التقارب وعملية الجذب والانضمام والاجتماع والكلم الطيب وعمل البر والإحسان إلى الآخرين وحسن الخلق... كلها تؤدي إلى الألفة وتحقيق المصالح بين الناس وهي من عوامل التعايش السلمي خصوصا بين المسلمين وقد نظر الإسلام إلى هذه الخصلة الحميدة وطبقها نبي الرحمة عليه السلام عندما آخى بين المهاجرين والأنصار.
مما كان له الأثر الايجابي في تعايش المجتمع سلما بعيد كل البعد عن المشاحنات الطائفية التي تهدر الدماء وتدمر الممتلكات فالإسلام ترك بصماته للبشرية لكي تقتدي به وتسير على منواله المسالم ويحقق السعادة والتعايش الآمن بين الناس أجمعين وقد ذكر القرآن الكريم المسلمين بهذه الألفة وبين أهميتها في بناء المجتمع واستقامة أفراده فجاء شارحا للمعاني والعبر مذكرا إياهم العداوة التي كانت بين الناس قديما.
أي في عصر ظلام الجهل وسيادة العصبية القبلية بينهم وحثهم على التقوى الحقيقية لله تعالى والتماسك بأوامره التي من شأنها أن تقوي الروابط بين المجتمع وترك كل ما من شأنه تفريق كلمة المجتمع وتمزيقه بعد أن كنتم (أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَيَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)«آل عمران/103».
يقول العلامة الطاهر بن عاشور (ت 1973 م) في تفسير هذه الآية الكريمة (كان العرب جميعا قبل الإسلام في عداوة وحروب فالأوس والخزرج كانت بينهم حروب دامت مئة وعشرين سنة قبل الهجرة، ومنها كان بعاث، والعرب كانوا في حروب وغارات بل سائر الأمم التي دعاها الإسلام كانوا في تفرق وتخاذل فصار الذين دخلوا في الإسلام إخوانا وأولياء بعضهم لبعض، لا يصدهم عن ذلك اختلاف انساب، ولا تباعد مواطن، ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم.
وإصلاح ذات بينهم، بأفنين الدعاية من خطابة وجاه وشعر، فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتى ألف الله بين قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التالف بمنزلة الإخوان) وهذا شعار حميد ينبغي على كل المسلمين الاقتداء به والسير على طريقه لأنه يحقق لهم سبل التعايش السلمي بينهم فمن أهداف الألفة الحقيقية تحقيق الصلاح لبني البشر في كل حال من الأحوال وهي قاعدة متينة إذا تأسست على أركان ثابتة معتمدة على التقوى.
يقول العلامة الماوردي (ت 450 ه) في ذلك من خلال كتابه القيم أدب الدنيا والدين (إن الألفة الجامعة هي إحدى القواعد المهمة التي يصلح بها حال الإنسان، وذلك أن الإنسان مقصود بالأذية، محسودة بالنعمة، فإذا لم يكن آلفا مألوفا تخطفته أيدي حاسديه، وتحكمت فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مدة، فإذا كان آلفا مألوفا انتصر بالألفة على أعاديه.
وامتنع من حاسديه، فسلمت نعمتُهُ منهم، وصفت له مُدَّتُه أي (معيشة الإنسان وأيام حياته) عنهم، وإن كان صفو الزمان عسيرا وسلمه خطيرا) فالصفات المذمومة لا تحقق الألفة والاجتماع بين الناس كالحسد والبغض والكراهية والظلم والأنانية...
إن الفوائد التي تحققها الألفة بين الناس وتكون من مصادر التعايش السلمي بينهم تتمثل في أشياء كثيرة منها السعي الدائم إلى تحقيق الاجتماع على الخير بين الناس الذي يؤدي إلى القوة والعزة والألفة تجعل الناس يتشاورون ويتناصحون فيما بينهم.
والألفة الحقيقية بين المسلمين مدعاة إلى التعاون الايجابي الذي يكون أثره على الناس والمجتمع فيكون لها الأثر الجدي في نمو الشباب نموا سليما يعتمد على الأخلاق الطيبة التي رسمها الإسلام للبشرية فيخرجون بثقافة السلام والمحبة فيتحقق التماسك الاجتماعي والترابط الأسري مما ينبذ كل وسائل الفرقة بين المجتمع.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي