قال الشيخ: لعل ما يميز هذا الزمان أكثر من غيرهِ أنه زمان يمكن أن يوصف بجدارة بأنه زمان خيبة الأمل، فعلى الرغم من كم الإنجازات المعرفية والمادية المتراكمة والمتضاعفة يشعر الإنسان اليوم بحالات مرة من الاغتراب واليأسِ والقنوط وخيبة الأمل من كل شيء وفي كل شيء، وقد قامت جدران عملاقة بين أفرادِ البشر فلم يعد الواحد منهم قادراً على أن يستند إلى أحدٍ أو يستضيف أحدا

. السياسة والثقافة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية تصفع الإنسان اليوم منذ أن يستيقظ صباحاً ويمسك بالصحيفة ليقلبها ويقلب معها صوراً من (وحشية) و(شراسة) البشر في هرولتهم إلى النفع الشخصي والذاتي والمباشر، ومروراً بخروجه من بيته ليرى أن عليه أن يدفع دائماً أثماناً باهظة حتى للّقمة التي يضعها في فم عياله، وانتهاء بالعلاقات الإنسانية التي تحولت إلى أقنعة لعلاقات وتواطآتٍ تهدف إلى نفع متبادل لا يشترط فيه العدالة بل لعله كثيراً ما يميلُ إلى طرف أو على طرف ميلاناً مجحفاً على حساب للطرف الآخر.

لم يعد المرء اليوم قادراً على الثقة بالنخبة، بالساسة والمفكرين والكتاب وأرباب الفنون، بل وحتى بالمؤسسات الاجتماعية من قضائية وغيرها، لم يعد قادراً على إحسان الظن بمخلوق في ظل ثقافة تؤكد على قيم (الذاتية) و(الفردية) و(الغنى المادي) ولو على حساب نمو القيم والنبل الإنساني.

ليس سهلاً أن يعيش الإنسان حياة يرى فيها نفسه مضطراً للمقايضة والمساومة في كل خطوة يخطوها، وكثيراً ما تمتد هذه المقايضة لتمس كرامات وهوية وجوده الإنساني والمادي، ولكننا في عصر ما يسمى بانتصار الرأسمالية وما بعد الحداثة، حيث لا يتوقع للإنسان وقيمته إلا أن تكون سلعة تعرض في الأسواق يباع وتباع بأرخص الأسعار حسب قوانين السوق والعرض والطلب.

إن (المواجهة) الحقيقية بين الغرب والإسلام، أو لنقل بين العولمة والهوية الدينية، ترجع في قسم كبير منها إلى مواجهة بين (تسليع الإنسان وكل ما يفخر به) من جهة، والحفاظ عليه وإعلائهِ عن صور التبادل المادي والبيع والشراء من جهة أخرى. فزمن العولمة يعني أكثر ما يعنيه أن يتحول الناس كل الناس إلى (مرتزقة) يبيعون إنسانيتهم مقابل حفنة من المال.

قوانين المرتزقة تعني أن يعطل الإنسان عقله واختياره وتفضيلاته وقيمه وأخلاقه ليصبح مجرد وسيلة لتحقيق مآرب الأقوى مقابل ثمن قد يزيد أو ينقص ولكنه في كل الأحوال لا يمكن أن يساوي ثمن إنسانيته.

إذا استطاع الإنسان أن يفهم نواميس المرتزقة استطاع أن يرى في أكثر الناس حتى ممن يدعون أنهم من أصحاب الرسالات مجرد (رقيق) يحسن تقديم ولاءه وخدماته لأسياده، هؤلاء الأسياد الذين لا يمكن بحال من الأحوال إحسان الظن بهم أو الإتكاء على حسن تقديرهم ومعاملتهم لمن يرونهم عبيدهم. وهنا ما أصعب أن يمضي الإنسان حياته محارباً وحده ليس معه من يتفهم جراحاته أو يقدم دعماً له في ظروف عبودية طاغية وظالمة لا تفسح المجال للرحمة ولو لساعة من نهار.

إن هذه الأحوال المقيتة والتي يراد لها أن تزداد امتداداً وتوسعاً وتعمقاً في الأرض التي يتحرك فيها البشر والتي تعني أن قيمة الإنسان تنحصر فيما يستطيع أن يشتريه من ملكٍ أو يقدمه من خدمات لأسياده هي نوع من (الإشراك) الصريح، فالله أراد لنا أن نبيعه أنفسنا وأموالنا بأن لنا الكرامة في الأرض والجنة في السماء. ونحن نعرض عنه بكرمهِ وتكريمه لنا ونرتضي لأنفسنا أن نعيش على فتات موائد الكبار بعد أن نبيعهم كل شيء من ديننا وحسن توجهنا إلى الله إلى إنسانيتنا ومعانيها التي تشرفنا عن سائر المخلوقات.

في ظل هذه الغربة القاسية والاستلاب الساحق وتخلي الإنسان عن أخيه الإنسان إن لم نقل اعتلائه على أكتافه، في ظل عدم الثقة بأحد أو بهيئة أو بجهة تأتي (حسبنا الله ونعم الوكيل) لتداوي الجروح ولتعيد للإنسان قيمته ومعناه المفقود الضائع.

ماهر سقا أميني