الواحد تلو الآخر واعداً كل من يدلي بمعلومات عن هذا «الرجل المجهول» بكتابة تقرير إلى إدارة السجن لتخفيف مدة بقائه خلف القضبان.
كان الضابط يستخدم معهم طريقة الترغيب والترهيب فقد كان يقول لهم بأن إحدى قريباتهم أو إحدى أخواتهم ستكون الضحية المقبلة، لذا طلب منهم أن يتعاونوا معه ويدلوا بأية معلومات عنه إن كانوا يعرفون ذلك.
هنا تقدم أحدهم وأمعن في الصور التي أخذت للرجل من الخلف وإلى صور (الكروكي) وقال أنا أدلكم عليه مقابل الإفراج عني، قال الضابط أنا لا أملك سلطة الإفراج عنك ولكن أعدك بأنني سأكتب تقريراً يساعد في الإفراج عنك.
عندها أعطى الضابط المعلومات عن الرجل المجهول، حيث قال السجين للضابط بأنه يعرفه جيداً وأنه كان يتعاطى معه الكوكايين في جلسات السمر، وقام السجين بإعطاء الضابط اسم الرجل المجهول ومكان عمله ورقم هاتفه، وكل المعلومات عنه.
أخذ الضابط هذا الكنز من المعلومات وبدأ يراقب الشخص فوجده مطابقاً للأوصاف التي أدلت بها السيدتان، لكن الضابط لم يكن قادراً على اعتقاله، أو توجيه أي تهمة له من دون دليل.
الدليل
تتبع الضابط الشخص فوجده يسهر في أحد الفنادق، وهنا قام الضابط بانتحال شخصية (النادل) بالاتفاق مع مدير الفندق حيث ذهب إلى الرجل المجهول وسأله ماذا يريد أن يشرب وبعد أن طلب الرجل عصير البرتقال أشعل سيجارة وبدأ يدخن.
ما كاد الرجل ينهي تناوله لعصير البرتقال حتى قام الضابط بأخذ الكأس وفيه بقية العصير وطفاية السجائر حيث أخضعها المختبر الجنائي للفحص فوجد بأن اللعاب الذي في العصير واللعاب الذي على السجائر يحمل ذات الصفات الوراثية «DNA» للرجل المجهول الذي تبحث الشرطة عنه.
قدم الضابط تقريره للمسؤولين لكنهم لم يأخذوا بهذا الأمر بهذه السهولة فهم يريدون إثباتاً قوياً آخر لاعتقال الرجل كونه ليس إنساناً عادياً فهو يتمتع بوضع اجتماعي كبير وأي تجاوز لهذا الوضع يعني الخطر بعينه، لذا كان المسؤولون يريدون أدلة دامغة لا لبس فيها.
خرج الضابط وهو مصر على أن يعتقل الرجل المجهول مهما كلفه ذلك، وضع الضابط خطة أخرى للإيقاع بالمجرم، فقد طلب من إحدى الفتيات أن تتعرض له بطريقة غير مباشرة وأن تجعله يراها وهي تسير بطريقة (مستفزة) عندما يغادر الفندق الذي يسهر فيه.
خرجت الفتاة من الفندق ولاحظت أن الرجل المجهول قد وجه نظره واهتمامه إليها ثم أسرعت باتجاه سيارتها حيث تبعها الرجل بسيارته أيضاً، ووفقاً للخطة أوقفت الفتاة سيارتها فجأة ما أدى لأن يصطدم بها الرجل من الخلف، تظاهرت الفتاة بأنها أغمي عليها فقام الضابط الذي كان يتبعها خطوة بخطوة بوضع الفتاة في سيارة الرجل المجهول وطلب منه الإسراع إلى المستشفى.
هناك في المستشفى، ووفقاً للخطة التي أعدها الضابط طلب الطبيب من الرجلين التبرع بالدم لأن الفتاة تنزف.
قدم الضابط يده حيث أخذ الطبيب بضع قطرات لفحص فصيلة دمه وكذلك فعل الرجل المجهول، حيث أخذ الطبيب بضع قطرات من دمه لمعرفة فصيلتها وإن كانت تصلح لدم الفتاة أم لا.
حاول الرجل المجهول أن يرى الفتاة أو يتحدث معها لكن الطبيب أخبره بأنها في العناية المركزة حيث إن رأسها ارتطم بمقود السيارة عند الحادث وهي فاقدة للوعي.
أخذ الضابط عينات الدم التي تم أخذها من الرجل المجهول وطار بها مسرعاً نحو المختبر الجنائي، حيث طلب تحليلها في الحال، كان الضباط يسارع الزمن فهو يريد القبض على هذا السفاح الماكر ليخلص الناس وخاصة السيدات من شروره.
مرت أربع ساعات على الاختبار، كان الضابط يخالها أربعين سنة، وأخيراً جاء الفحص ليقول بأن عينات الدم التي أخذت من الرجل المجهول في المستشفى تحمل ذات الصفات الجينية والوراثية «DNA» للرجل الذي قتل الفتاة والذي اعتدى على السيدة الأولى وحاول الاعتداء على السيدة الثانية.
حمل الضابط نتيجة الفحص وقدمها إلى مسؤوله عندها قال له المسؤول اذهب واعتقله.
في غرفة التحقيق حاول الرجل الإنكار مدعياً بأنه لا يعرف شيئاً عن القضايا التي تنسب إليه زوراً و بهتاناً، وهدد بمقاضاة الشرطة وقتل الضابط الذي يحقق معه.
كان الرجل يستغل مكانته الاجتماعية للإفلات من جرائمه لكن القانون فوق الجميع، حوصر الرجل بالأدلة العملية التي لا تكذب، حيث تم وضعه في الحجز، ولم يمض على حجزه سوى «3» ساعات حتى أخذ يصرخ بأعلى صوته طالباً المسؤول وعندما حضر قال له سأعترف بكل شيء ولكن أريد أن أخذ حقنة الهيروين فقد مضى على وقت تناولي لها أكثر من ساعتين وإن لم أخذها سأموت.
الاعتراف
بدأ الرجل يقول بأنه التقى بالضحية الأولى في أحد المطاعم التي تقدم الوجبات السريعة حيث تعرف عليها وأثناء الحديث أخبرته بأنها تبحث عن شقة لتستأجرها ولكن بسعر مناسب فعرض عليها أن يستأجر لها الشقة مقابل أن تكون صديقته.
وأضاف بأن الفتاة وافقت على ذلك وأنه كان يذهب عندها كل ليلة ليتناول الخمر والهيروين حيث إنه مدمن عليهما، لكنه كان بعد أن يسكر ويأخذ الهيروين يشعر بأنه حيوان مفترس فلا يستطيع السيطرة على غرائزه وأنه يتصرف بجنون، وفي ليلة الحادثة قام بضرب الفتاة كالعادة بعد أن نام معها، وعندما أراد أن يغادر الشقة قالت له لا تأت إلى هنا مرة أخرى لأنني أكرهك وأكره طريقتك في التصرف معي.
وقال الرجل عندما سمعت ذلك قمت بضربها على وجهها فحاولت أن تبعدني عنها حيث دخل أظفرها وكان طويلاً في عيني، فأصبت بالجنون وفعلت بها ما فعلت، وقام الرجل بإرشاد الشرطة إلى الشقة التي وقعت فيها الجريمة.
كما اعترف بأنه اعتدى على السيدة الأوروبية التي كانت تأخذ حماماً شمسياً فوق سطح فيلتها كما اعترف بالجرائم الأخرى، تم وضع الرجل المجهول الذي لم يعد مجهولاً في السجن وهناك لم يحصل على الخمر أو الهيروين. لم يمض على دخوله السجن ثلاثة أيام حيث تم نقله إلى المستشفى وهو فاقد للوعي، فقد قال المساجين الذين كانوا معه بأنه كان يطلب جرعة من الهيروين، وعندما لم يحصل عليها بدأ يضرب رأسه في حائط غرفة السجن واستمر في ذلك حتى بدأت الدماء تنزف من أنفه وأذنيه.
بعد ستة أشهر من دخوله المستشفى خرج الرجل المجهول على كرسي متحرك وقد أصيب بشلل في جانبه الأيمن كلياً إضافة إلى عدم قدرته على النطق.
ليس هذا فقط بل أصبح يتصرف كالأطفال الصغار حيث كان اللعاب يسيل من فمه ويتبول على نفسه أمام الناس دون أن يعرف ماذا يعمل، رغم أنه كان قبل تعاطيه الهيروين صاحب المكانة الاجتماعية الرفيعة والبنية القوية.
أحمد سلطان
