في كل خطوة يخطوها، أو قرار يتخذه، أو مبادرة يطلقها يثبت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بعد نظره، وعمق تفكيره، ورهانه الدائم على المستقبل، شيء من هذا القبيل نستطيع تلمسه في الزيارة الراهنة لسموه إلى كوريا، والتي يمكن القول من دون مبالغة إنها محطة مفصلية في تاريخ علاقات البلدين.

لماذا هذه الزيارة مفصلية؟... لأسباب كثيرة يمكن تلخيصها في العوامل الآتية:

أولاً: صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هو أرفع مسؤول إماراتي يزور كوريا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 18 يونيو 1980 أي قبل 27 عاماً كاملة، أعقبها افتتاح سفارة لكوريا في أبوظبي في الخامس من ديسمبر من نفس العام، في حين ان سفارتنا في سيئول تم افتتاحها في السادس من مارس عام 1987.

ثانيا: كوريا الجنوبية ليست دولة عادية بل هي من تلك الدول التي حفرت لنفسها اسماً لامعاً وبراقاً في سماء الاقتصاد العالمي الجديد وأصبحت في مصاف البلدان المتقدمة اقتصاديا شأنها في ذلك شأن الصين وماليزيا وسنغافورة والبرازيل والتي يقول مراقبون ان هذه البلدان مرشحة لتكون قوى عظمى خلال سنوات قد لا تكون طويلة.

ثالثا: وإذا كانت كوريا قد حازت إعجاب واحترام العالم لنموذجها في النمو، فإن الأمر نفسه ينطبق على الإمارات عموماً ودبي خصوصا، لذلك فإن البلدين يمثلان نموذجين متماثلين في النهضة والنمو والتقدم مع الفارق في خصوصية كل تجربة.

ويمكن لهما تعزيز علاقاتهما على قاعدة نظرية «التعاون من المركز إلى المركز» باعتبارهما مركزين رئيسيين كلا في محيطه الإمارات في الخليج والشرق الأوسط وكوريا في شمال شرق آسيا.

التجربة الكورية نموذج يحتذى في التقدم والنمو والإصرار على النجاح.. فهذه الدولة أو الشطر الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية شهد حرباً أهلية دامية في أوائل الخمسينات على خلفية الصراع بين المعسكرين الرأسمالي الغربي والاشتراكي الشرقي.. انقسمت البلاد وصارت هناك «كوريتان».

الشطر الجنوبي تمكن بفضل الإصرار على محو آثار الحرب في سنوات قليلة.. صار نمراً اقتصادياً بارزاً ضمن «نمور آسيا» مثل الصين وماليزيا وسنغافورة وتايوان وتايلاند، ورغم الأزمة المالية الحادة التي ضربت آسيا في النصف الثاني من التسعينات، إلى أن كوريا تغلبت عليها، وانطلقت إلى الأمام.

كثيرون في العالم تحدثوا عن التجربة الكورية بل والآسيوية باعتبارها «فقاعة» سرعان ما ستنفجر، وتهكموا على «تجربة النمور» واصفين إياها بأنها «قطط»، لكن النتائج على أرض الواقع ورغم وجود تحديات ومصاعب حقيقية تواجه هذه التجربة، فإن هذه النتائج تشير إلى ان هذه النمور في طريقها لتصبح «أسوداً».

رابعاً: وارتباطاً بالعامل السابق فإن كوريا تعد من بين أكبر عشرة شركاء تجاريين للإمارات، وثاني اكبر شريك آسيوي بعد اليابان وحجم التجارة بين البلدين يصل إلى حوالي 16 مليار دولار، الجزء غير النفطي منه يتراوح بين 6 ـ 7 مليارات درهم، ثم إن تجارة دبي مع كوريا تمثل حوالي 90% من حجم التجارة بين البلدين..

وبلغة الأرقام أيضاً وطبقاً لسفير الإمارات في سيئول عبدالله محمد المعينة فإن الاستثمارات الكورية في الإمارات 192 مليون دولار، في حين أن حجم الاستثمارات الإماراتية في في كوريا يبلغ حوالي 85, 1 مليار دولار، وتساهم موانئ دبي العالمية بـ 15 ,1 مليار دولار في ميناء بوسان الجديد في كوريا، كما يساهم جهاز أبوظبي للاستثمار بحوالي 700 مليون دولار في شركة هيونداي للنفط.

ورغم هذه العلاقات المتميزة إلا أنها لا تتناسب وحجم وأهمية البلدين كل في محيطه، ولذلك فالمؤمل والمنتظر أن تكون زيارة صاحب السمو الشيخ محمد عامل دفع لهذه العلاقات إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، خصوصاً أن كوريا تعتبر الإمارات شريكاً مهماً ليس فقط بسبب استيرادها لكثير من النفط، بل لأن الإمارات معبر مهم للصادرات الكورية إلى المنطقة.

لهذه الأسباب وغيرها تعد هذه الزيارة مفصلية باعتبارها تؤسس لقاعدة متينة يمكن لعلاقات البلدين أن تبني عليها وتنطلق فيها لآفاق أرحب. والمتابع لتحركات وزيارات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد خلال الشهور الأخيرة سوف يلحظ أنه قام بزيارته التاريخية إلى الهند مدشناً عهداً جديداً في علاقات البلدين، بعدها وقبل أسابيع قليلة أجرى مباحثات معمقة مع شينزو آبي رئيس الوزراء الياباني الذي زار الإمارات وأجرى مباحثات مهمة مع قادتها، والآن ها هو سموه يزور كوريا.

والسؤال ما هو الخيط الذي يربط بين الهند واليابان وكوريا؟ الثلاث من القوى الاقتصادية الرئيسية في العالم، هنا تبرز حكمة سموه وبعد نظره حينما يسعى بكل السبل إلى توثيق علاقات الإمارات مع هذه البلدان المتقدمة بما يخدم اقتصاد دولتنا ثم إن الاقتصادي الذكي والمتميز هو ذلك الذي لا يرمي كل أوراقه في سلة واحدة ولا يرهن نفسه لدولة واحدة مهما كان اسمها أو حجمها...

الصواب هو ما يفعله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حينما يعمل على تعزيز علاقات الإمارات مع القوى الكبرى الفاعلة على صعيد الاقتصاد الدولي.. من الهند وكوريا واليابان والصين وسنغافورة إضافة بالطبع إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقبل ذلك وبعده بلدان دول مجلس التعاون الخليجي.

وإذا كان البعض قد رفع في الماضي شعار «تنويع مصادر السلاح» أي عدم الاعتماد على دولة واحدة حتى لا يصبح فريسة لتحكم هذه الدولة أو تلك، فالشعار الذي يناسب المرحلة الراهنة والألفية الجيدة هو «تنويع مصادر الاقتصاد» وفتح مزيد من القنوات مع الآخرين والاستفادة من كل التجارب الناجحة في العالم، بما يخدم اقتصاد الدولة ويخدم مصلحة المواطنين التي تعد الهدف الأول والأخير لكل تحركات وزيارات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

لكي تكون كبيراً عليك أن تلعب مع الكبار تنافسهم بنفس قواعدهم، تنتج أكثر وتتقدم أكثر.. وذلك بالضبط ما تفعله الإمارات عموماً ودبي خصوصاً.