أكد العلماء المسلمون أن ترجمة معاني القرآن ضرورة يحتاج إليها المسلمون في كل عصر، وخاصة في ظل انتشار الإسلام في كل بقاع الأرض، وبين العلماء أن حاجة هؤلاء المسلمين إلى قراءة معاني كتاب الله ملحة، وليس هذا فقط، بل يجب طرح ترجمات هذه المعاني على أهل الغرب غير المسلمين للقراءة، لأنها تكون هادية لهم إلى الرشاد والفلاح.
وحذر العلماء في ذات الوقت من استغلال البعض لإدخال كل الأفكار المغلوطة إلى منظومة الفكر القرآني، من خلال التلاعب في ترجمة هذه المعاني، أو إخضاع هذه الترجمات غير المنهجية إلى أهواء المترجمين الحاقدين على الإسلام في حالات كثيرة.. والسؤال: كيف يمكن أن تؤدي هذه الترجمات دوراً إيجابياً لخدمة الإسلام بعيداً عن محاولات المغرضين في تسريب الأفكار غير الموضوعية عن الإسلام؟!.
في البداية يقول د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق: من الثابت أن الترجمة اللفظية أو الحرفية للقرآن من الأمور المستحيلة، لأن القرآن نسق لغوي خاص جداً، في أساليبه ومفرداته وتراكيبه، وواقعه الموسيقي، وهذه خاصية تحتوي على حساسية شديدة وضوابطها اللغوية تجعلنا ننفي إمكانية ترجمة ألفاظ ومفردات القرآن بشكلها وحروفها على أي نحو.
كما أن القرآن ليس بدعاً في ذلك ولكن هناك أشياء أخرى يصعب ترجمتها مثل الشعر مثلاً، لأنه لا يشمل مجموعة من الألفاظ ولكنه معان وأخيلة يقصدها الشاعر ويصعب ترجمتها، وبالنسبة للقرآن فإنه قد يصح ترجمة معانيه، وكانت هناك محاولات كثيرة من قبل العديد من المستشرقين الأجانب في هذا الصدد، الكثير منها أثار الجدل والخلاف بسبب الأخطاء الفادحة.
وتظل ترجمة الفرنسي «جاك بيرك» في هذا الصدد هي الأكثر إثارة للجدل والاختلاف خاصة وأن «بيرك» كان مختلفاً عن غيره من المستشرقين حيث عاش فترة طويلة في مجمع اللغة العربية وكان قارئاً جيداً لفكرنا اللغوي، ولكن ترجمته لمعاني القرآن الكريم، جاءت بأشياء مغلوطة في غاية الخطورة سببها أنه قام بترجمة معاني القرآن ترجمة حرفية، وهو ما يتنافى مع كون اللفظ القرآني يحمل أكثر من معنى.
بالإضافة إلى أن «بيرك» أخطأ في ربط القرآن بالذوق السائد في العصر الجاهلي، لأن نسق القرآن يختلف عما اتفق عليه عرب الجاهلية من تقسيم الأدب إلى شعر ونثر، والقرآن ليس بشعر، كما أراد «بيرك» لأن الشعر له ضوابط في حين أن القرآن جنس جديد لم تألفه العرب، ولا يصح تطبيق المقاييس الصوتية التقليدية المعروفة عليه، لأن قدرات أي شاعر محدودة لغوياً بينما القرآن ليس له حدود.
مرحلة التهذيب
ويشير د. عمر هاشم أن بيرك، يرى في ترجمته لمعاني القرآن أن القرآن قد تعرض لمرحلة من التهذيب، بمعنى أنه جمع في عهد عثمان وهو عصر فتن وقلاقل، وهذا خطأ لأن القرآن جمع في عهد أبي بكر وطبع منه عمر بن الخطاب سبع نسخ، وسمي الجمع الثاني، وكان الثالث في عهد عثمان، ولم تؤثر الفتن على جمع القرآن، وكذلك قال «بيرك» ان القرآن خضع للأهواء في اللغة..
وهذا أيضاً غير صحيح، لأن أبا بكر قال عند جمع القرآن «أجمعوا على لغة قريش، ففيها نزل، فإن اختلفتم في لفظة فعليكم بلغة ثقيف، أو أسد، لأنهما الأقرب إلى لغة قريش» ولكن هذه التجاوزات لا يجب أن تكون مانعاً من ترجمة معاني القرآن وتفاسيره.
أما د. عبدالخالق همت أبوشبانة، أحد الذين حاولوا ترجمة القرآن الكريم وتفسيره، فيقول: أفنيت من عمري أربعين عاماً من أجل ترجمة معاني القرآن، ولكني بعد هذا الجهد الدؤوب ألغيت مشروع الترجمة، حينما رأيت أن المسلمين ينظرون للقرآن على أنه نزل شعراً وهو ما لا يتفق مع طبيعة القرآن لأن الشعر له ضوابط معينة، والقرآن لا تسري عليه الأحكام التي تطبق على النصوص الأدبية كالشعر أو غيرها.
ويضيف د. شبانة أن تفسير القرآن أمر صحيح، وترجمة معاني القرآن ليست مستحيلة، ولكن بشرط عدم التعامل مع القرآن بترجمته حرفياً، فهذا هو الخطأ الذي ارتكبه جميع المترجمين السابقين في تفسيرهم لمعاني القرآن.
حيث اعتمدوا على ترجمة اللفظ دون إدراك للمعاني والدلالات، وهو ما جعل الأوروبيين يفهمون القرآن فهماً مغلوطاً والقرآن الكريم به خاصية لا توجد في الكتب الأخرى فتركيبة اللغة القرآنية من الصعب الوصول إلى معادل لها في أي اللغات الأجنبية، ولذا فلابد أن تتوافر فيمن يقدم على ترجمة القرآن وتفاسيره صفات خاصة أهمها إتقانه التام للغتين العربية - لغة القرآن - واللغة التي يترجم إليها، فضلاً عن تبحره في علوم الدين الإسلامي الحنيف ومدارسه واتجاهاته بالإضافة إلى ضرورة أن يكون محباً تماماً لعملية الترجمة ومخلصاً لها، وليس مجبراً عليها.
المعنى المراد
ويرى د. كمال بشر عضو مجمع اللغة العربية أنه من المستحيل ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية ترجمة دقيقة، لأنه كتاب يختلف عن كل الكتب الأخرى، ولكن من الممكن ترجمة معانيه العامة أو تفاسيره، بحيث تفي بالمعني المراد مع الآية، وليس المعنى اللفظي، فالقرآن به علائق وأسرار دقيقة من المستحيل على المترجمين، مهما بلغت درجة الإتقان الوصول إليها.
ويضيف ان الذين يقولون بإمكانية ترجمة معاني القرآن الكريم، مخطئون بكل المقاييس لأنهم بذلك يخرجون على كل ما اتفق عليه أهل العلم والدراية، بالإضافة إلى أن كل الترجمات السابقة لمعاني القرآن الكريم شابها القصور، والقول ان انتشار الإسلام يتوقف على ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم، خال من الدقة، لأنهم عندما يترجمون تفسيره ومعانيه العامة يجدون فيها كل القوانين الإسلامية في مجملها.
ويشدد د. أحمد عبدالرحمن أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة القاهرة على أنه من الممكن ترجمة معاني القرآن الكريم، ولكن لا يمكن ترجمة ألفاظه حرفياً، لأن الترجمة الحرفية غير ممكنة، والخالق - عز وجل - وضع لغة لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها أو يجاريها، وفشل كل الترجمات دليل على الإعجاز القرآني، والقول بترجمة القرآن بهدف نشر الإسلام مردود عليه فترجمة معانيه ومقاصده تفي بهذا الغرض، مثال ذلك الآية الكريمة التي تقول «والعاديات ضبحاً» فهذه الآية توضح أهمية الخيل عند العرب، ومن هنا جاء القسم الإلهي بالخيل، لذا فترجمة معاني القرآن ممكنة.
ويطالب د. عبدالرحمن بعدم فتح الباب على مصراعيه لكل من يريد ترجمة معاني القرآن، وضرورة أن تتولى لجنة مختصة تتبع الأزهر الشريف تقرير صلاحية من يقوم بعملية الترجمة وهناك دراسة علمية مهمة صدرت مؤخراً تكشف عن وجود مؤامرات إسرائيلية مستمرة ضد القرآن الكريم والإسلام، من خلال قيام مترجمين إسرائيليين بترجمة معاني الآيات الواردة عن اليهود، وتحوي الدراسة نتائج خطيرة، تستوجب توخي الحذر من خلال المؤسسات العربية والإسلامية.
الداعية الإسلامي د. عبدالصبور شاهين الأستاذ بجامعة القاهرة يقول: الإسلام دعوة عالمية للبشر أجمع، والحاجة إلى الترجمة بدأت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حينما اقتضت الدعوة مخاطبة البلاد الأخرى، وقد جاء أن الرسول وافق لسلمان الفارسي على ترجمة سورة الفاتحة إلى الفارسية، وهو ما يجعلنا نقول بمشروعية الترجمة، ولكن ترجمة المعاني فقط وليس اللفظ، فلا يمكن ترجمة القرآن لفظاً، حيث إنه متفرد عن سائر الكتب بأنه كلام من المولى عز وجل، لا يستطيع أحد من البشر أن يقدم معادلاً له، كما أن القرآن إعجاز لفظاً ومعنى، ومن هنا فكل من ترجم للقرآن لابد أن تكون ترجمته منقوصة.
ويحذر د. شاهين من بعض المستشرقين الذين يقوم بترجمة القرآن، وهدفهم الأساسي الإساءة إلى الإسلام مؤكداً أنه لا يمكن القول ان عالمية الإسلام أو انتشاره لن تحقق إلا بترجمة القرآن، ومن الممكن ترجمة معانيه وتفاسيره ليفهمها العالم أجمع وبكل اللغات، شريطة أن تكون هناك متابعة من جميع الهيئات الإسلامية والعلمية لكل التراجم لمعاني القرآن، والرد على أي تجاوزات قد تحدث من بعض المترجمين.
أما د. محمد المسير أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر يقول: اتفق أهل الرأي من العلماء على أنه يجوز ترجمة معاني القرآن الكريم، ولكن يستحيل ترجمة ألفاظه.. ومن هنا فلابد لمن يتصدى للقيام بهذا العمل الخطير أن يكون مؤهلاً لذلك، من حيث الدقة والأمانة ومعرفة بأمور القرآن ودراسته دراسة جيدة.
ويخلص إلى أنه على الرغم من أن كل التراجم التي سبقت جاءت كلها ناقصة وبها العديد من الأخطاء إلا أنه من الممكن أن تساعد ترجمة معاني القرآن في انتشار الإسلام، وقديماً كان لترجمة بعض معاني القرآن إلى اللغات الأخرى مثل الفارسية دور في انتشار الدعوة الإسلامية، لذا لا مانع من ترجمة معاني القرآن، رغم كل ما يكتنف عملية الترجمة من صعوبات.
ويشير د. محمود عبدالجواد - أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر - إلى أن اتفاق أهل الرأي من علماء المسلمين جاء مقراً بإمكانية ترجمة معاني القرآن الكريم، شريطة أن تكون الترجمة للمعاني وليس الألفاظ، وأن تتم جميع مراحلها تحت رقابة مشددة من قبل المتخصصين في الترجمة من المسلمين المشهود لهم بالإيمان، نظراً لأن رقابتهم ومراجعتهم على مثل هذه الترجمة تعد بمثابة شهادة حق، سوف يسألون عنها أمام الله.
ويرى د. عبدالجواد أن مثل هذه الترجمات ضرورة لنشر الإسلام بقيمه العظيمة بين أصحاب اللغات الأخرى سواء من المسلمين أو غير المسلمين، إلا أن الأمر نفسه يكتنفه خطورة بالغة، وربما ذلك ما دعا بعض علماء الدين إلى المطالبة بقصر هذه الترجمات على جهات إسلامية بعينها، منعاً لإثارة القلاقل واستغلال بعض الجهات المشبوهة لهذه الترجمات لبث فكرها الأعوج.
ويخلص د. عبدالجواد إلى أن الإسلام في علاقته مع الآخر، لابد وأن يكون منفتحاً بشكل منضبط، لأن المتربصين زاد عددهم، وآلة الإعلام الصهيوني تبحث بجد عن مثل هذه الوسائل لنسب كل ما ينفيه الإسلام إلى هذا الدين القويم العظيم، أما ترجمة القرآن لفظاً فهذا أمر لا يمكن أبداً ولا يقره أحد.