بدأ رئيس الوزراء العراقي الإسراع في تنفيذ الإصلاحات الداخلية التي وعد بها واشنطن مقابل ضمان دعمها لبقائه، إذ أعلن عن نيته إجراء تعديل كامل على طاقم حكومته وتقليص الوزارات إلى 20، تجمع بين التكنوقراط والمحاصصة وذلك بعد يوم من مصادقة الحكومة على مشروع قانون النفط، الذي أصدرت هيئة علماء المسلمين فتوى شرعية تحرم المصادقة عليه، بينما تحفظ اقليم كردستان على مسودته المعدلة، في وقت رفض رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون تحديد جدول زمني لانسحاب القوات البريطانية من العراق. كما ناشد الرئيس جورج بوش الاميركيين الصبر بشأن الانسحاب.
وقال سامي العسكري، مستشار رئيس الوزراء العراقي: «إن المالكي سيقلص حكومته لتحسين أدائها وسط تنامي خيبة الأمل لفشلها في إنجاز الإصلاحات الأمنية والسياسية المطلوبة منها». وأضاف في تصريح صحافي «ان الاتفاق الآن هو إجراء تعديل وزاري كامل وشامل يتم بموجبه أولاً اختصار عدد الوزارات من 36 وزارة في الوقت الحاضر إلى نحو 20 وزارة بعد دمج الوزارات المتشابهة وإلغاء عدد من الوزارات».
وأضاف أن هذا الإجراء سيتيح لرئيس الحكومة «إدارة جيدة ووضع الإمكانات بشكل صحيح فضلا عن السعي لإخراج ما بين 10 - 12 وزارة من المحاصصة السياسية وفسح المجال أمام رئيس الحكومة لاختيار خبراء واختصاصيين لشغل مناصبها».
وقال العسكري «ان باقي الوزارات يمكن ان توزع على الكتل السياسية التي ترغب في المشاركة بالحكومة وإن العمل جارٍ الآن على هذه الأفكار». ولم يذكر العسكري متى سيحدث هذا التعديل وما اذا كانت الكتل السياسية المختلفة المشاركة في الحكومة قد وافقت عليه. وكان المالكي أبدى رغبته في تعديل الحكومة للتخلص من الوزراء غير الأكفاء وإشراك المزيد من الخبراء «التكنوقراط» واعترف بأن أداء حكومته كان ضعيفا.
وقال المالكي في مؤتمر صحافي في بغداد ان لديه أفكاراً قد تتجاوز مسألة ملء الفراغات التي تعاني منها بعض الوزارات، بسبب انسحاب عدد من الوزراء وتعليق وزراء آخرين لعضويتهم وإن هذه الأفكار قد تصل إلى حد تعيين حكومة جديدة.
وأكد رئيس الوزراء العراقي: «لدينا محوران حالياً.. الأول اننا سنعود مرة أخرى بتقديم وزراء لشغل الفراغات الموجودة في الحكومة.. والثاني طرحنا مبدأ إعادة تشكيل الحكومة كلياً لترشيقها ودمج بعض وزرائها ولإلغاء وزارات أخرى ليست ضرورية»، مشيرا الى «انه يجب ان يعطى رئيس الوزراء الحق في اختيار الوزراء حتى يحاسب حينها اذا كان الاختيار غير دقيق». وأضاف «هذا لا يعني أن الحكومة القادمة ستكون جديدة بكل أعضائها وانما قد يكون بعض الوزراء الحاليين هم أيضا في الحكومة التي نرغب بتشكيلها مع الآخرين.
وتعكس التشكيلة الحكومية نظام حصص يستند الى عدد المقاعد البرلمانية، التي تشغلها الأغلبية الشيعية والأقلية السنية العربية والأكراد. وقد جعل ذلك الوزراء أكثر ولاء لتكتلاتهم السياسية والطائفية من ولائهم للمالكي نفسه. وتعاني التشكيلة الحكومية الحالية من مقاطعة عدد من الوزراء لها حيث علق وزراء جبهة التوافق العراقية السنية وعددهم ستة مشاركتهم في الحكومة قبل أيام احتجاجا على قضية وزير الثقافة وهو عضو بالجبهة اتهمته السلطات بالوقوف وراء حادثة مقتل نجلي عضو في البرلمان.
وفيما قال مسؤولون ان البرلمان العراقي قد يحتاج أسبوعا لدراسة مشروع قانون النفط المثير للجدل بعرضه اولا على لجنة الطاقة قبل مناقشته، سارعت هيئة علماء المسلمين وهي أكبر مرجعية دينية للسنة في العراق أمس الى ربح الوقت للضغط قبل مصادقة البرلمان على المشروع، وأصدرت أمس فتوى شرعية حرمت بموجبها قيام أعضاء مجلس النواب بالتصويت لصالح مشروع القانون الذي وافقت عليه الحكومة العراقية أمس الأول وأحالته إلى البرلمان للمصادقة عليه.
وذكر الموقع الالكتروني للهيئة «أن قسم الفتوى في الهيئة أصدر فتوى شرعية حول قانون النفط والغاز اعتبرت موافقة مجلس الوزراء على هذا القانون «إجراء محرماً شرعاً وباطلاً عقداً ويستوجب فعله الخضوع للمساءلة والمحاسبة»، كما حرمت الفتوى «قيام أعضاء البرلمان الحالي التصويت أصلا على هذا القانون تحت أي ذريعة فضلا عن إقراره». وتأتي هذه التطورات في وقت اعلنت حكومة اقليم كردستان العراق، عن تحفظها على مسودة المشروع والتعبير عن استيائها من عدم اطلاعها على التعديلات قبل مصادقة مجلس الوزراء عليه، وهو ما يجعل عملية اقرار المشروع قد تكون جد صعبة بنظر المحللين.
وقد أحس الرئيس الأميركي جورج بوش بالخطورة المحدقة بمشروع قانون النفط الذي يراهن كثيرا على تمريره لتحقيق اول انجاز له في العراق، حيث أجرى اتصالا عبر دائرة تلفزيونية مغلقة مع نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي، بعد ساعات من إجرائه اتصالا مماثلا مع رئيس الوزراء العراقي، وبحث معه مشاريع القوانين التي ما زالت معلقة والتي ينتظر عرضها على البرلمان وضرورة الإسراع بتشريعها.
وقال بيان أصدره مكتب الهاشمي إن بوش استعرض معه العديد من المسائل ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها العملية السياسية والسبل الكفيلة بدفعها إلى الأمام، ومحاولة تجاوز المعوقات والانحرافات التي رافقتها وأوضح البيان أن الجانبين تطرقا إلى مشاريع القوانين التي ما زالت معلقة، وضرورة الإسراع بتشريعها من خلال الوصول إلى صيغ توافقية بين الكتل والأطراف ذات العلاقة.
الى ذلك، رفض رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون تحديد جدول زمني لانسحاب القوات البريطانية من العراق، وشدد على أن لدى بلاده التزامات حيال هذا البلد لن تتراجع عنها. وقال براون في أول جلسة برلمانية له كرئيس للوزراء امس «إن المملكة المتحدة لديها واجبات أمام الأمم المتحدة والحكومة العراقية لن تتخلى عنها لأن من الخطأ تحديد جدول زمني للانسحاب في هذه المرحلة».
وأضاف في معرض رده «ما فعلناه كان خفض عدد قواتنا في العراق إلى 4450 جنديا وانتقلت من الوضعية القتالية إلى مواقع المراقبة في ثلاث محافظات في جنوب العراق». وتابع «ننتظر الآن قرار التحرك إلى موقع المراقبة في المحافظة الرابعة البصرة، ولكن لدينا التزامات قبلنا بها أمام الأمم المتحدة والحكومة العراقية ولن نتراجع عنها في هذه المرحلة».
وفي مسعى منه لحشد تأييد في حربه على العراق، استغل الرئيس الأميركي جورج بوش الذكرى 231 لاستقلال أميركا لإثارة المشاعر الوطنية طالباً الصبر والتصميم.
وقال بوش في كلمة ألقاها بمناسبة عيد الاستقلال في قاعدة الحرس الوطني بولاية ويست فرجينيا «إننا جميعا نتوق إلى اليوم الذي يقل فيه عدد القوات الأميركية في العراق، ولكنه أصر على أن هناك حاجة لمزيد من الوقت كي تحقق استراتيجيته في العراق النجاح».
وأوضح بوش الذي وقف بجانب علم أميركي عملاق أمام حشد يتألف من أكثر من ألف من موظفي الحرس الوطني وأفراد الأسر الذين تجمعوا داخل حظيرة للطائرات إن «النصر في هذا الصراع يستلزم مزيداً من الصبر ومزيداً من الشجاعة ومزيداً من التضحية».
وتراجعت معدلات الرضا عن أداء بوش إلى مستويات منخفضة وتتزايد عليه الضغوط كي تتحقق نتائج إيجابية من حشد القوات الأميركية في العراق فيما يسعى هو لمنع مزيد من الانشقاقات على يد جمهوريين شككوا في طريقة إدارته للحرب.
وزاد شعور الإدارة الأميركية بالظرف الطارئ خلال العد التنازلي لصدور تقرير طال انتظاره من «الكونغرس» في سبتمبر بشأن الحملة الأمنية في بغداد التي توجت بزيادة قدرها 28 ألف جندي أميركي إضافي منذ بداية العام.وفي ضوء استمرار إراقة الدماء في العراق وقلة المؤشرات على حدوث تقدم عند الحكومة العراقية من حيث الوفاء بالخطوات المستهدفة سعى البيت الأبيض للتهوين من أي توقعات بشأن تحقيق إنجازات سريعة جراء زيادة الجنود.