من الأحاديث القدسية أحب العباد إلى الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً».. أيها القارئ العزيز لو كنت ضيفاً على أحدٍ وأسرعت إلى الطعام بمجرد وضعه أمامك لاتهمك الحاضرون بالشراهة والجشع، ولقد كان العرب يفتخرون بعدم الإسراع إلى الطعام حتى قال شاعرهم

وان مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن.. بأعجلهم إذا اجشع القوم أعجل لكن انظر إلى ربك الرحمن الرحيم الجواد الكريم الذي يقول.. أحب عبادي إليّ أعجلهم فطراً، فماذا ترى؟ ترى أنه سبحانه يدعو عباده الصائمين إلى التعجيل بالفطر بمجرد غروب الشمس، ويبين أنه يشتد حبه لمن يُسارع بالإفطار بمجرد أن يحين وقته حتى وإن تأخر المؤذن فإنه طالما دخل وقت المغرب فقد حلَّ الإفطار، فسبحانك ربي ما أبرك؟ وما أرحمك بعبادك؟ ثم كيف يتجلى حب الله لعباده؟

يتجلى في إنعامه عليهم، وإثابته لهم، وإحسانه إليهم.

قال العلماء: المحبة في حق العبد على ثلاثة أوجه:

1 ـ محبة للذة: كمحبة الطعام والشراب والوقاع. فالإنسان يتلذذ عند تناول الطعام الشهي فهو يحبه، وعند شُرب الماء البارد، ويتلذذ بالوقاع عندما تثور شهوته فيضعها في حلال.

2 ـ محبة للنفع: كمحبة كل ما يأتيك من ورائه نفع وفائدة، ومنه قول الله تعالى «وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب».

3 ـ محبة للفضل: كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم، لأن العلم رحيم بين أهله، وكمحبة العباد بعضهم لبعض لأجل التنافس في عبادة الله عز وجل ومحبة العباد لله سبحانه وتعالى: تكون بإجلالهم لقدره، واعترافهم بفضله، وحرصهم على مرضاته، وبذلهم النفس والمال في سبيله.

ومحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون بصدق اتباعه،والذود عن سنته، واسترخاص النفس والمال. دفاعاً عن حرمته والمحبة في العبد غالباً ما تنبع من افتقاره إلى المحبوب.

أما محبة الله تعالى لعبده: فليس لها سوى معنى واحدٍ وهو: الإحسان إليه، والإنعام عليه، وإجزال المثوبة له. قال الراغب في تفسير قوله تعالى: «فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه» قال فمحبة الله تعالى للعبد: إنعامه عليه، ومحبة العبد لله: طلب الزلفى لديه، وقال في معنى قوله تعالى: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين» يثيبهم وينعم عليهم.

وإذا كانت محبة العبد لربه نابعة من افتقاره إليه سبحانه وتعالى، فإن محبة الله لعبده تعني تفضله وإنعامه على عبده، لأن الله غني عن عباده قال تعالى «يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد».

إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز».

وإنما كان أعجل الناس فطراً أكثرهم ثواباً لشدة حب الله له. لأن في الإسراع إلى الإفطار تحقيق الاستجابة لأمر الله سبحانه. فكما أمرهم بالصيام فأطاعوه. أمرهم بالإفطار فأجابوه، فكان ذلك تجسيداً لصدق إيمانهم به وتسليمهم له.

وفي تعجيل الفطر: حكم كثيرة: أعلاها وذروة سنامها: تحقيق الاستجابة المطلقة لله تعالى. ودون ذلك إعدادُ الجسم لطاعة الليل، من قيام وذكر وتلاوة قرآن بعد أن انقطع طول النهار أثناء الصوم عن الشراب والطعام، لأن الجسم مركب تمتطيه الروح في معراج عبوديتها لله عز وجل، فإذا أرهقته أثقال التكاليف تعب،.

وبالتالي فلا يستطيع أن يحمل الروح فيما تصبو إليه من أداء القربات، طلباً لسامق الغايات، وأرقى الدرجات ومن هنا كره الشارع قيام العبد للصلاة ونفسه تتوق إلى الطعام ولما سئل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن سبب إقلاله من صيام التطوع أجاب قائلاً: إن الصيام يقعدني عن الصلاة، لأنه كان ضعيف الجسم، دقيق الحجم وربما أوهنته عبادة الصوم إن أكثر منها، فيؤثر ذلك على العبادات الأخرى.

ومن الحكم المستفادة من تعجيل الفطر أن الله تعالى أمرنا بالإحسان إلى أنفسنا، ومن الإحسان إليها تعجيل فطرها لأن النفوس البشرية بطبيعتها تحن إلى الفطر بمجرد دخول وقته وتتألم لتأخيره، روى الشيخان وغيرهما مرفوعاً «لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر».

وروى الطبراني أيضاً مرفوعاً «ثلاثة يحبها الله عز وجل: تعجيل الفطر وتأخير السحور، وضرب اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة».

ومن حكم تعجيل الفطر أيضاً: مخالفة اليهود والنصارى، لأنهم يؤخرون الإفطار، فقد روى أبو داوود، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان «لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرونه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند صيامه لا يصلي صلاة المغرب حتى يفطر ولو على شربة ماء.

فيا أيها الصائمون. هل من رحمة في الكون تعدل رحمة الله تعالى؟

فأطيعوا الله تعالى ونفذوا أمره وافعلوا ما يُرضيه، وسيروا على نهج نبيكم صلى الله عليه وسلم، فعجلوا الفطر وأخروا السحور فإنه من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. رزقني الله وإياكم صياماً مقبولاً وعملاً مأجوراً إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.