ضربت باكستان أمس عاصفة سياسية حينما استبق الرئيس الباكستاني برويز مشرف حكماً قضائياً حاسماً حول مدى قانونية فوزه بانتخابات الرئاسة المقرر بعد ثلاثة أيام بإعلان حالة الطوارئ في البلاد مؤقتاً، محصناً بذلك فوزه بمنصب الرئيس من احتمال الحكم لغير صالحه، رافقه عزل رئيس المحكمة العليا افتخار تشودري للمرة الثانية وثمانية قضاة لرفضهم المصادقة على الطوارئ.

ونددت المعارضة بالإجراء وتعهدت بالعمل ضده، فيما أعربت كل من الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا عن «قلقهما الشديد» من خطوة مشرف. وعزا مشرف فرض الطوارئ، إلى موجة العصيان واعتداءات المتشددين وتدخل القضاء في الشؤون العامة، بحسب نسخة من القرار الرئاسي. كما أوضح التلفزيون الرسمي أنه بموجب الطوارئ تم تعليق العمل بالدستور، لكن مع استمرار عمل مجلس الوزراء والبرلمان والمجالس الإقليمية.

وجاء في أمر فرض حالة الطوارئ إنه حصل «تزايد واضح في أنشطة المتطرفين والحوادث الناجمة عن هجمات إرهابية». وأضاف أن «بعض أعضاء القضاء عملوا ضد أهداف السلطتين التنفيذية والتشريعية في حربها على الإرهاب والتطرف ما أثر على فاعلية تحركهما لاحتواء هذا التهديد».

ويأتي القرار استباقا لقرار المحكمة العليا المتوقع بعد ثلاثة أيام حول قانونية ترشحه لمنصب الرئاسة للمرة الثانية الشهر الماضي مع بقائه قائدا للجيش قانونيا. ورجح مراقبون أن يكون هناك مخاوف في أوساط الحكومة من أن يكون قرار المحكمة العليا مخالفا لمصلحة مشرف. ويمكن للقرار أن يوفّر لمشرّف حجّة للاستمرار في منصبه كقائد أعلى للقوات المسلحة رغم أنّه وعد بالتخلي عنه في حال انتخابه مجددا رئيسا للبلاد.

ويمكن للقرار أيضا أن يرجئ الانتخابات البرلمانية المقررة في غضون الأشهر القريبة المقبلة. ورغم ان القرار يأتي قبل قرار حكم المحكمة العليا الا انه جاء ايضا وسط تصاعد حدة الأزمة السياسية وزيادة أعمال العنف والمواجهة مع جماعات قبلية مسلحة منذ اقتحام الجيش المسجد الأحمر في إسلام آباد في يوليو الماضي.

وفي وقت لاحق وجه الرئيس الباكستاني كلمة الى الامة وقال ان الإرهاب والتطرف بلغا حدهما وان سيادة الدولة اصبحت على المحك. وقال في كلمته المسجلة التي اذاعها التلفزيون «باكستان بلغت مرحلة خطيرة وتمر بأزمة داخلية... وايا كان ما يحدث فهو بسبب الاضطرابات الداخلية». وأضاف «أخشى من أنه اذا لم يتخذ اجراء في الوقت المناسب فسيكون هناك تهديد لا قدر الله لسيادة باكستان».

وذكر أن بعض القنوات الاعلامية زادت من حالة عدم اليقين في البلاد لكنه لم يذكرها بالاسم. واضاف مشرف الذي عزا اعلان حالة الطوارئ الى تزايد التشدد وما وصفه بالقضاء المعادي ان نظام الحكم الباكستاني اصابه الشلل بسبب تدخل القضاء. وأشار الى ان سيادة باكستان كان يمكن تعرضها للخطر ما لم يتخذ اجراء في الوقت المناسب، معتبرا تدخل القضاء اصاب نظام الحكومة في باكستان بالشلل. وقال انه فرض حالة الطوارئ لاستكمال الانتقال الى الديمقراطية. وبعد ان اسهب في شرح انجازات فترة حكمه طلب من الغرب تفهم ان استقرار باكستان كان على المحك.

وقبل اعلان الطواريء طوقت قوات الشرطة والقوات شبه العسكرية، مقر المحكمة العليا في العاصمة اسلام اباد. كما انتشرت قوات الجيش بكثافة في المدن. وقطعت كل الاتصالات الهاتفية النقالة والثابتة، بعيد إعلان فرض الطوارئ، فيما قطع بث محطات التلفزة الخاصة، اثر سريان الشائعات حول فرض حال الطوارئ.

وأفادت محطة تلفزة خاصة بأن السلطات الباكستانية اعتقلت اعتزاز احسان ابرز محام كان يعترض على شرعية إعادة انتخاب الرئيس الباكستاني في الانتخابات التي جرت في 6 أكتوبر. كما طوقت قوات الأمن الباكستانية عددا من المواقع والمناطق الحساسة، والأماكن ذات الأهمية الخاصة كالبرلمان واللجنة الانتخابية ومقر رئيس الوزراء والقصر الرئاسي.

وعقدت الحكومة الباكستانية اجتماعا خاصا في وقت سابق، للموافقة على إعلان الطوارئ. وقالت قناة التلفزيون الحكومي «سيستمر مجلس الوزراء الاتحادي والمحافظون والوزراء الإقليميون في عملهم. وتستمر الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ والمجالس الإقليمية في البنجاب والسند وبلوخستان في العمل.»

وقالت قنوات التلفزة الخاصة قبل قطع إرسالها إن كبير قضاة المحكمة العليا افتخار تشودري الذي سبق وعزله مشرف قبل أن يعود بحكم قضائي لمنصبه، رفض مع ثمانية قضاة آخرين التصديق على المرسوم الدستوري المؤقت، الذي أصدره مشرف، وان تشودري جرى ابلاغه بان «خدماته لم تعد مطلوبة» وانه تم تعيين قاض آخر مكانه للتصديق على قرار مشرف.

ولاحقاً عين مشرف كبير قضاة جديد للمحكمة العليا. وذكر التلفزيون الباكستاني الرسمي أن «عبدالحميد دوجار أدى اليمين ككبير قضاة المحكمة العليا الجديد». وأقيمت مراسم تأدية اليمين أمام مشرف. يذكر أن هذه ليست هي المرة الأولى التي تقيل فيها السلطات الباكستانية شودري حيث كان مشرف قد أوقف افتخار عن العمل في مارس الماضي بتهمة استغلال النفوذ إلا أن المحكمة العليا حكمت بعدم قانونية هذا الإجراء وقضت بعودته للعمل.

وكانت تقارير سابقة نقلت عن محامين وقضاة ومسؤولين حكوميين، أن المستهدف الأول بإعلان حالة الطوارئ في البلاد هم المحامون وقضاة المحكمة الاتحادية العليا، التي أصدرت سلسلة من القرارات التي أقضت مضجع الرئيس خلال الأشهر الماضية، ولاسيما أن بعض المحللين ذهب إلى أن مشرف استبق قرار المحكمة العليا بإبطال فوزه الأخير بفترة رئاسية جديدة.

وقال قاض سابق ان الشرطة الباكستانية اعتقلت عددا من المحامين المعارضين لمشرف. وقال طارق محمود وهو قاض سابق وقف في وجه مشرف عندما تولى السلطة في انقلاب سلمي عام 1999 «لدينا تقارير مؤكدة عن اعتقال عدد من المحامين في كويتا وكراتشي وطلبنا من كثيرين آخرين الاختباء لان الشرطة تقوم بحملات». وقال محمود «دعونا لاجتماع طارئ غدا (اليوم) لوضع خطة رغم أننا سنقاطع المحاكم في جميع أنحاء باكستان يوم الاثنين».

ومن شأن فرض حالة الطوارئ أيضا أن يبدد اتفاق تقاسم السلطة بين مشرف ورئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتوالتي عادت إلى باكستان الليلة الماضية بعد تضارب حول ذلك من رحلة خارجية. وقال الناطق باسمها زبير بشير «ندين قرار مشرف ونرفضه» . وتابع أن «قوانين الجيش سيئة. إنها تعطل كل شيء ولا تؤدي إلى أي تقدم في البلد».

وبعد وصولها قالت بوتو انها تعتقد أن اعلان حالة الطواريء يهدف الى ارجاء الانتخابات «عاما أو اثنين على الاقل». وقالت بوتو لتلفزيون (سكاي نيوز) في مقابلة ان ارجاء الانتخابات البرلمانية المقررة في يناير سيعني أن الولايات المتحدة ستكون مشغولة بانتخاباتها الرئاسية في أواخر عام 2008.

من جانبه، اعتبر نواز شريف أن باكستان في طريقها إلى حالة من الفوضى ووصف قرار مشرف بأنه صورة من صور الأحكام العرفية. وفي مقابلة مع قناة تلفزيونية هندية قال شريف «نحن في طريقنا إلى وضع فوضوي، إلى حالة فوضى سياسة». وأدان حزب شريف (الرابطة الإسلامية) قرار مشرف. وقال الناطق باسم الحزب إحسان إقبال إن الأمة جميعها ستقاوم هذا الإجراء.

وفي أول رد فعل خارجي قال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك ان الولايات المتحدة «قلقة جداً» من قرار فرض حال الطوارئ، مطالباً بإجراء الانتخابات التشريعية كما هو مقرر في يناير. وشدد ماكورماك «نريده ان يفي بتعهده ونحثه على القيام بذلك فوراً» في إشارة خصوصاً إلى التزام مشرف التخلي عن منصبه قائداً للجيش وإجراء انتخابات تشريعية بحلول الخامس عشر من يناير.

وكانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس اعتبرت في وقت سابق ان قرار الرئيس الباكستاني «مؤسف جداً». وقالت «لا نؤيد القرارات التي تتجاوز الدستور ونأمل ان يعودوا سريعاً إلى النهج الدستوري مهما حصل». وفي لندن أعرب وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند عن «قلق عميق» حيال القرار ودعاه إلى التحرك «وفقاً للدستور».

وقال ميليباند في بيان «كل أصدقاء باكستان يساورهم القلق جراء مستجدات اليوم». وأضاف «ندرك المخاطر التي تهدد السلام والأمن في البلاد، لكن مستقبل باكستان واستقرارها وتنميتها الاقتصادية ومكافحة الإرهاب تتطلب احترام القانون والقواعد الديمقراطية». وشدد على ان «من الضرورة بمكان ان تتحرك الحكومة وفقاً للدستور» وان تحترم تعهدها إجراء انتخابات تشريعية وفق الجدول الزمني المحدد.