حينما أرسل الله تعالى الرسالة الإسلامية على نبيه المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان القصد من ذلك إخراج البشرية من الظلمات إلى النور، فجاءت الشريعة الإسلامية في كل نصوصها تبحث عن صالح الإنسان وتكرس الخير له في الدنيا والآخرة، بعيداً عن كونه أبيض أو أسود، يعيش في مجتمع مسلم أو يعمل في وسط يدين بغير دينه،
فالأمر كله سواء بالنسبة للتشريع، ما دامت القواعد الحاكمة لهذا الفقه والاجتهاد لم تتغير، فالسرقة حرمها الشرع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مباحة ما دام الأمر يسير في الاتجاه الطبيعي، لأن السارق يأخذ حق غيره، مهما كان هذا الغير.
ولكن بعد أكثر من أربعة عشر قرناً من إقرار الشريعة الإسلامية بدأت تلوح في الآفاق بعض الأصوات التي تطالب بأن يكون هناك «فقه إسلامي للأقليات» بسبب زيادة عدد المسلمين الذين يعيشون في الخارج وهذا الأمر بحاجة لمناقشته مع الفقهاء وعلماء الشرع.
يقول د. محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة والقانون: لا يصح أن نقول إن الفقه الإسلامي يمكن أن يطوع لصالح الأقليات المسلمة فكلمة تطويع توحي بأننا سنجعل الفقه الإسلامي الذي وجدناه في كتبنا الفقهية، وكتب التفسير والحديث التي تعرضت للقضايا الفقهية يغير ملامحه ونضفي عليه صفة جديدة لم تكن موجودة فيه، وهذا معنى لا يصح..
مشيراً إلى أن الفقه الإسلامي بقواعده الأصولية وقواعده الفقهية العامة يحمل خاصية القدرة على بيان الأحكام لكل قضية ونحن في أشد الاحتياج إلى الفقه الذي يدرك القواعد الأصولية والفقهية ومقاصد الشريعة ويفهمها الناس، فإن كلمة فقه «الأقليات» هي مصطلح يراد به الكلام في القضايا التي تحدث في المجتمعات الغربية ويتعرض لها المسلمون المقيمون في أوروبا،
والحقيقة أنه لا يوجد في الفقه الإسلامي فقه الأقليات لأنه لا يوجد فيه فقه «الأكثريات» وإنما الفقه هو العلم الذي ينظم حياة الإنسان وعلاقاته سواء أكانت هذه العلاقات بين الإنسان وربه وهو مجال العبادات أم كانت علاقات بين الأفراد والمجتمعات بعضهم مع بعض وهو فقه المعاملات.
ويضيف: إن كل ما يعطى من أحكام لمن نسميهم بالأقليات هي أحكام يصح أن تعطى للتصرفات التي يتعرض فيها المسلمون في بلادهم، إذا هم تعرضوا لنفس الظرف الذي يتعرض له من نسميهم بالأقليات، فحكم الاقتراض مثلاً من البنوك بالفائدة لشراء منزل، حكم واحد لكل من يتعرض لهذا الموقف، سواء أكان يعيش داخل المجتمعات الإسلامية أم يعيش في المجتمعات غير الإسلامية،
وهو أنه إذا كان يتعرض لحالة الضرورة، وهي عدم وجود مسكن يستطيع شراءه بإمكاناته الحالية ولا يستطيع أن يشتريه بأقساط يدفعها في المستقبل وليس عنده القدرة على تأجير مسكن إلا بالاقتراض، فالحكم هنا واحد وهو إعمال القاعدة التي تقول الضرورات تبيح المحظورات،
وهذا الحكم يطبق على المسلم الذي يعيش في مجتمعات غير إسلامية وتدعو الحاجة إلى معيشته هناك وأيضا يطبق على المسلم داخل الدولة الإسلامية. ويؤكد أن الفقه الإسلامي بقواعده العامة يستطيع أن يتلاءم مع حياة الناس في كل زمان ومكان فهو يحمل خاصية الصلاحية لكل الظروف الحياتية.
ويرى د. منيع عبد الحليم محمود بجامعة الأزهر الشريف: أن الإسلام أتى من لدن الله سبحانه وتعالى صالح لكل الأزمنة والقرآن الكريم هو النص الوحيد في العالم حاليا الموجود بالأسلوب الإلهي لم يمسه التحريف أو التبديل ولذا فهو صالح للمسلم في مجتمعه الأصلي وأيضا المسلم في أوروبا وأفريقيا سواء كان المسلمون أقلية أو أكثرية فالالتزام بشرع الله يؤدي إلى سعادة الإنسان خليفة الله في الأرض،
ولذلك فإن الأقليات المسلمة إذا التزمت بالقواعد الأصلية التي شرعها الله على الوجه الصحيح ورجعت إلى الأزهر الشريف والمدارس الصوفية الموجودة في الغرب لكان أمرهم هو الأفضل في المجتمع الذي يعيشون فيه،
لأن هذا الدين يهدي للتي هي أقوم وينصح رؤساء المراكز الإسلامية في أوروبا بضرورة التمسك بتعاليم الإسلام السمحة والحرص على تطبيق الأخلاق الإسلامية في تعاملاتهم مع الآخرين، ومن ثم لن يكون هناك خلافات بين المسلمين الأوروبيين والآخرين فالخلافات الدينية تولد الإرهاب وتؤدي إلى ضعف المسلم أينما كان وبالتالي ينعكس ذلك على الدين الإسلامي في نظر الآخرين.
ويشير إلى أن الأقليات المسلمة عليها أن تؤدي رسالة مفادها أن الإسلام دين الحب والمودة وليس دين عنف وإرهاب ، ونستطيع أن نقول إن أزمة الأمة المسلمة حاليا جاءت نتيجة لتصرفات بعض من المسلمين الذين ينتمون إلى الدين الإسلامي، ولذلك فإن المطالبة بتطويع الفقه الإسلامي لكي يلائم المجتمعات الأوروبية غير وارد لأن الدين في الأساس قائم على اليسر وليس العكس.
ويوضح د. محمد سالم أبو عاصي أستاذ التفسير بجامعة الأزهر أن أحكام الفقه الإسلامي تنقسم إلى قسمين: قسم يشتمل على أحكام ثابتة قطعية لا تقبل التغير ولا التبديل، وقسم آخر يشتمل على أحكام ثابتة دلالتها بأدلة ظنية تحتمل أكثر من وجه وهذه هي التي تطوع لواقع العصر شريطة الانضباط بمقاصد الشريعة الإسلامية وإذا جئنا إلى ما يسمى بفقه الأقليات المسلمة،
فإنه لا يخرج عن القسم الثاني من أقسام الفقه الإسلامي، أما أن يصطنع عنوان فقه الأقليات فإننا يجب أن نتساءل ما المقصود من هذا المصطلح لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإن كان المقصود أن للأقليات الإسلامية ضرورات تبيح لهم المحظورات فكل مسلم دخل تحت حد الضرورة سواء كان يقيم في بلد إسلامي أو غير إسلامي فإن الضرورة تنطبق عليه من باب فقه المصالح والضرورات وباب الاستحسان وغير ذلك من المصادر الشرعية.
ويضيف: إن كان المقصود بفقه الأقليات هو أن نبيح المحرمات من غير ضرورة وأن تتسع دائرة الأحكام الخارجية عن أصول الشريعة الإسلامية، فذلك أمر مرفوض لدى أهل العلم قديماً وحديثاً وظني أن الكاتبين في فقه الأقليات لا يقصدون ذلك،
ولذا فإنني أحذر أهل العلم بالشريعة من التلاعب بالثوابت الشرعية، بل يجب أن نعلن المسلمين في الداخل والخارج أن هناك أحكاماً قطعية لا يجوز المساس بها لا من قريب أو بعيد لأن الواجب أن نخضع الواقع لأحكام الشرع.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية