كشفت الإحصائيات أن تأشيرات دخول الخدم هي الأعلى مقارنة مع باقي تأشيرات الدخول بفارق كبير، وتطرقت الإحصائيات التي بدأت منذ عام 2001 وحتى العام 2006 إلى عدد الخادمات اللاتي هربن من منازل الكفلاء، والخادمات اللاتي قبض عليهن وهن يعملن عند الغير، وكانت النسبة الأعلى للآسيويات تليهن الإفريقيات، وتصدر قطاع الخدم النسبة الأعلى في تأشيرات الدخول والإقامة، وبالمثل ظاهرة هروب الخدم التي اختلفت الأسباب في ظهورها وارتفاعها إلى أرقام عالية باتت تستدعي الوقوف عندها والعمل على علاجها.
وبحسب التحقيق الذي تنشره «البيان» ويشارك فيه عدد من مالكي مكاتب استقدام الخدم وعدد من ربات البيوت، تضاربت الآراء وانقسمت إلى جانبين الأول مع والآخر ضد، وتمثل الأول في مالكي مكاتب جلب الخدم الذين يؤكدون على أن واحدة من أهم أسباب هروب الخدم من المنازل عائد للمعاملة السيئة من قبل الكفلاء أو تأخير المستحقات وكم العمل غير المنطقي وقدرات الخدم، وآخرون يرون أن أسباب الهروب تعود إلى غياب الرقابة على الخدم وإتاحة الفرصة للغرباء للاختلاط بالخادمات ما يجعلهن يتلقين عروضا للهرب ووعودا بمداخيل أفضل مع كم عمل أقل.
ويرى آخرون أن الضمانات التي يدفعها الوافدون من أجل استقدام الخدم تجعلهم يعمدون إلى خدم الشوارع الهاربات من الكفلاء الأصليين وبرواتب أعلى من بيت الكفيل، وتعددت الأسباب حسب الآراء فمنها ما يختص بالخادمات والآخر بالبيوت والكفلاء أو الدخلاء وعمال البقالات المنتشرة في الأحياء السكنية.
لا هرب بدون سبب
ويرى محمد العمايرة مدير أحد مكاتب الاستقدام أن الخادمات لا يهربن من البيوت بدون سبب، لان الكثير من الخادمات اللاتي يراجعن المكتب يبلغن عن معاملة سيئة أو تأخير في استلام الراتب أو حجم العمل، ويمكن معرفة ما إذا كانت الخادمة سيئة من وجهتها التي تسلكها عند هروبها من المنزل، واعتقد أنها إذا ما لجأت إلى مكتب الاستقدام أو السفارة فإنها بالتأكيد تكون لاقت معاملة سيئة وهذا لا يمنع من وجود خادمات سلوكياتهن سيئة وهن لا يعرفن إلى أين يتجهن عندما يغادرن منازل الكفلاء.
ويضيف عمايرة قائلا «المال السايب يعلم السرقة» بمعنى أن الخادمة عندما تترك لها حرية التحرك بدون رقابة لابد أنها ستتعامل مع العمال في البقالات والدكاكين وهم بدورهم يغرونهن للهروب من المنازل، ومع علمهم بسكان الحي ومعرفتهم بتفاصيل دقيقة عن كل بيت يمكنهم لعب دور كبير في إرسال الخادمات للعمل في بيوت أخرى وبعوائد مالية أكبر من تلك التي يتقاضينها عند كفلائهن الأصليين.
ونوه العمايرة إلى ضعف الإجراءات الأمنية في ما يخص انتقال الخدم من إمارة إلى إمارة أخرى الأمر الذي يوفر لهن فرصا للعمل في مأمن من الكفيل أو مكاتب الاستقدام، بل والجهات المختصة التي تم التعميم عليهن عن طريقها بهدف القبض عليهن وإعادتهن إلى بلدانهن، بالإضافة إلى أن الجهات التي تصدر تأشيرات الدخول يمكنها معرفة مكمن الخلل.
فمثلا عندما يتوجه الكفيل إلى الجوازات لإصدار تأشيرة الدخول يطلب منه استخراج كشف بأسماء الأشخاص الذين دخلوا على إقامته وهنا يتضح لدى البعض أنهم وخلال فترات وجيزة استقدموا عددا كبيرا من الخدم في وقت قياسي، ومن الطبيعي أن يتساءل الأشخاص عن الأسباب التي دفعتهم لاستقدام أكثر من سبع خادمات خلال شهرين على سبيل المثال، ثم إعادة تسفيرهن إلى بلادهن، فهل من المعقول أن يكن كلهن سيئات؟
إذن هناك خلل ويجب العمل على إزالته.وأكد عمايرة من واقع خبرته في مجال استقدام الخدم أن أغلب من يهربن من البيوت هن اللاتي يتلقين معاملة سيئة أو يفتقدن إلى الرقابة الفعلية من قبل رب الأسرة أو ربة المنزل التي تتيح لهن المجال للاختلاط بالسائق أو الطباخ أو العمال في البقالات التي تنتشر في الأحياء السكنية.
كما أن الزحف العمالي على المناطق السكنية له دور كبير في انتشار ظاهرة هروب الخدم، وللحد من ذلك يجب أن توفر لهؤلاء العمال مساكن بعيدة عن الأحياء السكنية. ونتذكر في هذا الجانب الكثير من الجرائم التي ارتكبتها بعض الخادمات بالتعاون مع من يترددون على البيوت وكلنا سمعنا عن تلك الخادمة التي قتلت ربة المنزل بمساعدة أحد الآسيويين الذين يترددون على الشقق السكنية بهدف إيصال بعض احتياجات المنزل.
ويؤكد محمد العامري مالك مكتب استقدام الخدم، أن ظاهرة الهروب زادت مؤخرا، مشيرا إلى أنه في إحدى المرات عندما كان يراجع جوازات العين بهدف التعميم على خادمة هاربة، سأله موظف الجوازات عما إذا كان يسكن في منطقة أم غافة العين، وعندما استفسر عن السبب ذكر له أن هناك بلاغا عن هروب قرابة 80 خادمة من منازل الكفلاء في الليل، وعرفت وقتها بالهروب الجماعي.
وقال نحن الآن نعاني من مشكلة هروب الخدم ولم نسأل أين توجهن فهل يعلم الكثير أن نسبة كبيرة منهن يعملن في بيوت بعض المقيمين الذين يفضلون استقدام خادمة من الشارع تعمل بالساعة بدلا من استقدام خادمة ودفع مبلغ كبير قد يصل إلى خمسة آلاف درهم بالإضافة إلى مصاريف الاستقدام والفحص والإقامة وهذا كله قد يصل إلى عشرة آلاف درهم، والعملية برمتها مجازفة فقد تكون الخادمة غير مناسبة .
وبالتالي يضيع عليه مبلغ التأمين والأفضل له هنا أن تأتيه خادمة ولا يهم من أي جهة ولا من هو كفيلها وتعمل عنده بالساعة ثم تغادر المنزل دون أن يتحمل مسؤوليتها، في المقابل أفضل للخادمة أن تعمل بهذه الطريقة لأنها تحصل على عائد مالي كبير وفي ذات الوقت تملك حرية التنقل والانتقال أينما تشاء، أضف إلى ذلك الخادمات اللاتي يهربن من بيوتهن ويتوجهن للعمل في صالات الأفراح وغيرها من المحلات التي تحتاج إلى عاملات. ويؤكد العامري من واقع خبرته الطويلة في هذا المجال أن نسبة هروب الخدم ستشهد ارتفاع كبير خلال السنوات القليلة القادمة بسبب الزيادات في مصاريف استقدام الخدم وأولها كما شاهدنا نظام التأمين الصحي الجديد الذي أضاف تكلفة جديدة على المواطن.
أصول التعامل
أما راشد الشامسي مالك أحد مكاتب استقدام الخدم فيرى أن السبب الرئيسي وراء هروب الخدم يكمن في الأسرة التي تجهل بالأسس والقواعد الصحيحة في التعامل مع الخادمات بمعنى أن الحسنى هي الأفضل للتعامل معهن لأنهن قادمات من مجتمعات بسيطة وريفية وبالتالي حجم تفكيرهن يكون بسيطا جدا، ويكمن الخوف فيما يمكن أن يقدم عليه الخادم إذا ما شعر بالضيق أو سوء المعاملة.
وفيما يخص الهروب لقد تعرضت لهذا الموقف على الرغم أنني أملك مكتبا وأتعامل مع الخدم منذ سنوات طويلة فأنا أتذكر منذ فترة عندما هربت أربع خادمات في وقت واحد وكان الوقت حينها ليلا، وعندما خرجت للبحث عنهن اتصل بي أصدقاء لي من منطقة ملاقط وأخبروني أن الشرطة قبضت على أربع خادمات هربن من كفيلهن، وعندما بحثت في الأمر تبين لي أن أحدهم قدم إلى البيت وساعدهن على الهرب لأنهن لا يعرفن ملاقط، وعلى الفور وبعد رجوعهن إلى المكتب بادرت إلى شراء أربع تذاكر سفر وأعدتهن إلى بلادهن خوفا من أن يقدمن على أمر أكبر من الهروب، وكنت الخاسر الوحيد.
وأعتقد أن من العوامل التي ستقلل من نسبة هروب الخدم اتخاذ بعض الإجراءات ومنها توطين المهنة بالدرجة الأولى لأن هناك مكاتب تعمل بطرق غير قانونية وتتخذ المهنة تجارة خالية من أي جوانب إنسانية ويدير هذه المحلات أجانب أو بالمعنى الأصح يملكها أجانب فيما نرضخ نحن للقوانين الموضوعة وهم يتلاعبون ويضرون بنا كثيرا فعلى سبيل المثال بعض المكاتب تجلب الخدم من إمارات أخرى.
ومنها محلات تجاورنا، وأحيانا تجد عددا كبيرا من الخادمات اللاتي تم جمعهن من الشوارع في الإمارات الأخرى ويتم إحضارهن وإعادة تصديرهن إلى دولة مجاورة لنا، علما أن سلوكياتهن سيئة كما أن هناك شكاوى كثيرة على هؤلاء الخادمات، ونتمنى أن تكثف وزارة العمل من حملاتها التفتيشية على هذه المحلات. وأؤكد أنهم سيجدون الكثير من المخالفات والعبث غير المبرر لهذه المهنة.
مكاتب الطباعة تتاجر بهن
ويؤكد الشامسي أن الكثير من مكاتب الطباعة تقوم بجلب الخادمات أو الأيدي العاملة وذلك يخالف الترخيص الذي منح لهم، وبالتأكيد أن مثل هذه التجاوزات تجر معها الكثير من المشاكل أولها الهرب لان بعضهم يعلم الخدم أن الضمان ينتهي بعد ثلاثة أشهر من العمل وبالتالي تخلى مسؤولية المكتب، وفي المقابل نجد البعض يحضر الخادمة وتظل عنده في البيت وقبل انتهاء فترة الضمان بيومين فقط يعيدها إلى المكتب بحجة أنها لا تعمل أو لا ترغب في العمل.
ويحصر الشامسي مشكلة الهرب في أسباب عدة منها زيادة حجم العمل، فمنذ عدة أيام أعيدت له خادمة رفضت العمل لأنها تعمل في منزل رجل أسرته كبيرة جدا وبيته ثلاثة أدوار هو وأولاده وزوجات أولاده وأحفاده أي هناك قرابة 20 شخصاً بالمنزل ويريدونها أن تنهي كل ما يطلب منها بسرعة، وهي إنسان له طاقات وقدرات محدودة لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها، كما أن إتاحة الفرصة للخادمة للاختلاط بالطباخ أو السائق من شأنه إقامة علاقة غير شرعية قد ينتج عنها حمل أو ملابسات كثيرة تجعل السائق أو الطباخ يحرضها على مغادرة المنزل. إذن الجزء الأكبر من المشكلة يأتي من داخل المنزل.
ونتمنى أن يكون الوعي أكبر من قبل الأسرة أو الكفلاء أو ربات البيوت في الحقوق والواجبات وطرق التعامل الإنسانية مع الخادم من جهة وأن نجد الاهتمام من الجهات ذات الصلة لوضع القيود وفرض الرقابة على المكاتب التي تعمل بطرق تخالف القانون، وتعمل على زيادة مشاكل الخدم، علما أن هذا الجانب واسع جدا والخوض فيه لا يمكن أن ينتهي أو أن يقتصر على مجرد تحقيق في الجريدة لمرة واحدة ثم إغلاق الملف وكأن شيئا لم يكن.
توطين المهنة
ويشدد عبد الله الغافري وزميله عبد الله الظاهري وهما يتشاركان في ملكية أحد مكاتب استقدام الخدم في العين على أن توطين المهنة سوف يكون له الأثر الكبير في الحد من المشاكل التي تصدر عن الخدم، لأن المواطن سيكون أحرص من غيره على مصلحة الوطن والمجتمع لاسيما وأن الخدم يدخلون بيوتنا على حد تعبيرهما ويتعاملون مع أبنائنا وبناتنا .
وبالتالي هم سلاح خطير ينبغي التعامل معه بحذر وفهم أوسع وبروح المسؤولية من مالكي المكاتب، لان هناك الكثير من المشاكل التي نسمع عنها ونواجهها من خلال عملنا في هذا المجال، ومن الضروري أن يعي كل رب أسرة أو ربة بيت أن التعامل مع الخدم يجب أن يتم وفق شروط ومحاذير وأسس سليمة خوفا من ردة الفعل التي من الممكن أن ندفع ثمنها غاليا.
ويتابعان القول: لاشك أن تفكير الخدم محدود وهم أناس أو بمعنى أصح فئات أو نساء تركن بيوتهن وأولادهن وبلادهن من أجل كسب الرزق والحصول على مصدر دخل يوفر لعائلاتهن الاستقرار الاجتماعي، وقد يدفعن مبالغ كبيرة للمكاتب التي توفر لهن فرص العمل في الخارج، وبالتالي المفترض أن تتم مراعاة هذه الجوانب من جهة والحذر من جهة أخرى.
تأخير الحقوق
ويؤكد الغافري على أن غياب الرقابة يؤدي إلى مشاكل ابسطها الهروب من المنزل، لأن الخادمة بمجرد أن تخرج لرمي المخلفات يكون في انتظارها عمال النظافة في الشوارع، أو عمال البقالات أو أي من الذين يترددون على الأحياء السكنية، كسيارات بيع الغاز أو الماء وغيرهم كثير، ونحن نغفل أن هؤلاء العمال يعيشون بعيدا عن زوجاتهم، وكذلك الخادمات ما يجعل الإغراءات كبيرة في الهروب من المنزل إلى ذلك «الحريص عليها» الذي يوهمها بحياة أفضل ودخل مالي اكبر أضف إلى ذلك ظاهرة العمال الذين يمتهنون مهنة تهريب الخادمات وإدراجهن في ممارسات لا أخلاقية.
وتتم عن طريق مراقبة المنزل، واقتناص الفرصة لإرسال رسالة للخادمة يوضح لها أن لديها فرصة كبيرة للعمل عند أناس طيبين وبراتب شهري أكبر من الذي تحصل عليه عند كفيلها، وقد يكون الفارق بالنسبة لنا بسيطا ولكن بقياس ما يحصلن عليه فإن زيادة خمسين درهما على راتبها كفيل بإغرائها للهروب من المنزل، وبعد أن تغادر المنزل تتبخر كل الوعود التي حصلت عليها، وقتها لا تستطيع العودة إلى المنزل خوفا من النتيجة ولا يكون أمامها إلا الانحراف والانخراط في الممارسات غير الشرعية.
تأخير الحقوق
ويرى راشد سعيد العفاري مالك مكتب لجلب الأيدي العاملة أن المشكلة تكون من الكفيل أو ربة البيت الذي يمتنع عن إعطاء الخادمة حقوقها أولا بأول ويتساءل فيما لو توقف راتب أحدنا لمدة شهر، بالتأكيد أنه سيشعر بضيق، ثم يبدأ بالتذمر ورفض العمل وإن أدت الخادمة عملها فلن يكون بإخلاص أو تفان لأنها لم تحصل على نتيجة جهدها وعملها، مشيرا إلى أنه ومنذ بدأ في استقدام الخدم منذ سنوات طويلة لم تهرب من بيته غير خادمة واحدة وهو يحمد الله انه في ذات اليوم الذي أعطاها راتبها الشهري هربت من المنزل، وسبب ارتياحه انه برأ ذمته من حقوقها، ويتمنى أن يحذو الجميع حذوه لأنه من غير الطبيعي أن يستقدم المرء خادمة وهو غير قادر على الوفاء بحقوقها.
وأكد العفاري على أن علاقة الخادم بالمخدوم جدا معقدة ودقيقة وتحتاج إلى العودة إلى أسباب الخلاف من جهة والهروب من جهة أخرى، وإذا ما فكرنا في أسباب الخلاف سنجدها في أحيان كثيرة منها عدم رضاء رب العمل عن أداء الخادم الذي يغلب عليه في كثير من الأحيان الحظ، إذ من الممكن أن تكون الخادمة جيدة .
ومن الممكن أن تكون سيئة ومكتب الخدم هنا لا يعلم بالغيب ولا يستطيع تأكيد الاختيار، ثم يبادر بالضغط على الخادمة بطرق غير إنسانية، تجعلها تضعف عند وجود أي بدائل أو إغراءات بدون التفكير في جديتها أو صحتها، ما يجعلها تبادر بالهرب بحثا عن الأفضل.وينصح العفاري بمعاملة الخادمة بما تمليه تعاليم الدين الإسلامي من تسامح ومودة وعطف، تجنبا لأي ردة فعل قد تكون عواقبها وخيمة.
آراء الكفلاء
وإن كانت هذه آراء أصحاب مكاتب استقدام الخدم عن أسباب هروب الخادمات إلا أن الأمر يختلف عند الكفلاء فالأسباب تعود إما لجحود الخادمات ورغبتهن في ممارسة الرذيلة، على الرغم أنهم يعاملونهن بإحسان ويوفرون لهن كل طلباتهن ويرى البعض أن المشكلة تكمن في مالكي مكاتب الاستقدام أنفسهم الذين يتفقون مع الخادمات للهروب من المنازل بعد انتهاء فترة الضمان بأيام قليلة.
ولذلك تؤكد أم سعيد أن خادمتين من ذات الجنسية هربن من منزلها بعد أن أمضين أكثر من سنة ونصف يعملن داخل البيت، وكان العمل يسيرا بصورة طبيعية، ولأنهن كن يعملن بإخلاص وتفان، كانت توفر لهن كل احتياجاتهن حتى أنها أعطت كلا منهن هاتفا متحركا خاصا بكل واحدة، لكي يستطعن الاتصال بأهاليهن.
وكان أطفالها يحبون الخادمتين، وبيتي مكون من ثلاث حجر فقط وكم العمل ليس مرهقا ورواتبهن يستلمنها نهاية كل شهر، وهما بالمثل يحببن الأطفال، ولكنهما فجأة وبدون أي سابق إنذار غادرن البيت ليلا، وتركننا في حيرة نتساءل عن الأسباب التي جعلتهما يغادرن البيت، وتكررت ظاهرة الهروب عند الكثير من أقاربها، علما أن الهروب ليس مقتصرا على جنسية معينة بل من جنسيات مختلفة.
وتشير أم محمد إلى أنها فوجئت في أحد الأيام بخادمتها تتكلم مع أحد الغرباء، وعندما شعر أن هناك من يراقبه من النافذة أعطاها رسالة وغادر المكان بسرعة، وتضيف أم محمد اعتقدت في البداية أنه ضيف لأنه كان يلبس الزي الوطني، وعندما أخذت الرسالة وجدته قد وضع عليها رقم هاتفه وكتب لها يقول بأنه سيوفر لها عملا براتب يصل إلى 800 درهم وعند أسرة طيبة تعاملها برفق، وعندما اتصلنا على الرقم أجاب شخص الواضح من لهجته أنه آسيوي لأنه يتكلم العربية المكسرة، بعدها أصبحنا حذرين ونراقب كل من يأتي إلى البيت.
وترى فاطمة الظاهري أن تركيبة الخادمة جدا معقدة لأنها تغادر من بلادها بسبب المشاكل والضغوط النفسية، وتأتي رغبة في العمل، وتحسين أوضاع أسرتها المعيشية، مع العلم أن تعليمها بسيط جدا، بالإضافة إلى أن البيئة التي كانت تعيش فيها مختلفة جدا عن بيئتنا لاسيما وان الفقر يترك آثارا سيئة في نفس من يعانون منه، ثم تأتي إلى مجتمع مغاير تماما لذلك الذي كانت تعيش فيه.
وأتوقع أن الهروب ليس سوء المعاملة السبب الرئيسي فيه، وعلى سبيل المثال الخادمة التي تعمل في بيتنا نوفر لها كل احتياجاتها واترك لها حرية العبادة بمعنى أنني اسمح لها بالذهاب إلى الكنيسة لممارسة شعائرها الدينية بكل حرية، وعلى الرغم من ذلك نجد أن نفسيتها غير مستقرة بسبب الظروف، في بلادها وممارسة زوجها الضغوط عليها لابتزازها ماليا.
وتشدد سوزان الجابري على ضرورة التأكد من البلد السابق الذي عملت فيه الخادمة لأنها عانت من هذه المشكلة ولا يمكن ان يدرج ذلك في سوء المعاملة على حد تعبيرها وتروي سوزان معاناتها قائلة توفيت خادمتي في بلادها واضطررت للبحث عن البديل وبعد المرور على مكاتب كثيرة نصحني البعض أن أتوجه لمكتب جلب الأيدي العاملة في أبو ظبي، وذهبت إلى المكتب ووجدت طلبي لديهم وكانت خادمة تتكلم العربية وتجيد الطبخ، لأنها عملت في السابق بأحد البلدان العربية، وباشرت فورا لإصدار تأشيرة عمل لها، وعندما وصلت كانت وفق المواصفات.
ولكنها تعودت في البلد الذي عملت فيه على الخروج بدون أن تسأل عن وجهتها، وداخل المنزل ترتدي ملابس قصيرة، ولا تعمل إلا وهي تضع «الكمامة» على أذنيها، وبالطبع هذا يتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا، وخلال أقل من شهر أعطيتها مستحقاتها واعدتها إلى المكتب علما أنهم طلبوا مني عدم اعطائها مستحقاتها لأنها رفضت العمل، ولكنني أخاف الله، وأعامل الخادمة وكأنها أحد أفراد الأسرة خوفا أن تقدم على فعل قد يجعلني اندم طوال حياتي.
تحقيق: سليم المستكا