ندى البستاني فتاة مصابة بتشوه خلقي سببه مشكلة في الجينات الوراثية، بسبب زواج الأقارب.. هذه المشكلة أدت إلى نمو غير طبيعي وهشاشة في العظام، ما أثر في نهاية المطاف على شكلها الخارجي، ومع مرور الوقت أصبحت غير قادرة على الحركة أو الوقوف.

لكن حبها للحياة وتواصلها مع الواقع ومتابعتها بشكل طبيعي جعلها تتعايش مع مشكلتها وتتغلب عليها لتحقق جزءاً من أحلامها وطموحاتها، فالابتسامة الجميلة المشرعة بالأمل التي بادرتني بها ندى عندما استقبلتني على باب مصعد الشركة، جعلتني استشعر حب الحياة في عينيها والانخراط فيها رغم الصعوبات التي واجهتها من قبل المحيطين والمجتمع بأكمله.

وهي لا تزال عازمة على تحقيق المزيد من الأهداف التي تحقق لها النجاح وتشعرها بطمأنينة والتغلب على مشكلتها البدنية، لذا فهي تؤمن بأن الحياة لا تتوقف رغم ما يطرأ عليها من ظروف، طالما الإرادة والعزيمة القوية موجودتان، فكلمة المستحيل لا وجود لها في حياتها، وهذا هو السر الكامن والدافع القوي لديها.

تقول ندى رغم أنني أمضيت عمري، خاصةً مرحلة الطفولة في الجبس، إلا أنني مارست حياتي بشكل طبيعي ولم أتأثر بشيء. درست في مدارس حكومية وحظيت بمعاملة جيدة مليئة بالتقدير والاحترام لثقتي بنفسي وإصراري على مواصلة تعليمي.

بالإضافة إلا أنني كنت من المتفوقين في المدرسة، المشكلة الوحيدة التي واجهتني هي عند الانتقال من الفصل إلى المختبرات الموجودة في الطابق الثاني، فكنت انتظر المساعدة دائماً من المعلمات أو الطالبات أو الفراشين، وأحياناً كانت أمي ترسل الخادمة معي إلى المدرسة.

وتضيف ندى: إن الذي زودني بالثقة، وشجعني أهلي الذين لم يفرقوا يوماً بيني وبين إخوتي في المعاملة. وحسب روايتها فإنها عندما كانت تخطئ تعاقب كما يعاقبون تماماً دون النظر إلى وضعها الصحي،

لأن والدها كان مقتنعاً بأن الإعاقة هي إعاقة العقل، وليس الحركة، وإن الله اذا كان حرمها من شيء، فهو يعطيها شيئاً أفضل منه، وعندما تعمل أمراً حسناً تجزى عليه، فنشأت ندى في ظروف طبيعية كأي شخص، وهذا بفضل وعي الأهل والأقارب الذي يهدف لدفع طموحها إلى الأمام للوصول إلى أعلى المراتب دون أن تقف الإعاقة حاجزاً في طريقها.

سمعت ندى الكثير عن الولايات المتحدة الأميركية من شقيق وشقيقة والدتها اللذين درسا فيها، فبعد أن تخرجت من الثانوية العامة بمعدل ممتاز، قررت متابعة دراستها في أميركا، فشجعها ذووها على ذلك، فقدمت أورقها وحظيت بمنحة دراسية من الدولة بالإضافة إلى تكاليف الدراسة والمصروف الشخصي والكتب وحتى الكرسي المتحرك.

رافقها إلى واشنطن في أول رحلة لها خالها وسجلها في جامعة جورج واشنطن وأرشدها إلى مكان المحطة وكيفية استقلال القطار. عاشت ندى طوال حياتها تستخدم الكرسي المتحرك اليدوي وترفض الكهربائي الذي يشعرها بالعجز، لكن بعد عودة خالها الذي كان يساعدها في الصعود والنزول من وإلى القطار، فضلت استخدام الكرسي الكهربائي،

لأن الأول كان يصعب عليه معها التنقل فيه دون مساعدة أحد. أول ما خطر في بال ندى رغبتها في دراسة الهندسة ووجدت أن تتخصص في هندسة المعدات الطبية، لكن سرعان ما شعرت أن الرغبة خانتها وتسرعت في اتخاذ القرار، ووجدت أن ميولها دراسة الطب، ودراسة الطب في أميركا تحتم عليها الحصول على دراسة بكالوريوس علمي آخر قبل ذلك،

فاختارت كلية العلوم الحياتية «الأحياء»، لتهيئة نفسها لدراسة الطب، لأنه تخصص قريب ومشابه ويتضمن مساقات متقاربة كثيراً مع الطب. وفي الوقت ذاته تطوعت للعمل في مستشفى الجامعة، وتحديداَ في قسم العظام، لأن مشكلتها كانت بسبب عظامها الهشة.

فأحبت أن تطور معلوماتها وتزيد خبرتها عن العظام، حتى تستطيع السيطرة على وضعها الصحي وعدم ترك المجال لتفاقم الحالة وكذلك تفرعت من دراسة تخصص الأحياء إلى دراسة علم الاجتماع والأدب الانجليزي.

عملت ندى في المستشفى ثلاثة أشهر وتدربت على كيفية سحب الدم وقياس الضغط وبالإضافة إلى أنها كانت تقدم خدمات اجتماعية، حيث انها تقوم بزيارة المرضى يومياً وتطمئن على حالهم وتؤمن لهم احتياجاتهم مما فتح لها المجال للتعامل مع جميع الأعمار والفئات والطبقات الاجتماعية.

بعدما أنهت فترة التدريب وجدت ندى نفسها أن لديها وقت فراغٍ طويل يمكن استغلاله بعمل تستفيد منه ويكون مميزاً عن غيره، وجاءت فكرة العمل المميز لها وهي تقرأ جدول المواد، فوجدت بين أسطره مادة اختيارية اسمها لغة الصم الأميركية،

وعلمت أن العاملين في هذا المجال قلة، فقررت دخول هذا المساق ودراسته كمادة إجبارية وليس اختيارية، فتعلمت اللغة وسجلت في ثلاثة مساقات خاصة بها وتعلمتها خلال سنة وشهرين وأحاطت بكل تفاصيلها، وعملت بعدها مدرسة للغة في الجامعة، وفي حفلات التخرج بحضور أي شخص أصم كانت تترجم له، وتتذكر أنها في إحدى الحفلات ترجمت لعائلة سعودية حضرت حفل تخرج ابنها.

تقول ندى عن اللغة إنها غريبة جداً وممتعة وكان يدخل المساق كثير من الطلاب، لأنهم يحبذون التعرف على طبيعة اللغة وأغلب المسجلين في المساق كان لديهم على الأقل واحد من أقاربهم يعاني من هذه المشكلة.

عاشت ندى في الولايات المتحدة عشر سنوات من عام 1990 - 0002. وعندما ارتدت ندى الحجاب في سنة 1995، صارت طريقة الناس في التعامل معها مختلفة، لأنه في تلك الفترة كانت نظرة الغرب للعرب عامةً وللمسلمين خاصةً، أنهم إرهابيون فابتعد عنها كثير من الأشخاص واعتقدوا أنها أصبحت متزمتة ومعقدة.

وتتحدث ندى عن موقف تعرضت له في القطار أثناء رحلة العودة للمنزل أن شخصاً تهجم عليها دون أي مبرر، وشتمها ونعتها بالإرهابية والسفاحة، من دون أي سبب، حيث ان ذنبها الوحيد أنها عربية ومسلمة، ونزلت في المحطة وكان بيتها يبعد عنها مسافة تقارب العشر دقائق، فكانت طوال الطريق تنظر خلفها خائفة أن يتبعها.

أما عن سبب مكوثها طوال تلك الفترة فتقول ندى: إنه بسبب ظروف عدة غير الدراسة حيث تعرضت لحادث حريق وانقطعت عن الدراسة وأجرت أيضاً عمليات عدة، لذا عادت للدولة سنة 2000 ورغم أنها عاشت فترة طويلة، لكنها لم تتمنى يوماً أن تكمل باقي حياتها هناك.

بحثت ندى عن العمل مدة ثلاثة أشهر وبعدها وفقت بعمل في أحد البنوك في قسم الرد الهاتفي، والذي دعمها في ذلك سياسة التوطين المتبعة، ثم انتقلت إلى قسم متابعة الشكاوى. تقول ندى: هذا قسم من الصعب أن يعمل فيه الشخص، لأن كل المتصلين غاضبون وثائرون، ويجب علينا امتصاص غضبهم، بأن نسمعهم للآخر حتى ولو كانوا يشتمون.

لذا تعلمت الكثير بهذا القسم وازدادت خبرتي وترقيت وأصبحت مسؤولة عن القسم وحصلت على جائزة أفضل موظف في البنك، وكان الفضل في ذلك لمديرتي سارة المرعشي التي رشحتني لنيل هذه الجائزة، وقد أصرت على حضوري الحفل السنوي للبنك وفوجئت عندما نودي علي لاستلامها.

عملت ندى في البنك ما يقارب السنة والنصف، بعدها انتقلت مديرتها إلى بنك آخر وطلبتها للعمل معها، وهناك كانا من المؤسسين وساهما في وضع الخطط الاستراتيجية والأهداف، وفضلت التنقل في أقسام عدة، لتطوير نفسها والتعرف على جميع الأعمال البنكية.

أضافت ندى أن عملها واجتهادها جعلها محط أنظار جميع المديرين، لذا اقترح أحدهم اسمها للعمل في بنك ثالث كمديرة قسم متابعة الجودة للعملاء، وبالفعل عملت في مكانها الجديد وأحببته جداً والشيء الأجمل فيه هو أنه يجب على الموظف التعرف على جميع الأعمال بكل الفروع والإمارات، فكونت علاقات جديدة وواسعة وتعرفت على إمارات لم تذهب إليها من قبل.

دبي ـ سمانا النصيرات