كل من قرأ مقال: ما حاجة مجتمعاتنا إلى الفتوى الدينية؟ الذي نشرته صحيفة (البيان) بتاريخ 4/6/2007 للكاتب القطري عبد الحميد الأنصاري؛ يعلم مدى حاجة المجتمعات الإسلامية إلى الفتاوى الدينية، لتبين للناس مثل هذه الأغلوطات التي تريد أن تعزل المسلم عن دينه، ليعيش المسلم لا يعرف من الإسلام إلا اسمه.

كحال كثير من المسلمين في البلاد غير الإسلامية، أو الإسلامية التي لا علماء فيها يبصرون ويهدون إلى الحق وإلى طريق مستقيم.والإسلام ليس شعارا بل هو استسلام لله رب العالمين، الذي علمنا أن نقول في دعوى الإسلام: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، ولا يتأتى له أن تكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله إلا في ضوء العلم الشرعي الذي أنزله الله تعالى في كتابه وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله وتقريره.

كما أمره الله تعالى بقوله: (لتبين للناس ما نزل إليهم) فكان لذلك يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ويقول: «خذوا عني مناسككم» ولا سبيل لكل مسلم أن يعرف ذلك كله بنفسه، لذلك قيض الله تعالى لهذا الدين علماء ربانيين يبينون للناس شرع ربهم بما أتوا من العلم القليل، وكثير من الناس لا يعلمون ولا يعقلون ولا يتدبرون، فكانت حاجة المسلم كبيرة ليعرف كيف يتعامل في الإسلام:كيف يؤدي الفرائض، ويجتنب النواهي، كيف يصلي وكيف يزكي، وكيف يصوم، وكيف يحج، وكيف يتزوج.

وكيف يطلق، وكيف يبيع، وكيف يشتري، وكيف يتعامل مع الغير..؟ بل كيف يصلح حاله مع ربه ومع إخوانه.. كيف يحب الله ورسوله، وكيف ينال رضوانه وجنته..؟. وكيف وكيف..؟؟. كيف يعلم ذلك كله وهو مشغول بوظيفته أو مزرعته أو تجارته، أو المرأة في بيتها أو نفسها.. ولا بد أن يعلم كل ما هو محتاج لمزاولته لأنه ليس في عبث في هذه الحياة بل هو يؤدي رسالته في هذا الكون عبادة واستخلافا في الأرض.

كما قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) والعبادة لا تصلح إلا بالعلم النقلي، ولا سبيل للاجتهاد فيها، والمعاملات لا تصح إلا في ضوء العلم النقلي لئلا يقع فيما حرم الله من استحلال الحرمات أو التقصير في أداء الواجبات، فكيف يعلم ذلك ولربما لم يكن قرأ القرآن، أو جلس في حلقة علم، فكيف يؤدي واجبه الشرعي وهو لا يعرف حلاله من حرامه ولا واجبه من مندوبه أو مكروهه..؟!!

فإما أن يتفرغ الناس كلهم لطلب العلم الشرعي فينقطعون عن المعايش، أو يتعايشون ويتركون الدين، ولا ثالث لهذين عندما لا نرى حاجة للمفتين..

لأجل هذا وتحقيقاً لمصالح العباد في المعاش والمعاد وحتى لا يأتي أحد مثل كاتب المقال، فيقول للناس لستم بحاجة إلى مفت، بل كل يفتي نفسه..

حسم الله تعالى لجاجة القول في ذلك، فقال سبحانه وتعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فما معنى هذه الآية.. غير إيجاب الرجوع إلى العلماء للاستفادة منهم في تنوير طريق المسلم في عباداته ومعاملاته عند عدم العلم، فهل يدعو أصلحه الله إلى تعطيل هذه الآية المحكمة.

ومثلها قوله سبحانه وتعالى:(ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) بل هذه أوضح دلالة على أن المرء قد يحاول الفهم في نفسه فيحتار، أو تتشعب به الدلالات، أو يقع مع غيره في الاختلافات، فسبيل رفع ذلك كله أن يرد ما أشكل عليه إلى أولي الأمر وهم العلماء الشرعيون الذين سماهم الله تعالى في الآية الأولى: أهل الذكر، ولم يعف الله تعالى أحداً من خلقه عن العمل بشرعه، أو أن يعبث فيه هو بنفسه.

كما قال صلى الله عليه وسلم في قصة الذين أفتوا بغير علم: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذْ لم يعلموا فإنما شفاء العِيِّ السؤال) ولقد كان من أسباب حفظ الله تعالى لهذه الدين وصيانته من التحريف والتغيير والتبديل بقاء العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فحفظ الله بهم دينه وشرعه كما قال الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

وقد سمى العلماء أهل الذكر؛ لأنهم يعرفونه فنسبوا إليه، وكما قال عبد الرحمن بن مهدي وقد شكي إليه كثرة الوضاعين، فتلا قول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وفي الحديث «يحمل هذا العلم من كل خَلَف عُدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين».

فسؤال الناس علماءهم إذن أمر فرضه الحق سبحانه عند عدم العلم، وأوجبه الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم على أمته، وفعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، فكم في القرآن الكريم من مثل: يسألونك.. يستفتونك.. فيفتي الله تعالى بنفسه، أو يوحي لنبيه بالإجابة.. فلا يخفى مثل ذلك على مسلم، فهذا هو منهج الإسلام لا يخفى على عميد الشريعة..!

فلماذا إذن يشوش على نفسه وعلى غيره بعدم الحاجة إلى المفتي، بل أن يفتي كل إنسان نفسه.. فإن هذه دعوة للفوضى العارمة في الدنيا والدين والمجتمع.. لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا.

والمفتي الشرعي وهو العالم الرباني الذي أعطي ملكة في العلم والاجتهاد؛ ما كان يوماً من الأيام يرى أن من حقه أن يحرم الحلال أو يحلل الحرام، فهو يعلم أن ذلك من أكبر الكبائر بل هو قرين الشرك بالله كما قال الله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فكيف يكون مفتيا وهو يفعل ذلك؟

بل هو يبين للناس ما شرعه الله تعالى عليهم مما ورثه عن نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، بموجب ما أخذ الله تعالى عليه من عهد في البيان كما قال سبحانه وتعالى:(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) فليس بوسعه أن يرى الناس في جهالة بدينهم، ولاسيما إذا توجهوا بأسئلتهم إليه.

فيقول لهم: عليكم أن تتعلموا حتى تعرفوا الحلال من الحرام والواجب من الجائز، إذن يكون قد تخلى عن واجبه الاجتماعي والشرعي، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حذره من ذلك بقوله: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» فهذا هو المفتي ومما لا ينقضي منه العجب أنه لا يقول للناس: عليكم أن تطببوا أنفسكم أو تهندسوا لأنفسكم...

فلستم بحاجة إلى مهندسين أو أطباء أو غير ذلك.. إنه لا يستطيع أن يقول ذلك، لأنه يعلم أن العصر عصر التخصصات، بل هو كذلك من قديم الزمان، فكما أنه لابد للناس من طبيب ومهندس وكهربائي وغير ذلك فكذلك لا بدلهم من مفت متخصص وإلا لكانت المسألة فوضى كالفوضى التي أشار إليها هداه الله في فتاوى استباحة الدماء..

فمن الذي يفعل ذلك أهم المفتون حقاً؟ أم الجهال المغرورون الذين يَضلون ويُضلون..؟ أهكذا يريد سعادته أن تكون الفتوى عند كل إنسان ولدى كل طائفة..؟ إنه بلا شك بهذا الطرح يدعو إلى مثل هذه الفوضى التي يريد أن يحاربها فأتاها من حيث لا يحتسب، فما هكذا يا سعد تورد الإبل!! ومعلوم أن حاجات الناس إذا لم يشغلها أهل الحق شغلها أهل الباطل ولا بد، وعندئذ يتسع الخرق على الراقع.

لقد عقد المركز العالمي للوسطية المؤتمر الأول لظاهرة الإفتاء في عالم مفتوح بدولة الكويت وشاركتُ فيه بفاعلية، وقد كان همه أن يعالج هذه الظواهر السلبية للإفتاء من غير أهل الاختصاص، واتفقت كلمة المشاركين من مختلف الدول الإسلامية على ضرورة الإفتاء في الدين، وضرورة أن يكون أهلها من العلماء الربانيين، وكان الجميع يحس بخطر ما أشار إليه الكاتب، ولا يرى أحد مثل طرحه الذي يحمل الناس على هذه الفوضى الذاتية، بحيث يخرج الناس من دينهم وهم لا يدرون ولا يشعرون.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.

فالحديث يخبر عن واقع الناس، وهو من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام حيث بدأ يظهر واقعه هذه الأيام، وأن الناس لا بد لهم من مفتين، فإما أن يكونوا مفتين بعلم، وأولئك هم العلماء الربانيون الذين لا يزالون يتناقصون من أطراف الأرض، وإما أن يكونوا جهالاً، فيوقعون الناس في الجرح.

وما زالت الأمة بخير والحمد لله؛ لديها رصيد كبير من العلماء الربانيين الذين يهدون إلى الحق وبه يعملون، فإذا ترك هؤلاء واجبهم حل محلهم أولئك الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهذا ما انعقد لأجله المؤتمر في الكويت.

ولا سبيل لمقارنة مجتمعاتنا الإسلامية بالمجتمعات غير الإسلامية كما أراد الكاتب.. فنحن أمة نحتكم لشرع ربنا، وأولئك ليسوا على شيء، قد نبذوا الدين وراءهم ظهرياً، وتفرقت بهم السبل والأهواء، فلذلك لم يكترثوا بدينهم.

ومع ذلك فإنهم إن رجعوا إلى قساوستهم وحاخاماتهم عظموهم واهتدوا بهديهم، والكاتب لا يريد من المسلمين الرجوع إلى العلماء، بل ولا إعطاءهم مكانتهم التي أعطاهم الله تعالى إياها، وأنزلهم فيها كما قال سبحانه وتعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط).

فلماذا يريد أن يحط من مكانتهم هذا الحط، بينما كل أمة تقدس علماءها وإن كانوا على ضلال مبين؟ بل لماذا لا يريد الأمة أن تستفيد بالعلم وتتبصر بالهدى، أليست هذه دعوة إلى الجاهلية الأولى.. بعد نور الإسلام وهدي القرآن؟!.

نعم التفكير الذي نشده الكاتب مطلوب من كل مسلم، غير أنه لا خلاف أن الناس يتفاوتون في تفكيرهم، فمنهم من يفكر في خبزه وشرابه وشهوته.. ومنهم من يفكر في مستقبله وأمته، ومنهم من يفهم من النص ظاهره ولا يقدر أن يفهم من الخيط الأبيض والخيط الأسود غير العقال الأبيض والأسود، فيقع في محظور المخالفة، فهل يريد من الناس أن تفهم مراد الله تعالى بأسلوبها المتخلِّف لبعدها عن العربية فقهاً ونحواً، وبلاغة، وبسطحيتها التي لم تمارس معها العلوم والمعارف..؟!

أليس هو المتخصص قد وقع في هذا الخطأ الجسيم في فهم الشريعة فلم يفهم الآيات الآمرة بسؤال العلماء والمبينة منزلتهم وفضلهم.. فكيف يكون غيره الذين ليس لهم في الثقافة نصيب؟!.

وخلاصة القول إنه لا ينبغي للمسلم العاقل أن يفكر يوماً أن يستغني عن علماء الإسلام الربانيين إلا أن يكون منهم فعندئذ لا يسعه إلا أن يغترف من حياض العلم بنفسه، ويفهم منه بأسلوبه، وهو مع ذلك فإنه مفتقر إلى علم غيره يفيد ويستفيد. ولا ينبغي لكاتب أعطي بسطة في سلاسة الكتابة وزخرف القول أن يدعو بمثل هذه الدعوة التي تنذر بخطر عظيم.

فقد وقع خوارج الأمس في هذا الخطأ، ويفعله خوارج اليوم لماّ لم يهتدوا بهدي الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم في سؤال العلماء الشرعيين المعتمدين، فها هي الأمة تعيش في وهج حر هذه الفتنة النكراء، ولها في كل بلد رؤوس وأذيال، يمكن أن تستفحل إذا لم يؤخذ على يدها، وتؤطر على الحق أطراً.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.