تمهين التعليم، مصطلح بدأ يطرح كثيراً في المنتديات التربوية والتعليمية، وذلك في إطار البحث عن مخرج يعيد للمهنة مكانتها وقداستها، حيث بات من الصعب أن نصف مهنة التعليم كباقي المهن والوظائف، كونها بالدرجة الأولى رسالة سامية، تنوء بحملها الأكتاف.
لأن ما أحدثته الحياة المعاصرة من شروخ اجتماعية عميقة، بات يتطلب البحث عن تعزيز مكانة مهنة التعليم، وجعلها مثل الطب والهندسة والمحاسبة والمحاماة، ويشترط بمن يمارسها، الحصول على مؤهلات محددة وصفات خاصة، مدعومة بنيله رخصة مزاولة المهنة، وذلك للخروج من مقولة، إن مهنة التدريس باتت مهنة من لا مهنة له.
وفي وقت باتت الصيحات والصرخات تتعالى وسط دوامة الندوات والمؤتمرات التي تستنزف الكثير من الأموال لمناقشة كل شيء يتعلق بالمناهج والبرامج والمخرجات، ظل المعلم على خط «التماس»، يراقب وينتظر إشارة الحكم بالسماح له بدخول أرض الملعب كلاعب أساس، لإحراز الأهداف وتعديل النتيجة في الوقت الضائع، فهل يصلح العطار ما أفسده الدهر من تراكمات وترسبات؟
وقال الدكتور عبد اللطيف حيدر عميد الكلية التربية إن التعليم قبل أن يكون مهنة، هو رسالة إنسانية سامية، وهو مهنة الأنبياء، والتعليم كمهنة ليس بجديد على الساحة، وهو ليس مهنة من لا مهنة له، كما يشاع ويقال، ولا تزال، تعاني من عدم وضوح الرؤية التي تحدد الإطار المهني، الذي يعمل بموجبه المعلم ذو الكفاءة، فقديماً كانت مؤهلات المعلم ومعارفه التي يكتسبها من خلال دراسته تشكل المعيار الوحيد.
ولما تبين للتربويين قصور هذا التوجه تحول الاهتمام إلى أهمية ما يجري داخل الفصل من طرق تدريس فعالة وأساليب التعليم والتعلم والبحث، وبالتالي ضرورة التصدي للأزمة التي تواجه مهنة التعليم، والبحث عن أسس إعداد معلم الغد والمستقبل، من خلال إعداد بيئة صالحة لتنفيذ برامج إعداد المعلمين وتنمية المهارات المهنية.
معايير الإعداد
وأشار الدكتور حيدر إلى أننا عندما نطرح مصطلح تمهين التعليم، انطلاقا من قاعدة «المعلم بصفته ممارساً مهنياً» فإننا نقصد أكثر من نقطة من خلال تطوير الأداء وإرساء معايير أخلاقية للمهنة وتعميقها إضافة إلى مجالات التخطيط وتوفير البيئة والمسؤولية المهنية.
وهذا ما تسعى إليه كلية التربية من خلال برامجها ومساقاتها التي حددت 12 معياراً منها تطوير قدرات خريجي كلية التربية للميل نحو التفكير المستمر لفاعلية أدائهم كمعلمين، واكتساب المعرفة الخاصة بالفروق الفردية والمعرفية لدى التلاميذ، القدرة على استسقاء طرق البحث وتنمية مهارات التفكير الناقد والإحساس بأهمية مجتمع التعليم، وتوظيف التقنيات الحديثة وبناء خبرات ميدانية ذات معنى، والاهتمام بالبعد الأخلاقي في عملية التعلم، وشخصية المعلم بحد ذاته.
ممارسة تقليدية
وأشار إلى أن ممارسة المهن الطبية والهندسية والمحاسبية لها طرقها التي تميز بين الممارس المبتدئ والخبير وهي ضمانة في إطار الممارسة المهنية للتعليم لاسيما وإن معظم المهن تخصص فترات تدريب وإعداد عملية قبل الممارسة في الميدان، فالأطباء يعملون كمقيمين في المشافي قبل تسلمهم المسؤوليات الكاملة عن المرضى، وكذلك المحامون، يعملون كتبة لدي محامين متمرسين، ومثلها باقي المهن.
فيما تختص مهنة التعليم عبرا تراكم ممارسات سابقة، على اعتبارهم ممارسين كاملين في مهنتهم منذ اللحظة الأولى لدخولهم الفصل، لاسيما وأن المسؤوليات الملقاة على عاتقهم كبيرة، وبالتالي يكتسب خبرة عبر التجارب الشخصية، وصقلها بالدورات التأهيلية، التي باتت تطرح حالياً كحاجة ملحة في ظل التطورات التقنية والمنهية التي فرضت نفسها على مهنة التعليم.
وكشف عميد الكلية أن الحد الأعلى المطلوب من ساعات التنمية المهنية للمعلم لدينا هو 15 ساعة فيما يبلغ 100 ساعة في الدول المتقدمة، مما يجعل المعلم لدينا غير مواكب إضافة، إلى جانب قضية حساسة أخرى هي إن المعلم يطبق المعايير فقط أمام الموجة ويتناساها بعد خروجه إضافة إلى اعتياد الميدان على الممارسات التقليدية في العملية التعليمية في ظل عدم الحماس للدورات التدريبية التي باتت بدون مردود وذات تكاليف باهظة.
كما كشف الدكتور حيدر: إننا نخرج معلما واحدا لكل ثلاث مدارس، في كل عام، في ظل عدم وجود إقبال وتشجيع من قبل الطلبة الذكور على الانخراط في كلية التربية، نظراً لاعتبارات كثيرة مرتبطة بمكانة المهنة اجتماعيا ووظيفياً.
مواجهة التحديات
الدكتورة شيخة الطنيجي رئيس قسم أصول التربية قالت : لا شك أن مهنة التعليم باتت تواجه تحديات، كبيرة وخطيرة، وهي تحتاج إلى قرارات على مستوى عال من المسؤولية، من أجل تعميق مكانتها وتعزيز دورها وتطوير كوادرها، وقد بدأت وزارة التربية وبالتعاون كلية التربية تتلمس السبل ووضع الخطط والبرامج.
من أجل إعداد الكوادر التربوية المؤهلة للقيام بتأدية وممارسة هذه المهنة، التي لا توازيها مهنة أخرى، فهي أساس كل المهن. وأشارت إلى أهمية تمهين التعليم وجعلها مهنة ذات أسس ومقومات إلى جانب تعزيز الرسالة السامية لشاغلها بعد تزويده بالمعارف والخبرات والمهارات التقنية الحديثة.
تراكمات سلبية
وكشف الدكتورة شيخة: إن التراكمات السلبية والتقليدية المتوارثة للمهنة هي التي تحول دون تطويرها بدون وجود رؤية واضحة ومحددة تتطلب اتخاذ قرارات على أعلى المستويات وأشارت إلى أن الموجه مثلاً مازال يقوم بدور تقليدي جداً «إلا من رحم ربي» حيث تغيب أسس التقييم لأداء المعلم، يشكل خلال زيارته للمدرسة رعباً شكلياً من خلال التركيز على معايير دون غيرها تتناول أسس المهنة وبالتالي بتنا مطالبين بتلمس التنمية المهنية، التي أصبحت غاية.
حيث إننا نفتقد لنظام تعليمي وسياسة تنمية مهنية للمعلم، فالتدريب التنموي هو جزء أساسي، إلا أن الدورات التي تقام خارج أسوار المدارس تحت مسميات ورش التدريب فالمعلم يذهب إليها دون رغبة، لشعوره بأنها لن تضيف شيئاً جديداً لاسيما أن الإنسان بطبيعته يرفض التغيير بعد أن أعتاد على نمط معين، ولذلك مازال المعلم التقليدي يتمسك بالطريقة التقليدية، التي تأقلم عليها، وهذا يتطلب إعادة برمجه نفسية وذهنية، مؤكدةً أن العيب الأساسي هو في نظام التعليم، الذي بعاني من تداعيات كثيرة.
الشكل والمضمون
كما أشارت إلى أن هناك بعداً خطيراً يتمثل في كون التربية ذات بعد ثقافي وهذا ما ينقص خططنا التربوية القائمة على تقليد البرامج والمناهج المستوردة.
معايير المخرجات
الدكتور محمد خلفان الرواي وكيل الكلية أشار إلى أن تمهين التعليم يجب أن يرتبط مباشرة بمخرجات التعليم وتحديد معايير تلك المخرجات فالسؤال المطروح حالياً مخرجاتنا إلى أين...؟،إن واقع الحال يقول ما هو مخالف للواقع وبالتالي يجب أن نجيب عن سؤال آخر، ما هو سبب ضعف مخرجاتنا التعليمية..؟
خلل نظام التعليم
ويقول الدكتور الرواي: لقد حاولنا تطوير أشياء كثيرة في البرامج والمناهج المستوردة معظمها وغاب عنا التقييم والتقويم اللعاملين على تنفيذ تلك البرامج فمنذ 14 عاماً ونحن ننادي ونعقد مؤتمرات وندوات ولم نصل إلى حلول والسر في ذلك يعود إلى قضية النظام التعليمي بحد ذاته فالخلل في النظام وليس في الأفراد إذ يمكن تطوير القدرات والمهارات من خلال التدريب والدورات وإعداد الكوادر من خلال الجامعات أما النظام فذلك يحتاج إلى رؤية وإستراتيجية على مستويات قيادية .
وأكد الرواي إن نظامنا الحالي لم يعد يصلح للمرحلة القادمة وبات علينا جميعاً البحث عن حلول عصرية، مشيراً إلى أن الحصول على 90 بالمئة في الثانوية العامة لا يعني الكفاءة والتميز ووجه الرواي نقداً لنظام التوجيه المقولب وطالب بطرح نظام الساعات المعتمدة في الثانوية العامة كنظام تعليمي معاصر أسوة بما هو مطبق في الجامعات.
الدكتور عبد السلام الزعابي أستاذ المناهج وطرق التدريس أشار إلى أن الانفتاح الذي تعيشه الدولة كانت له بعض الآثار والمنعكسات السلبية على المخرجات في فترات محددة حيث كان المطلوب تخريج كوادر وفق معايير عادية تلبي حاجة السوق المحلية لبعض المهن لاسيما الاقتصادية دون النظر لكفاءات الكوادر والمخرجات.
وطالب بضرورة أن تتولى وزارة التعليم العالي قيادة دفة التطوير والتغير من خلال وضع الدراسات التي تلبي التنمية الوطنية في كافة الكوادر، عبر قواسم مشتركة، مشيراً إلى أهمية أن نترك أسلوب التنفيذ للميدان وكوادره على ضوء المعايير التي تم تحديدها.
معايير التقييم
وتناول الدكتور عبد العزيز السرطاوي رئيس قسم التربية الخاصة ضرورة تفعيل مبدأ المحاسبة للتقييم والتقويم فهي في غاية الأهمية بالنسبة للمعلم الذي يجب أن يكون مؤهلاً للممارسة المهنة، حيث إن تمهين التعليم ليس مجرد مصطلح نطرحه دون وضع معايير خاصة به، فالمعلم يمارس داخل الفصل عدة مهن في وقت واحد،وبالتالي يجب أن يكون مؤهلاً شخصياً ونفسياً وعلاجياً وأخلاقياً، لاسيما في ظل وجود قيود مجتمعية.
نظرة دونية
وتناول الدكتور حسن تيراب رئيس قسم المناهج مسألة تمهين التعليم من زاوية النظرة الدونية للمهنة وتساءل، لماذا المجتمع يعطي نظرة أوسع وأميز لمهنة الطب أو الهندسة مثلاً..؟ ودون ذلك للمعلم ؟؟!
وأشار إلى أن التعليم مردوده بعيد كونه تنمية تراكمية وبالتالي عندما تغيب الرؤية تضيع الأهداف فالناس تتسارع للأهداف القريبة والقصيرة المدى، فعندما نريد تطوير المجتمع علينا أولاً تطوير التعليم والمعلم في المقدمة كونه هو أداة التغيير والتطوير.
وبالتالي يجب أن يكون قادراً على التأثير في الآخرين، ويجب على الدولة والمجتمع أن تعطيه حقه وتعزز دوره، وحتى يكون التعليم مهنة، يجب أن تتكامل كل الأدوار، وتصبح مهنة التعليم ذات معاير مهنية وأخلاقية ومادية، مثلها مثل باقي المهن، مع الأخذ بعين الاعتبار كونها رسالة سامية لها أخلاقيات محددة ومواصفات خاصة يجب أن يتحلى بها من يرغب بممارسة تلك المهنة.
مجلس وطني للمعايير المهنية
في العقد الأخير من القرن العشرين، تداعت أكثر من 100 جامعة أميركية مهتمة بالتربية وإعداد المعلمين، بهدف التصدي للأزمة التي تواجه مهنة التعليم، صدرت إعلانا بعنوان «معلمو الغد» من خلال منح المعلمين المبتدئين إجازة في التدريس والعمل على إنشاء بيئة مهنية صالحة لإعداد المعلم من خلال إقامة مدرسة التنمية المهنية للمعلمين، وتشكل المجلس الوطني لمعايير التعليم المهنية، ليقدم للمعلمين ما يوازي الإجازة في الطب.
كما يحصل الطبيب على إجازة ممارسة المهنة، ثم يتقدم لامتحان آخر للحصول على إجازة تخصص، حيث يمكن للمعلم الحصول على إجازة ممارسة المهنة وإجازة ممارسة تخصص فرعي، في المهنة، مثل الطفولة المبكرة، تعلم الرياضيات تعلم التفكير، ويسعى المجلس الوطني لمعايير التعليم المهنية لطرح 30 إجازة تعليم على أسس نوعية لا كمية.
أين دور كلية التربية؟
خرج المشاركون في مناقشة موضوع تمهين التعليم بتأكيدات لابد منها في مقدمتها أن كلية التربية معنية بإعداد معلم المستقبل، لأن التعليم كمهنة أصبح ضرورة لابد منها، وهذا يتطلب أن تقوم كليات التربية بوضع المعايير والمواصفات الخاصة، وتطبيق المقاييس أثناء قبول الطالب وخلال الدراسة، وحتى بعد التخرج، التأكيد على المعايير الأخلاقية وامتلاك المهارات والخبرات التقنية والتطبيقات العملية.
والخروج من النمطية والتقليدية، والعمل على تعزيز نظام الحوافز حتى نضمن الجودة والجدية، إضافة لوجود حزمة من المناشط التنموية والمهنية التي تلبي الاحتياجات الميدانية لتطوير قدرات المعلم، المطلوب هو إحداث التغيير في الرؤية والأهداف، وتحديد المعطيات، واتخاذ القرارات.
المباني والتقنيات لا تكفي وحدها لتعزيز الجودة
أكدت الدكتورة شيخة الطنيجي: إنه مهما طورنا في المباني وملأنا المدارس بأجهزة الكمبيوتر دون وجود إستراتيجية فإن المباني والتقنيات لا تشكل وحدها المخرجات في ظل عدم وجود كوادر تمتلك مقومات إدارة تلك التقنيات والمهارات لأننا لا نريد أن يكون الشكل على حساب المضمون، وعلينا خلق الدافعية، لتعزيز معايير الجودة، مشيرة إلى أن تمهين التعليم بات ضرورة، فمن خلال محتوى برامج إعداد المعلم وفق أخلاقيات المهنة، كفيل بإعادة التوازن للمهنة، ورفع مكانة المعلم بين المهن الأخرى.
تحقيق ـ داوود محمد