يقول المثل العربي الشهير «لكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة»، وهذا المثل ينطبق على العلماء وعلى المفكرين وعلى المثقفين وعلى جميع الناس، فهم ليسوا معصومين من الخطأ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو المعصوم وحده بقول الله عز وجل «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى»، فالناس خطاءون وخير الخطائين التوابون، الذين يعترفون بخطئهم وزلاتهم ويرجعون إلى الحق سريعا، ولا يكابرون في خطأ فعلوه على غير إدراك منهم أو بفهم مغلوط وبنية حسنة.
وما فتوى الدكتور علي جمعة وفتوى الدكتور عزت عطية واللتان أحدثتا هلعا فكريا وثقافيا بين الجميع إلا من هذا الصنف أو هي من الأخطاء غير المقصودة ولم يصل إلى علم أحدهما أو تقديره أنها ستحدث هذا الكم من البلبلة والإثارة، وأخذت منحى جعل المعني وغير المعني بالأمر والمختص وغير المختص والقومي والعلماني يدلي بدلوه ويتحدث بما يعلم وبما لا يعلم، وانقسمت الآراء ما بين مؤيد ومعارض، إلا أن المعارضين كانوا كثرة بحيث طغى رأيهم على رأي المفتي ورأي الدكتور عزت عطية.
فالرأيان أو الفتويان جانبهما التوفيق حيث إن الوقت والظروف لا تسمح بهذه الفتاوى وكان عليهما مراعاة موجبات تغير الفتوى التي نص عليها المحققون من علماء الأمة وتغير الزمان والمكان والعرف والحال.
وحسنا فعل الدكتور علي جمعة عندما أعلن عن اعتذاره من فتواه وسحب الكتاب الذي يتضمنها من المكتبات، فهذا هو ما يجب أن يتحلى به العلماء أصحاب العلم والفقه.
وخلال الأسبوع الماضي شهدت الكويت تنظيم مؤتمر من المؤتمرات المهمة تحت عنوان «الإفتاء في عالم مفتوح .. الواقع الماثل والأمل المرتجى»، وكان هذا التنظيم من نصيب المركز العالمي للوسطية بالدولة.
هذا المؤتمر شارك فيه عدد كبير من مفتي العالم وكبار الفقهاء المشهود لهم بالعلم والفتوى، من أجل مناقشة كيفية ترشيد عملية الإفتاء المعاصر، والتحذير من مزالق الإفتاء، ومواجهة التطاول على الأحكام الشرعية من غير المتخصصين، وإيضاح دور العلماء في مواجهة مستجدات العصر بهذا المنهج الوسط.
المؤتمر كما قلت من المؤتمرات المهمة وجاء في وقت يحتاج فيه المسلمون إلى وقفة حقيقية أمام تزايد إطلاق الفتاوى وخاصة من خلال القنوات الفضائية، وكان من أهدافه حصر إطلاق الفتاوى الشرعية المتعلقة بالفكر والمذاهب والطوائف على مجامع ومراكز الإفتاء كخارطة طريق يجب أن يلتزم بها الجميع لمحاصرة ظاهرة ما سموه فتاوى الخنادق والسراديب.
وكان من أهم توصياته أنه دعا إلى توحيد المعايير وتجميع القواعد الفقهية ذات الأثر في عملية الاستنباط، خاصة في المجالات المالية والاقتصادية والسياسية والإعلامية وغيرها، لتحقيق التقارب في الفتاوى والأحكام.
كما قدم رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي بحثا بعنوان «موجبات تغير الفتوى في عصرنا» أكد فيه أن من ابرز ما ينبغي الاهتمام به في الفتاوى مراعاة موجبات تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.
ووجه المفتين المعاصرين إلى ملاحظة موجبات تغير الفتوى في هذا الزمان ولخصها في 10 نقاط هي تغير المعلومات وتغير حاجات الناس وتغير قدراتهم وإمكاناتهم وتغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إضافة إلى عموم البلوى وتغير المكان وتغير الزمان وتغير الحال وتغير الرأي والفكر وتغير العرف.
ولاشك أن مقام الإفتاء في دين الله مقام عظيم لا يجوز الاستهانة به ولا توليته لمن ليس أهلا له سواء من ناحية الفقه أو الفكر أو من ناحية الدين والخلق، وكان سلف الأمة يستنكرون أن يستفتى من ليس مؤهلا للفتوى ويعتبرون ذلك أمرا عظيما منكرا.
هذه كانت أبرز التوصيات وأرى أن تطبيقها وتنفيذها يحتاج إلى جهد مضاعف من أجل تفعيلها والالتزام بها من جانب المعنيين حتى لا نقع في مشاكل كالتي وقع فيها الدكتور علي جمعة والدكتور عزت عطية.
tantawi2006@hotmail.com