على الرغم من أن الإنسانية تعيش الآن عصر العلم وثورة المعلومات والاتصالات والطفرة التكنولوجية الكبرى، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الإنسان يمكن أن يستغني تماما عن الدين وسائر العلوم العقلية لصالح العلوم الطبيعية.

خاصة وأن التطورات العلمية الهائلة قد تصيب الإنسان بالغرور وتدفعه إلى الاعتقاد أن التقدم المادي هو كل شيء ولكنه في نهاية الأمر يجد نفسه مدفوعاً إلى الحنين إلى الدين والاعتقاد وإلى البحث عن شيء يملأ فراغ نفسه ويشعره بالاطمئنان وهذا الحنين في حد ذاته يدل على أن هناك حاجات نفسية وجدانية وحاجات عقلية لا يجوز تجاهلها إذا أراد الإنسان لنفسه السعادة في هذه الحياة.

يقول د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري: إن المتتبع لنشأة الحضارات الإنسانية يجد أنها قامت على أساس من الدين والعلم معا ومن هنا اهتم الوحي القرآني في أول ما نزل منه بلفت الأنظار والعقول إلى مفاتيح الحضارة قبل أن يتحدث عن أي شيء آخر يتعلق بالعقيدة وأمور الآخرة فكانت الآيات الخمس الأولى من سورة العلق التي تأمر بالقراءة مرتين وتشيد بالعلم والقلم الذي هو وسيلة تدوين العلم وبالإنسان حامل هذا العلم .

وكان هذا الوحي عود على بدء، فقبل أن يهبط الله آدم إلى الأرض علمه الأسماء كلها أن يلي الأمر الإلهي بإعمار الأرض في قوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم) فيها هود (61) أي طلب منكم عمارتها وصنع الحضارة فيها، ولتأكيد ذلك جعل الإسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

ازدهار الحضارة

ويرى د. زقزوق أن المسلمين الأوائل أدركوا مبكراً كل هذه المعاني وساروا على نهجها فكانت لهم إسهاماتهم التي لا تنسى في تقدم العلوم وازدهار الحضارة وإذا كانت الحضارة لا تقوم إلا بالعلم فإن العلم لا يقوم إلا بمنهج وإذا كان العلم فريضة فإن منهج العلم فريضة أيضا ويعد جزءاً لا يتجزأ من العلم، فإن مناهج العلوم تختلف باختلاف موضوعاتها من علم إلى آخر وقد أسهم أسلافنا إسهامات جادة في تقدم العلوم ومناهجها.

وكان لابد في هذا الصدد من تحديد الحدود بين العلوم المختلفة حتى لا تختلط الأمور ومن هنا كان إحصاء العلوم للفارابي بوصفه أول محاولة جادة في هذا الصدد استفاد منها الأوروبيون كثيرا في العصور الوسطي في أوروبا حتى بداية القرن السادس عشر.

ويؤكد أن العلم كما نعرف من د. تراثنا رحمة بين أهله وتواصل بين الأجيال والحضارات وكل جيل يضيف إليه شيئاً جديداً يمهد به السبيل لمن يجيء بعده، ومن ثم لن يكتمل بناء صرح العلم طالما كان هناك إنسان في هذا الوجود فالعلم نسبي وقابل للتطور المستمر والكلمة الأخيرة في العلم أو في الفلسفة لم يقلها جيل بعينه إلا أصيب الفكر بالجمود وحكم عليه بالعقم الأبدي، ومن أجل ذلك ستظل محاولات التجديد والتطوير والإبداع متواصلة بلا انقطاع طالما كان هناك إنسان في هذا الوجود ومهمة اللاحق وفرصته أفضل دائما من فرصة السابق عليه.

ويشدد د. زقزوق على أن العلم قسمة مشتركة بين بني البشر وهناك تفاعل مستمر بين الأجيال والحضارات وكل جيل يبدأ من حيث انتهي الآخرون وكل جيل مدين للجيل السابق عليه بما قدمه من عطاء، من هنا فإنه لا يجوز لأي حضارة أن تدعي لنفسها أنها أنجزت ما أنجزت دون أن تستفيد من غيرها بشكل مباشر أو غير مباشر سواء كان هذا الإنجاز تعديلا أو تصحيحاً لما قاله السابقون أو إضافة جديدة للبناء العلمي الذي هو ملك للبشرية كلها.

تواصل علمي

ويؤكد د. زقزوق أن الحضارة الإسلامية قد استفادت من الإنجازات العلمية والفكرية السابقة عليها كما أفادت بدورها الحضارة الأوروبية الحديثة بما قدمته لها من عطاء في العصور الوسطى عن طريق الترجمات العديدة من خلال المعابر الحضارية في كل من الأندلس وجزيرة صقلية وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يوجد مبرر لمحاولة البعض على كلا الجانبين إنكار أو نفي هذا التواصل العلمي والحضاري بين الثقافات.

هكذا يؤكد القرآن الكريم في قوله تعالي: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) إن السماء والأرض وما بينهما مجال للنظر والبحث العلمي وختام الآية يبين لنا أن ذلك لن يكون متاحاً إلا لهؤلاء الذين يتفكرون أي الذين يستخدمون عقولهم في البحث والنظر بصرف النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو اللغة فالمجال مفتوح لكل من لديه استعداد لاستخدام عقله وفكره فيما خلق له.

ويضيف وزير الأوقاف المصري أنه وفي ضوء هذه الآية الكريمة أود أن أطرح سؤالا عن جدوى ما يبذل من جهود مشكورة في مجال أسلمة العلوم لتطوير حياتنا الإسلامية ألم يكن من الأجدى أن نختصر الطريق ونبدأ من حيث انتهى الآخرون حتى نستطيع أن نلحق بركب التطور العلمي؟ لقد انطلقت هذه الدعوة منذ حوالي ربع قرن من الزمان فما الذي قدمته للارتقاء بالعلم في مجالاته المختلفة في العالم الإسلامي؟.

وأوضح أنه لا ينكر أن طرح مثل هذه الأسئلة سيصدم البعض ولا أنكر أني كنت في سنوات سابقة معجبا بطروحات أسلمة العلوم، ولكني وجدت وهذا رأي شخصي أن من الأفضل أن توجه هذه الجهود إلى البحث العلمي نفسه وإلى أخلاقيات العلم، التي أصبحت الحاجة إليها ملحة بعد أن وصلنا إلى مرحلة الاستنساخ البشري وما قد يجره ذلك من عبث بالجينات البشرية.

وما لذلك كله من آثار بعيدة المدى على حياة الجنس البشري كله، ولست أريد بطرح هذه الأسئلة التقليل من شأن أصحاب هذا الاتجاه، ولا أشك في إخلاصهم ونواياهم الحسنة فالخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية وأنا بطبعي احترم كل الآراء ولكن احترام الرأي شيء والقبول به شيء آخر.

ويشير إلى أن جائزة الملك فيصل التي تمنح سنويا لعدد من العلماء في مختلف العلوم على مستوى العالم يكاد ينحصر الفوز بها في علوم الطب والفيزياء وغيرها من علماء الغرب من غير المسلمين الأمر الذي يدل على تخلف العلماء المسلمين في هذه المجالات فالجائزة إذن تمنح للجدير بها بصرف النظر عن عقيدته أو جنسيته أو عرقه وهذا أمر يحمد للجائزة وللقائمين عليها.

ويضيف د. زقزوق: فالعودة إلى التراث العلمي الإسلامي وإبرازه لتأكيد الإنجازات الرائعة التي قام بها العلماء المسلمون في السابق أمر مطلوب ومشكور، ولكن بشرط أن يكون ذلك في إطار حدود معينة أي في إطار استعادة الثقة بأنفسنا حتى نستمر في السير على الدرب فلسنا أقل في عقولنا وقدراتنا من السابقين .

ولكننا في حاجة إلى استعادة هذه الثقة حتى لا نصاب بمركب النقص، إزاء الدول التي سبقتنا في التقدم العلمي والحضاري على الرغم من أن هذه الدول كانت تعيش في ظلام دامس في العصور الوسطي في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية في قمة ازدهارها وعطائها، ومن هنا فإنه لا يجوز لنا أن نضيع الكثير من الوقت والجهد أو الوقوف عند حد اجترار الذكريات أو التغني بالأمجاد فقيمة المرء بما يقدمه من عطاء وليس بما قدمه أسلافه.

منظور فلسفي

ويقول د. احمد كشك عميد كلية دار العلوم بجامعة القاهرة: إن جملة من الدراسات والحوارات في إطار هذا الحقل المعرفي أنتجت مالا يقل عن أربعمئة وخمسين دراسة متنوعة، تثبت أن الوعاء ضخم كبير يحاول ألا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وعاها وفهمها وأحصاها، وأن البينية التي تدعو إليها المعرفة واضحة المسار وتتواكب فيها حقائق الفلسفة بحقائق العلم في مزج حميمي لا تدرك فيه الأصل من الفرع ولا الفرع من الأصل.

ويضيف: حركة البحوث الفلسفية المبهرة والتي منها الحديث عن طلب منهجها وفلسفة ومنهج البحث عند علماء المسلمين وتطبيقاته في مجال العلوم الكونية والبنية الكلية للتأسيس العلمي ومناهج العلوم الإسلامية قراءة معاصرة والأبعاد الحضارية لتاريخ العلم الطبيعي عند العرب من منظور فلسفي وحدود العقل في الفكر العلمي المعاصر وتاريخ العلم الإسلامي ونظريته العامة نحو صياغة منهج إسلامي للعلوم الإنسانية النفس والاجتماع والسياسة .

وموقف الفكر الإسلامي من البصمة الوراثية وأثر الاستنساخ البشري في العقيدة الإسلامية ونظرية توماس كون عن بنية الثورات العلمية إلى آخر ما هو مقدم من بحوث يمتزج فيها وادي الفلسفة الإسلامية بوادي العلم الكوني.

المعالجة الإسلامية

ويري د. عبد الحميد مدكور رئيس قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم أن الفكر الإسلامي دوره بارز في تاريخ الإنسانية والعطاء منهجه لبناء وأعمال الكون وواجبنا أن نبذل الجهد لتحقيق تقدم الأمة ومواجهة التحديات الحضارية التي تقف عائقا أمام نهضة الأمة والمطلوب اجتيازها مستعينة بكل ما لديها من طاقات وإمكانات يأتي الفكر في طليعتها.

ويوضح أن المنهج الإسلامي يتميز بالأصالة والانفتاح على التراث الإنساني شرقيه وغربيه ونما وترعرع في ظل دين عظيم يحترم العقل ويأمر بالعلم ويدعو إلى النظر ويحرر الفكر من القيود والجمود والتقليد ويحث على دراسة الكون والكشف عن أسراره وقوانينه.