دخل لبنان منتصف الليلة الماضية نفق «الفراغ الرئاسي» وسط مخاوف من تداعياته وبات في قبضة «ظروف حالة الطوارئ» مع مغادرة الرئيس إميل لحود قصر بعبدا الذي وضع البلاد في عهدة قائد الجيش العماد ميشال سليمان بدءاً من اليوم السبت بعد فشل فريقي الأكثرية النيابية الحاكمة والمعارضة في التوافق على اسم من يخلفه.
وفيما رفضت حكومة السنيورة القرار و«ازدرته» معتبرة إياه غير دستوري، وواصل الفرقاء اللبنانيون التراشق الدستوري، حيث قرر رئيس مجلس النواب نبيه بري إرجاء جلسة انتخاب الرئيس، للمرة الخامسة، إلى 30 نوفمبر، ما دفع الأكثرية إلى التأكيد على أن قرار عقد جلسة الانتخاب لم يعد بيد بري.
وقبل نحو ثلاث ساعات من مغادرته قصر بعبدا أعلن لحود عن أن أخطار حالة الطوارئ باتت متوافرة في لبنان وعليه تم «تكليف الجيش صلاحية حفظ النظام في جميع أنحاء لبنان اعتباراً من اليوم السبت، ووضع جميع أصناف القوات المسلحة تحت إمرته وتصرفه».
أما البند الثالث من القرار، الذي وصفه المراقبون بأنه «بيان طوارئ»، فنص على «عرض التدابير المتخذة على مجلس الوزراء فور تشكيل حكومة جديدة تتوافر فيها الميثاقية والدستورية»، ما يعني أن الصلاحيات الرئاسية لن تؤول إلى حكومة فؤاد السنيورة بحسب نص المادة 62 من الدستور اللبناني. على اعتبار أن البلاد ستدار من قبل حكومة عسكرية.
وبرر لحود قراره بعدم انتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهلة الدستورية وافتقار «حكومة السنيورة إلى الشرعية والدستورية والميثاقية»، وبالتالي «لا يمكنها ممارسة السلطة الإجرائية بصورة دستورية سليمة». وجاء نص الإعلان بحسب ما ورد في وكالة الأنباء الألمانية «إن رئيس الجمهورية، وبناءً على الدستور اللبناني في المادتين 49 و50 منه.
وبناءً على المرسوم التشريعي رقم 102/83 تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته وقانون الدفاع الوطني في المادتين 1 و5 ، وبناءً على المرسوم التشريعي رقم 52 تاريخ 5/8/1967 إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية المادتين 1 و 3 منه.
وبما أن الولاية الرئاسية تنتهي في 23 نوفمبر 2007، وعملاً بالقانون الدستوري بإضافة فقرة أقرها مجلس النواب في 3 سبتمبر 2004، وبما انه لم يتم انتخاب رئيس حتى تاريخه، وبما أن الحكومة مفتقرة إلى الشرعية الميثاقية والدستورية منذ 11/11/ 2006، في ضوء الفقرة ي من مقدمة الدستور اللبناني والمادة 95 منه. يكلف الرئيس الجيش اللبناني مهام حفظ الأمن ابتداءً من تاريخ 24/11/2007 على ان تعرض التدابير التي يتخذها على الحكومة فور تشكيلها بصورة ميثاقية ودستورية».
وفيما أيدت المعارضة ببعض التحفظ قرارات لحود كون أن قائد الجيش مقرب من تيار 14 آذار، أوضح المصدر الحكومي أن «أي قرار بإعلان حالة الطوارئ وتكليف الجيش يصدر حسب الدستور عن مجلس الوزراء». وأضاف «لا صفة ولا صلاحية دستورية لرئيس الجمهورية بأن يصدر هكذا قرار. حتى ان مجلس الوزراء في حال اتخاذه قراراً بإعلان حالة الطوارئ فان مدة القرار لا تتجاوز سبعة أيام وعلى الحكومة العودة إلى مجلس النواب لتمديده».
ولاحقا أكد السنيورة في مؤتمر صحافي عقده في مقر الحكومة أن حكومته «لاتزال مستمرة في تحمل مسؤولياتها وتمارس صلاحياتها كاملة». واعتبر أن الوقائع والظروف «التي افترضها رئيس الجمهورية (الطوارئ)، وبصرف النظر عن عدم صلاحيته، غير متوفرة وغير محققة وهو بالتالي يهدف إلى إيهام المواطنين بأن البلاد كلها واقعة تحت خطر شديد في حين أن الأمن مستتب كون الجيش يحافظ على أمن البلاد وسلامة المواطنين بمسؤولية وطنية وجدارة عالية».
كما أكد رئيس «اللقاء الديمقراطي» وليد جنبلاط أن الحكومة مجتمعة ستباشر صلاحيات رئيس الجمهورية حال مغادرة لحود القصر الرئاسي»، مقللاً من أهمية قرار لحود، مذكراً بأن الجيش ومنذ ثلاثة أيام يقوم بتسيير الشؤون الأمنية في لبنان وأن إعلان الرئيس محض إعلامي ولا معنى له. كما رفض الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل القرار، مؤكداً انه «غير دستوري»، مشيراً إلى أن اتفاق الطائف لم يمنح الحق لرئيس الجمهورية ان يعهد بالبلاد إلى جهة عسكرية.
كما لم يرد عن قيادة الجيش اللبناني أي تعقيب على قرار لحود، في حين أكدت مصادر سياسية انه في حال قبول الجيش للقرار ستعطل كامل الحياة المدنية والسياسية في لبنان إلى حين انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة. ورغم ذلك، أكد أن العماد ميشال سليمان سيكون متعاوناً مع حكومة السنيورة وسيعمل في حال قبوله تكليف لحود، على إدارة الشؤون الأمنية للبنان بالتعاون مع الحكومة.
وإزاء هذه التطورات، تراجع رئيس زعيم التيار «الوطني الحر» ميشال عون عن مبادرته السابقة معلناً عن ترشيح نفسه مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية. وكانت جلسة مجلس النواب اللبناني المقررة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية أرجئت ظهر أمس للمرة الخامسة إلى 30 الجاري. وعقبت الأكثرية النيابية الحاكمة على قرار الإرجاء بأنها تحتفظ لنفسها بحق عقد جلسة لانتخاب الرئيس من دون دعوة من رئيس المجلس نبيه بري بعد انقضاء المهلة الدستورية.
وأعلن زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري الذي زار البطريرك الماروني نصرالله صفير عن إصرار الأكثرية على التوافق في انتخابات الرئاسة، قائلاً «لن نترك البلد في الفراغ». إلا أن المعارضة أكدت أن مثل هذا الإجراء سيكون «هرطقة دستورية». وقال النائب علي حسن خليل المقرب من بري إن القول بالحق باستخدام نصاب الأكثرية المطلقة لعقد جلسة مجلس النواب «مخالفة صريحة للدستورية».
وأوضح أن «المادة التي تتذرع بها الأكثرية تسري فقط خلال الولاية الرئاسية لا عند انتهائها»، مشيراً إلى أن بري دعا إلى جلسات نيابية وبالتالي احتفظ لنفسه حصراً بحق دعوة المجلس. ومع غياب أفق للحل، حذرت الحكومة الإيرانية من انزلاق لبنان نحو الحرب الأهلية، وأعلن نائب وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي في مقابلة صحافية مع «لوموند» الفرنسية عن ان «لبنان قريب جداً من الحرب الأهلية».
وفي واشنطن، أعلن البيت الأبيض دعمه للسنيورة وتقديره لقوات الجيش اللبناني، وأكد قدرة سليمان على حفظ القانون في الفترة الانتقالية. وشدد على أن «تخريجة» الظروف المشابهة لحالة الطوارئ «لا تعطي لحود الحق بمنع السلطة التنفيذية من تسيير أمور البلاد حتى يتم انتخاب رئيس جديد»، الأمر الذي ترفضه المعارضة بالأساس.
بيروت ـ علي بردى والوكالات