امتزجت دماء كوادر الفصائل الفلسطينية المتناحرة في قطاع غزة في «معركة التصدي» لعدوان إسرائيلي على خانيونس جنوب القطاع خلف ستة شهداء وعشرات الجرحى واعتقال 80 مدنياً امس الذي صادف الذكرى الاولى لهزيمة اسرائيل في حربها على لبنان. وعكس هذا التصعيد الذي أدانته باريس دون غيرها عربياً أو دولياً، سياسة تهدف إلى تقويض تعهدات رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت للرئيس الفلسطيني محمود عباس في لقاء أريحا، بالتزامن مع غضب إسرائيلي من توجهات أوروبية للحوار مع حماس باعتباره «خطأً ضخماً».
وقال مقاومون ومسؤولون في مستشفى خانيونس إن «قوات الاحتلال اغتالت ستة فلسطينيين في اجتياح مفاجئ لقوات إسرائيلية مدعومة بعشرات الآليات والطائرات العامودية المقاتلة لشرق خانيونس». وأوضحت المصادر أن «طائرة عامودية أطلقت صاروخاً على عضوين في كتائب (القسام) هما محمد أبو مسامح ( 24 عاماً)، وعمر القرا (27 عاماً) فاستشهدا على الفور».
وأضافت «في حين استشهدت والدة القرا وتدعى صبحة (60 عاماً) برصاص الاحتلال أثناء محاولتها الاطمئنان على نجلها، كما استشهد إبراهيم الشامي (30 عاماً) من حركة فتح وتعذر نقله إلى المستشفى لساعات بسبب منع جنود الاحتلال الطواقم الطبية الاقتراب من المكان». وفي وقت لاحق «استشهد فلسطينيان أحدهما عضو من سرايا القدس أثناء الاشتباك مع جنود الاحتلال في نفس المنطقة».
وتبنت لجان «المقاومة الشعبية» هجوماً على دبابات الاحتلال بقذائف (آر.بي.جي)، فيما قنصت المقاومة جندياً للاحتلال وأردته قتيلاً، ولم تؤكد أو تنفي إسرائيل النبأ. وذكر ناطق باسم جيش الاحتلال أن «العملية نفذت في محاولة للعثور على شبكة أنفاق يشتبه أن (المقاومين) يستخدمونها على حدود غزة، ولمنع الفلسطينيين من إطلاق صواريخ على أهداف إسرائيلية». وأضاف «اعتقل الجيش 80 فلسطينياً للاستجواب. وأنه اكتشف قنبلة وحزاما ناسفا خلال الغارة».
وفي موقف لافت، دانت فرنسا بشدة العدوان الإسرائيلي. ودعا الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية اوغ موريه في مؤتمر صحافي إلى «أكبر قدر من ضبط النفس من أجل وقف دورة العنف». وذكّر بأن «فرنسا تدين بانتظام ممارسة عمليات الاغتيال من دون محاكمات، وهي عمليات مناهضة للقانون الدولي». كما دعت باريس إلى «الوقف الكامل لأعمال العنف والفصائل الفلسطينية إلى احترام وقف إطلاق النار لاسيما وقف إطلاق الصواريخ».
ويتنافى هذا العدوان الإسرائيلي مع كل جهود التهدئة والمبادرات لتهيئة الأجواء في المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس الأميركي جورج بوش في نوفمبر المقبل لإطلاق عملية السلام. كما جاء الاعتداء الجديد بالتزامن مع إعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت رفضه خطة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز «الأمن مقابل الأسرى».
وقال مصدر قريب من أولمرت إنه «لا يوجد رئيس وزراء في إسرائيل يمكنه الموافقة على إطلاق سراح أسرى فلسطينيين بشكل جماعي ومن ضمنهم قتلة». وأضاف أن «فكرة رفع العلم الفلسطيني فوق الأماكن الدينية في القدس أو مبادلة الأراضي غير قابلة للتطبيق حالياً».
وكان مصدر دبلوماسي أميركي أكد على أن «واشنطن تطلب من أولمرت القدوم إلى مؤتمر السلام في نوفمبر ومعه إعلان مبادئ واتفاقية مبدئية لإقامة دولة فلسطينية بحيث تشمل الاتفاقية مضمونا اقتصاديا بالأساس». ويعتقد أن هذا المطلب صعب التحقيق، خاصة بعدما أفادت تقارير إسرائيلية أن «وزير الدفاع الإسرائيلي أيهود باراك أرجأ رفع الحواجز العسكرية في الضفة الغربية، رغم أن أولمرت تعهد للرئيس الفلسطيني أبو مازن في لقاء أريحا بذلك».
وأضافت التقارير أن «الوزارة وقيادة المنطقة الوسطى لجيش الاحتلال رفضت اعتبار أعمال البناء والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يشكل مخالفة قانونية». ويأتي هذا التراجع ليكشف عن تقاعس الحكومة الإسرائيلية الحالية عن أداء أي خطوة تساعد على التقدم في عملية التفاوض مع الطرف الفلسطيني.
كما اعتبرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أن الجهود الأوروبية لتسوية الخلاف بين حركتي فتح وحماس تعد «خطأ كبيراً للمجتمع الدولي». وجاءت أقوال ليفني رداً على دعوات من رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي وبرلمانيين بريطانيين للحوار مع حماس.
وقالت في مؤتمر صحافي مع نظيرها الياباني تارو آسو «أعرف أن المجتمع الدولي متحمس لرؤية نوع من التفاهم بين الحركتين». وتابعت وهي تدق على طاولة أمامها للتأكيد «هذا أمر مغلوط. هذا خطأ. خطأ كبير ضخم». وشددت على أن «دور الأسرة الدولية يتمثل في «رفض أي مساومة مع الإرهاب. لأنها ستؤدي إلى تقويض حكومة سلام فياض» الفلسطينية.
وتزامن تصريحات ليفني تأكيدات زعيم الغالبية في مجلس النواب الأميركي ستيني هوير لفياض في رام الله أن «حماس لا يمكن ولن تكون شريكاً في المضي قدماً في عملية السلام».وفي ظل هذا المشهد المعقد، قالت مصادر دبلوماسية في السلطة الفلسطينية إن «الرئيس الفلسطيني يعتزم تقديم استقالته في حال فشل مؤتمر السلام». واعتبرت أن «قوى فلسطينية كثيرة من الداخل والخارج تعمل على إفشال جهود عباس للسيطرة على الضفة وإعادة السلطة إلى غزة».