تتعرض البحار إلى التلوث البيئي كما تتعرض اليابسة إلى الضرر ذاته، إلاّ أن النسبة تختلف عند الجانبين، وتختلف كذلك طرق المعالجة، والمتابع لهذا الموضوع يدرك جيداً من خلال الإحصائيات حجم الضرر الذي لحق بالثروة السمكية، والحياة الفطرية البحرية جراء المشكلات البيئية الناتجة عن الأنشطة البشرية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الكثير من المخلفات ما زالت غير معالجة في قاع البحر وخاصة المخلفات البلاستيكية غير القابلة للتحلل التي ترمى من قبل أطقم السفن الصغيرة والكبيرة.
ولتسليط الضوء على هذا الموضوع الحيوي كان اللقاء مع المهندس أحمد الجناحي مسؤول الثروة السمكية في وزارة البيئة والمياه فقال: هناك الكثير من المشكلات البيئية التي يعاني منها الإنسان اليوم، وهذه المشكلات تختلف من حيث حدود ودرجة مردوداتها السلبية على صحة الإنسان وبيئته، والحياة الفطرية، فمنها مشكلات بيئية، عالمية تغطي تأثيراتها الكرة الأرضية، وتتعدى الحدود الجغرافية بين الدول، مثل تدهور غاز الأوزون في طبقة الأوزون، وارتفاع درجة حرارة الأرض.
أو ما يُسمى بظاهرة الاحتباس الحراري، أو انقراض الأحياء النباتية والحيوانية الفطرية وانخفاض شديد في التنوع الحيوي ومن جانب آخر هناك مشكلات ذات تأثير إقليمي مثل الأمطار الحمضية، أو التلوث الصناعي الناجم عن المصانع الواقعة على حدود الدول، ومنها مشكلات ذات انعكاسات محلية، وتأثيراتها تقع ضمن حدود جغرافية ضيقة، مثل ظاهرة الضباب الضوئي الكيميائي الناجمة بشكل رئيس من عوادم السيارات، وبخاصة الملوثات الهيدروكربونية وأكاسيد النيتروجين التي تنبعث منها فتتحول بفعل أشعة الشمس إلى ملوثات مؤكسدة مثل غاز الأوزون.
وقال الجناحي إن المخلفات الصلبة تُعد من المشكلات الرئيسة التي تعاني منها المجتمعات الحضرية في الوقت الحاضر، ولها تأثيرات وانعكاسات محلية في أغلب الأحيان. ولذلك اهتمت الكثير من الدراسات العلمية في علاج هذه المشكلة، ووضعت السياسات المستدامة لإدارة هذه المخلفات الصلبة بأسلوب بيئي وصحي متكامل، وركزت معظم هذه الدراسات على المخلفات الصلبة الناجمة عن الأنشطة البشرية من مصادرها المختلفة، مثل المنازل والمحلات التجارية والمطاعم والشركات الصناعية، وتأثير هذه المخلفات على التربة والمناطق البرية وصحة الإنسان.
وأضاف أنه يوجد العديد من الطرق المتبعة للتخلص من المخلفات الصلبة، ومنها الحرق، أو تحويل المكونات القابلة للتحلل الحيوي إلى مواد مخصبة للتربة، أو غاز الميثان المستخدم كوقود، وتدوير بعض مكونات هذه المخلفات، ومن أكثر الطرق شيوعاً للتخلص من المخلفات الصلبة هو دفنها في مناطق مخصصة لهذا الغرض، تُعرف بعملية الدفن الصحي.
ولكن في الوقت ذاته نجد أن هناك نقصاً في الاهتمام بالنسبة للمخلفات الصلبة الموجودة في قاع البحر، والتي عادةً ما تُنسى، وكأنها وصلت إلى مثواها الأخير، فتلوث البيئة البحرية، وتؤثر على نوعية مياه البحر، وتنعكس سلبياً على الكائنات والأحياء البحرية والطيور المائية، وتؤدي إلى هلاكها في الكثير من الأحيان. وأكد الجناحي أن المخلفات البلاستيكية غير القابلة للتحلل، ولها القدرة على الثبات،
وقد تلتهمها الأسماك الكبيرة فتختنق وتموت، وبعض شباك الصيد التي تُترك في البحر تتعرض لها الطيور فتموت فيها، كما أنها تعيق حركة الأسماك والكائنات البحرية الأخرى فتهلك فيها، إضافة إلى التأثيرات المباشرة لهذه المخلفات البلاستيكية على محركات القوارب والسفن في البحر، وتشويه المنظر الجمالي العام للبيئة البحرية السطحية والقاعية.
وأضاف أن بعض الدراسات أظهرت أن المخلفات البلاستيكية تمثل نحو 50% من مجموع المخلفات الصلبة على سواحل البحر، كما يقدر مجموع الطيور البحرية التي تموت بسبب هذه المخلفات البلاستيكية بمليون طائر سنوياً على المستوى العالمي، ومائة ألف من الكائنات البحرية الفطرية.
كما أشارت دراسة أجريت في الجزء الشرقي من قاع البحر الأبيض المتوسط أن المخلفات البلاستيكية تشكل أكثر من 63% من مجموع المخلفات الموجودة في قاع البحر، وهذا النوع من المخلفات في ازدياد مضطرد بسبب ارتفاع المواد المصنوعة من البلاستيك حالياً، واستخدام البلاستيك كبديل للكثير من المواد التقليدية التي كانت تستخدم سابقاً في الصناعة وفي الأدوات والمستلزمات المنزلية.
كذلك أكدت دراسة أجريت على نوع واحد من السلاحف البحرية تعرف بالسلحفاة ذات الرأس الكبير، والتي تعيش في الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط على أن الجهاز الهضمي لـ 43 سلحفاة، مملوء بالمخلفات البحرية الصلبة، وأن 75.9% من المخلفات كانت مواد بلاستيكية، والباقي شباك الصيد وأخشاب وأوراق وريش. كما أشارت هذه الدراسة إلى أن هناك علاقة مباشرة بين كمية المخلفات في الجهاز الهضمي لهذه السلاحف وحجمها، وهذه الدراسة تؤكد خطورة المخلفات البحرية على السلاحف بوجه خاص، والحياة الفطرية البحرية بشكل عام.
وقال الجناحي إنه علاوة على ذلك، فإن هناك دراسة أجريت على الأنظمة البيئية للشعاب المرجانية في الجزء الشمالي الغربي من جزر هاوي حول المخلفات الصلبة في هذه المناطق وتأثيرها على الشعاب المرجانية، وأشارت نتائج الدراسة إلى أن هذه المخلفات الصلبة، وبالتحديد المواد البلاستيكية المتمثلة في شباك وخيوط الصيد البلاستيكية المهجورة، تقتل عجل البحر المهدد بالانقراض، والذي يعيش في تلك المنطقة، ويهدد الشعاب المرجانية والحياة الفطرية البحرية.
كما أن هناك العديد من المصادر التي تسبب تلوث قاع البحر بالمخلفات الصلبة، منها المخلفات الصلبة التي تلقى على الساحل فتتحرك عن طريق التيارات المائية والرياح فتترسب في قاع البحر مع الوقت، ومنها المخلفات التي يلقيها الصيادون ومرتادو البحر بشكل عام، ومنها التي تلقيها السفن، والتي تترسب في نهاية المطاف بقاع البحر لا توجد عنها معلومات دقيقة، من حيث كميتها ونوعيتها.
وقال الجناحي لذا أجريت دراسات عدة للتعرف على واقع المخلفات الصلبة في بعض المناطق في المياه الإقليمية لبعض الدول من حيث كميتها ونوعيتها كما هدفت الدراسات إلى تعزيز، وتعميق الوعي لدى المستثمرين وكافة الناس بضرورة إدارة هذه المخلفات بطريقة سليمة والاهتمام بالبيئة البحرية بشكل عام والثروات الفطرية الغنية التي تعيش تحت ظلها.
وقد خلصت الدراسات إلى عدة استنتاجات، لكنها لم تشمل المخلفات الصلبة الثقيلة والكبيرة التي كانت جاثمة في قاع البحر، والتي لا يتمكن إزالتها، ومنها أن هناك كميات كبيرة من المخلفات الصلبة الموجودة في قاع البحر في مختلف المواقع البحرية التي تمت دراستها، مما يشير إلى أهمية العناية بقاع البحر، وسن التشريعات اللازمة لحمايته، وتنفيذ هذه التشريعات جدية.
جاءت المخلفات البلاستيكية في المرتبة الأولى مقارنة بالمخلفات المعدنية والزجاجية والخشبية،وهذا يؤكد الضرر الناجم على الحياة الفطرية البحرية من هذه المخلفات، حيث إن المخلفات البلاستيكية تعرف بأنها ثابتة وغير قابلة للتحلل وتبقى سنوات طويلة في قاع البحر دون أن يطرأ عليها أي تغيير، كذلك الكثير من الشعاب المرجانية تأثرت بشكل مباشر بسبب أنشطة بعض الصيادين اللامبالية والمتمثلة في سحب الشباك والباورات الحديدية مما أدت إلى كسرها وتدميرها، كما أن عمليات الصيد بشباك الجر غير التقليدية أثرت بشكل مباشر على البيئة القاعية فحولت بعض المواقع إلى صحراء مائية مقفهرة.
وكما أكدت الدراسات وجود كميات ضخمة من المخلفات الصلبة الثقيلة وكبيرة الحجم والتي لم يستطع الغواصون حملها وإزالتها من قاع البحر وهذا نوع آخر من المخلفات الصلبة التي تحتاج إلى إدارة خاصة ودراسة مستفيضة للتعرف عليها كمياً ونوعياً.
وقال إنه يوجد أنواع من المخلفات الصلبة في قاع البحر التي جمعت في بعض المناطق في المياه الإقليمية لبعض الدول، التي كانت تضم خيوطا بلاستيكية، وحبال القماش، وعبوات زجاجية وبلاستيكية ومعدنية، وقضبانا حديدية، وإطارات سيارات، ومراسي سفن.