طالب كبار قادة الجيش البريطاني حكومة بلادهم بالتحرك لسحب قواتهم من العراق من دون تأخير بعدما لم يتبق لديها ما تفعله، غير أن مستشاراً عسكرياً أميركياً حذّر القوات البريطانية من أنها ستواجه عواقب بشعة ومحرجة إذا ما انسحبت بطريقة سيصورها المتمردون كما لو كانت «هروباً بعد الهزيمة».
ومقابل التعجل البريطاني في الانسحاب سجلت فرنسا عودة سياسية قوية للساحة العراقية بوصول وزير خارجيتها برنار كوشنير الى بغداد في اول زيارة لوزير فرنسي الى العراق منذ الغزو معلنا بذلك منعطفاً في المقاربة الفرنسية للمسألة العراقية بعد انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا لفرنسا خلفا لجاك شيراك الذي عارض الحرب على العراق.
ودعا الوزير الفرنسي فور وصوله كافة الأطياف والقوى العراقية إلى توحيد صفوفهم من أجل «نبذ العنف، والعودة إلى مسار المصالحة وإحلال السلام». وجاء وصول كوشنير على وقع الازمة السياسية في العراق حيث انخرطت الكتل السياسية في تحرك حثيث على خطين متقابلين: أحدهما في اتجاه السعي لإنقاذ حكومة نوري المالكي، والآخر في اتجاه تشكيل تحالف المعارضين للتحالف الرباعي الداعم للحكومة.
فقد ذكرت صحيفة «إندبندانت أون صنداي» البريطانية أمس، أن كبار قادة الجيش البريطاني طلبوا سحب قواتهم من العراق من دون تأخير لأنهم متيقنون من أنها لن تتمكن من إنجاز أكثر مما فعلت. ونسبت الصحيفة إلى قائدين بريطانيين قولهما «إن قادة الجيش قدموا نصيحة عسكرية إلى رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون بأن القوات البريطانية فعلت ما بوسعها في جنوب العراق».
وفي المقابل أفادت صحيفة «صنداي تايمز» أمس أن مستشاراً عسكرياً أميركياً حذّر القوات البريطانية من أنها ستواجه عواقب بشعة ومحرجة إذا ما انسحبت من محافظة البصرة. ونسبت الصحيفة إلى ستيفن بيدل من مجلس العلاقات الخارجية قوله «إن قوات التحالف لم تعد تسيطر على البصرة. حيث من المتوقع أن تصبح التجربة هناك خطأً فاضحاً وجسيماً فيما يتعلق بالتاريخ العسكري».
وأضاف بيدل «إن السيناريو الأسوأ المحتمل هو أن يقوم المتمردون الذين يفرضون سيطرتهم الآن على البصرة بمطاردتنا لإخراجنا من المدينة واستهداف جنودنا مع الميليشيات المسلحة عن طريق الكمائن والعبوات الناسفة وراجمات الصواريخ عند مغادرتهم البصرة». وحذّر من أن انسحاب القوات البريطانية من البصرة «سيكون في غاية الصعوبة وبشعاً ومحرجاً لأن المتمردين يريدون تصوير الخروج من المدينة هزيمة بريطانية».
ومقابل التعجل البريطاني سجلت فرنسا عودة قوية الى الساحة العراقية بوصول وزير الخارجية كوشنير امس الى بغداد زيارة مفاجئة هي أول زيارة يقوم بها وزير فرنسي إلى العراق منذ ان عارضت باريس الحرب على هذا البلد عام 2003.
وتتزامن هذه الزيارة والذكرى السنوية الرابعة للتفجير الذي استهدف مقر بعثة الأمم المتحدة في العراق في 19 يوليو 2003 وراح ضحيته صديق كوشنير ممثل الأمم المتحدة سيرجيو فييرا دي ميللو و21 شخصاً آخر.
وتوجه كوشنير فور وصوله برفقة نظيره العراقي هوشيار زيباري الى نصب اقيم احياء لذكرى هؤلاء الضحايا ووضع امامه باقة زهور كتب عليها «الى جنود السلام، فرنسا ممتنة».
وتشكل زيارة كوشنير منعطفاً في مقاربة السلطات الفرنسية للمسألة العراقية بعد انتخاب نيكولا ساركوزي في مايو الماضي رئيسا لفرنسا خلفا لجاك شيراك. وكان ساركوزي التقى مؤخرا نظيره الأميركي جورج بوش في الولايات المتحدة وبحث معه الخلاف الذي نشب بين بلديهما اثر معارضة باريس شن الحرب على العراق في مارس 2003. وفي ذلك الحين سار كوشنير عكس التيار السائد في بلاده فأسف لعدم مساندة فرنسا الولايات المتحدة.
ورحب البيت الابيض بالزيارة معتبرا انها دليل آخر على دعم المجتمع الدولي للعراق.
وقال كوشنير رداً على الصحافة حول تعزيز دور الأمم المتحدة في العراق «آمل ذلك وهذا يتوقف الى حد بعيد على العراقيين اكثر مما يتوقف علينا. لو كان الأمر يعود لفرنسا، لكانت الأمم المتحدة لعبت دوراً أكبر في العراق». ودعا الوزير الفرنسي كافة الأطياف والقوى العراقية إلى توحيد صفوفهم من أجل «نبذ العنف، والعودة إلى مسار المصالحة وإحلال السلام».
وفيما خص الأزمة السياسية العراقية، أجرى القادة السياسيون العراقيون أمس جولة جديدة من المباحثات سعيا لإنقاذ حكومة نوري المالكي من الأزمة التي تعيشها في أعقاب انسحاب عدد من وزرائها، وتمكنوا من الاتفاق على جدول أعمال اجتماع مقبل لقادة الكتل السياسية. وكانت هذه المباحثات نشطت بعد قيام زعماء أكراد وشيعة بتأسيس تحالف سياسي رباعي في غياب نظرائهم من السنة.
وقال مصدر في مكتب الرئيس العراقي جلال طالباني إن «اجتماعا عقد بمشاركة طالباني ونائبيه عادل عبدالمهدي (شيعي) وطارق الهاشمي (سني) ورئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني». وأضاف أن «المباحثات تناولت معالجة القضايا العالقة بغية اتخاذ القرار بشأنها في اجتماع القمة» في إشارة إلى اجتماع يضم كافة زعماء الكتل السياسية. وتابع أن «اجتماع القمة قد يعقد خلال أيام».
وكشف بيان صدر أمس عن مكتب الهاشمي عن سير هذه المحادثات انه تم «الاتفاق على عدد من المسائل أبرزها البرنامج الذي يجب أن يقدم لقادة الكتل السياسية ومن سيحضر الاجتماع منهم». وأكد البيان أن «على القادة السياسيين أن يحسموا أمرهم ويتفقوا على ما اختلفوا عليه».
على الجانب الآخر، واصلت الكتل السياسية المعارضة للتحالف الرباعي اتصالاتها للانتظام في تحالف آخر يضم جبهة المعارضين، على الرغم من أن العديد من قياديي جبهة التوافق السنية اعتبروا الحديث عن انبثاق التكتل الجديد المعارض سابق لأوانه على حد تعبير عزالدين الدوله النائب عن الجبهة.
وقال الدوله «من السابق لأوانه الحديث عن تشكيل تحالف مضاد للتحالف الرباعي الذي أعلن عنه الخميس الماضي لأننا لم نتوصل بعد إلى اتفاقات في هذا المجال». وأضاف «العراق في أزمة سياسية والبحث عن البدائل هو مسألة مشروعة والمنطق السياسي يقول إنه طالما توجد تكتلات من أجل الاستمرار بالسلطة، فيجب وجود تحالفات أخرى لمعرفة كيفية التعامل مع تلك التكتلات».
أما القائمة العراقية الوطنية التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، فقد ارتأت من جانبها ان الحوارات التي تجريها الآن مع كتل سياسية أخرى لا علاقة لها بانبثاق التحالف الرباعي. وقال النائب البارز في القائمة أسامة النجفي ان «في وسع معارضي التحالف الرباعي ان يمثلوا عددا كافيا لتشكيل نصاب معارض في حال التوصل الى مواقف موحدة».
ولمح النجفي إلى أن القائمة «تجري اتصالات مع الأطراف السياسية الأخرى المعارضة للتحالف الرباعي، كالتيار الصدري وحزب الفضيلة الإسلامي وجبهة التوافق وأطراف أخرى للاتفاق على صيغة موحدة».