دعا العلماء والدعاة إلى ضبط الفتاوى التي يتم بثها على الفضائيات، واختيار القائمين عليها من المتخصصين في الفقه والشريعة، وإبعاد الأشخاص الذين يثيرون البلبلة بفتاواهم عبر هذه الفضائيات، وأكد العلماء أن كثيرا من الفضائيات الدينية لا تستخدم إلا من قبيل جلب الإعلانات والأموال لأصحابها.
وحول هذا الجنوح والفوضى في مجال الفتوى يؤكد الدكتور عبدالمعطي بيومي عميد كلية أصول الدين الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية أن هذه الفوضى ترجع لأمرين: أما الأول فهو التعرض للفتوى ممن ليس أهلا لها ولم تكتمل له أدواتها ولم يحصل العلوم التي تؤهله لذلك خاصة من بعض الدعاة الجدد أو بعض العلماء الذين لم يؤهلوا للفتوى حتى وإن درسوا أو تخصصوا في أحد العلوم الإسلامية فالتخصص وحده ليس كافيا وإنما لابد أن يكون حافظا لكتاب الله وعلى دراية كاملة بالفقه والحديث والتفسير والتاريخ الإسلامي ومعرفة الواقع وفوق ذلك كله يجب أن يتسم بالورع والتقوى وهؤلاء يأتون بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان.
ويضيف: «ان الأمر الثاني وهو بعض القنوات الفضائية التي أنشئت لا لخدمة الدين أو الثقافة الإسلامية أو الدعوة وإنما بقصد التربح من الإعلان ولان هذه القنوات تعلم جيدا حب الشعوب العربية والإسلامية للثقافة الدينية فهي تخصص برامجها أو بعضها لجذب المشاهدين بهدف جلب الإعلانات فتأتي بهؤلاء الذين لم يؤهلوا واستخدامهم كطعم لجلب الإعلانات والتنافس فيما بينها لجذب المشاهدين من خلال البرامج الساخنة والموضوعات المثيرة للجدل والبلبلة فتلجأ إلى الإثارة بهذه الفتاوى لتسخين الحلقات ولفت الانتباه».
وحول تأثير هذه الفتاوى المثيرة للبلبلة والداعمة للتشكيك في صحيح الدين قال بيومي: الناس يعرفون جيدا «الغث من الثمين» ويعرفون الفتوى التي تقع موقعها من الحق وقبول الحق من تلك الفتوى الجانحة وذلك بفضل ازدياد الوعي والفهم العام والصحيح للإسلام وازدياد الثقافة العامة.
ولكنه حذر من التأثير الخطير والسلبي لهذه الفتاوى الجانحة على الخارج والتي بلا شك سيتلقفها المتعصبون من أعداء الأمة وأعداء الإسلام ويأخذونها حجة على الإسلام وذريعة للسخرية من الإسلام ورسول الإسلام وهو للأسف الشديد سلاح يمكن استخدامه ضد الإسلام لأنه خارج من بلاد الإسلام بل من علماء الإسلام حسب قولهم.
ويقول الدكتور عبدالمعطي بيومي: الحل عندي في أن يتقي أصحاب الفضائيات الله فيما يقدمون للمسلمين فلا يستعينون إلا بمفتٍ حقيقي قادر على الفتوى ومدرك لأبعادها وخطورتها وأن تكون عملية إسناد الفتاوى مجردة لوجه الله وخدمة دينه لا للتربح وجلب الإعلانات لأن ذلك يعد كسبا حراما ولن يجدي شيئا وإن كثر وسيحاسب عنه أمام الله تعالى.
أما الداعية الإسلامي الشيخ محمد الراوي فقال: أنا أكره الفتوى وأكره التصدي لها مضيفا أن الفتوى كثرت لأن الفساد كثر وكلما زاد الفساد ازدادت الفتوى، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه تولى مسؤولية الفتوى والقضاء في عهد الصديق أبوبكر وبعد عامين أتى إليه طالبا إعفاءه من منصبه وعندما سأله أبوبكر عن السبب فقال الفاروق «وليتني عامين القضاء والفتوى ولم تقدم لي شخصا واحدا رافعا شكوى أو طالبا فتوى»، وكان ذلك نتيجة العدل الذي ساد والإيمان الذي تغلغل في الصدور.
وأضاف اننا اليوم نمر بمرحلة مخاض عسير على مختلف المستويات وقد أعانني ربي للوقوف عند القرآن الكريم أنهل منه ما يشفي صدري ويفرج كربي ويشرح به نفوس قوم مؤمنين وأنا أعتبر نفسي غير مؤهل للفتوى لأن الفتوى تشخيص وليست نصوصا تحفظ وتتلى وإنما هي معرفة وإدراك وعلم وتدبر وفطنة وتوفيق من الله عز وجل.
ومن جانبه أكد الشيخ محمود عاشور الوكيل السابق للأزهر الشريف على أن وضع الفتوى صار سيئا والفتوى أصبحت لمن يعرف ومن لا يعرف ومن لا يعرفون أكثر بكثير، مشيرا إلى أن السبب في ذلك يرجع إلى فضائيات الإثارة والبلبلة وتحول الدين إلى بيزنس وتجارة وانقلبت الدعوة إلى الله من دعوة يراد بها وجه الله وخدمة الدين الإسلامي الحنيف إلى مجرد وسيلة للتربح وسلعة للكسب حتى وإن كان ذلك على حساب الدين..أو ضد مصلحة الإسلام ويشكل اعتداء صارخا على المقدسات والمحرمات وضرب العقيدة في مقتل.
وقال ليس أدل على ذلك مثلا من فتوى التبرك ببول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وأيضا فتوى إرضاع الكبير بحجة الخلوة فهو ليس من الدين في شيء.وأشار إلى أن هؤلاء لا يفتون بما يهم الناس ويشغلهم من مشاكل وقضايا وإنما بما يهز أركان الأمة فهم يتحدثون عن أمور الحديث فيها لن يفيد والسكوت عنها لن يضر.
أما الداعية الشيخ فرحات المنجي فيؤكد على أن الفتوى قضاء وحكم والفتوى شهادة وكاتمها ملعون إذا أيقنها والناس قديما كانوا يتورعون عن الفتوى ويعزفون عن توليها ومنهم من عذب بسبب امتناعه عن تولي القضاء والفتوى والتي كان لها رجالها المشهورون والعالمون بها وأسماؤهم معلومة حتى اليوم.
والفتوى لا يتصدى لها إلا ذو علم واسع وعقل حصيف ومعرفة من الكتاب والسنة وكانت شروط الفتوى معلومة عنهم للقاصي والداني فكان الرجل إذا أراد فتوى في بلد ما يسأل من الذي يفتي فيدل عليه أما الآن فقد أصبح ذلك أمرا مستباحا للعالم والجاهل.
القاهرة ـ سباعي إبراهيم