وجوب الإيمان حقيقة ثابتة لا مراء فيه ولا يمكن إنكارها والإعراض عنها فلم يكن الرسل عليهم السلام ليرشدوا الناس إلا بالإيمان أولا: وبعد ذلك يبلغون بقية الاعمال الواجب اتباعها والإقتداء بها فكل نبي ورسول كلف بحمل رسالة الهداية للناس جاء بمبدأ الإيمان وقد أمر أتباعه بضرورة التمسك به وقد فهم الجيل الأول من الصحابة والتابعين ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين فهموا المعنى الإجمالي لشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم المفهوم الذي كان الإنسان يعتبره مسلما بمجرد أن يستقر في خلده، لأنه في حقيقته يمثل الإسلام، الكفيلة ـ وحدها ـ بمجرد استقرارها في ضمير إنسان أن تحول حياته، وتوجيهه إلى الطريق السويّ... الطريق إلى الله تعالى.

وقد تفرعت عن هذا المفهوم الإجمالي ـ أو انبسطت معه بتوجيهات القرآن الكريم المفصلة وسلوك الرسول عليه السلام العملي التطبيقي ـ عدة مفاهيم أخرى، كانت عميقة الغور في نفوس المسلمين الأوائل، تنعكس في مشاعرهم وأفكارهم وتصرفاتهم، وإن لم «يفلسفوها» كما نفلسفها نحن، وان يكتبوا فيها الكتب والمجلدات!

فهم المسلمون ـ بداهة أن النية وحدها المضمرة في القلب لا يمكن أن تكون إسلاما! وأنه ما لم تتحقق هذه النية في أعمال محسوسة وسلوك واقعي، فهي لا تساوي شيئا في ميزان الواقع وميزان الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي؛ ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل» فكل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدل دلالة واضحة على ذلك فشرط الإيمان القول والعمل الصالح ولا يتحقق الإيمان الحقيقي ويجني المسلم ثمرة ذلك إلا بهما.

(فما من آية في كتاب الله تعالى ذكرت الإيمان مجردا، بل عطفت عليه عمل الصالحات، أو تقوى الله، أو الإسلام له، بحيث أصبحت صلة العمل بالإيمان آصرة لا يعروها وهن. فإذا عقدة مقارنة بين الهدى والضلال، جعل الإيمان والعمل جميعا في كفة، وجعل الكفر في الكفة الأخرى.«وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَّا تَتَذَكَّرُونَ» «غافر/58».

وكثير ما يشار إلى الإسلام وحقيقة الشاملة بمظاهر عملية واضحة محدودة «فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ» «البلد11/16» بل إن العلامة التي ينصبها القرآن دليلا على فراغ النفس من العقيدة وخراب القلب من الإيمان، هي النكوص على القيام ببعض الأعمال الصالحة. «أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ؟! فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ» «الماعون1/3».

وقد يُنظر إلى الإيمان على انه وصف يلحق الأعمال ويطرأ على السلوك الإنساني المعتاد، فيصلحه ويصله بالله، فيُذكر أولا كما هي مرتبة وجوده، ثم يُذكر الإيمان ثانيا، على انه شرط صحته وقبوله «فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ» «الأنبياء/94» ثم ما الذي يوزن في الدار الآخرة؟ أليست الأعمال التي تميل بالإنسان إلى النعيم أو الجحيم أو الدعاوي والمزاعم؟ «وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ» «الأعراف8/9» .

هذا ونكتفي الآن بسرد بعض الآيات القرآنية التي تدل على عظمة الإيمان ودوره العظيم في إصلاح الفرد والأمة والذي لا تستقيم الحياة البشرية إلا به فدوره ومسؤوليته كبيرة. منها أن الإيمان مقترنا بالإسلام الذي جاءت به شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمر المسلمين بأن يتقوا الله حق التقوى ويعبدوه في السر والنجوى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ» «آل عمران/102» فهذا الإيمان يعتبر ركيزة أساسية التي يقوم عليها كيان المجتمع المسلم فالاستسلام لله طاعة له واتباعا لمنهجه القويم وبه تقوم الحياة وتتقدم في الإطار الشرعي.

وفي الإيمان الذي ورد بمعنى الإقرار باللسان قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ» »النساء/136» فهو بيان لعناصر الإيمان التي يجب أن يؤمن بها الذين آمنوا بيان للتصور الإسلامي الاعتقادي: فهو إيمان بالله ورسوله، يصل قلوب المؤمنين بربهم الذي خلقهم، وأرسل إليهم من يهديهم إليه، وهو الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإيمان برسالة الرسول وتصديقه في كل ما ينقله لهم ربهم الذي أرسله. وهو إيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يربطهم بالمنهج الذي اختاره الله لحياتهم وبينه لهم في هذا الكتاب، والأخذ بكل ما فيه، بما أن مصدره واحد، وطريقه واحد؛ وليس بعضه بأحق من بعضه بالتلقي والقبول والطاعة والتنفيذ.

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي