طالب الأطباء في ختام مؤتمر المستجدات الطبية الحديثة 2007 الذي انتهت أعماله في أبو ظبي الخميس الماضي بضرورة استئناف عمليات زراعة الكلى في الدولة، وإنشاء مركز لزراعة الكلى متخصص في أحد مستشفيات الدولة يفي بحاجة ومتطلبات المرضى، ويكون بديلا للمرضى الذين يسافرون لإجراء هذه العمليات في مراكز تجارية خارج الدولة تهدف للكسب المالي فقط.
وأكدوا أن عملية زراعة الكلى تعتبر أفضل وسيلة لمعالجة الفشل العضوي الذي وصل إلى مرحلته النهائية، فلا يمكن معالجة فشل الكلية الذي بلغ المرحلة النهائية، على سبيل المثال، إلا بزرع كلية أخرى، وبدون تلك الكلية سيكون مصير المريض الموت أو الخضوع لعملية الغسيل الكلوي لمدة أعوام طويلة، علما بأن تلك المعالجة باهظة التكاليف.
وأكد الدكتور علي عبدالكريم العبيدلي استشاري ورئيس قسم أمراض وزراعة الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية، أن العمليات الجراحية لزراعة الكلى التي تجرى في مختلف دول العالم، مقارنة بالعمليات الأخرى التي تجرى في المراكز والمستشفيات المعروفة بنزاهتها، تفتقد الأمان والسلامة وضعف الخبرات الطبية، ويعاني المرضى بعد إجراء مثل هذه العمليات من مضاعفات خطيرة نتيجة الاستخدام السيئ للأدوية المثبطة للمناعة، وكذلك نتيجة لافتقاد المتابعة الجيدة لما بعد العملية.
وقال ان عملية نقل وزراعة الكلى هي من أبسط العمليات الجراحية التي يتم إجراؤها إذا تمت بصورة صحيحة، وأوضح أن أطول عمل كلية مزروعة أجريت في جامعة كولورادو الأميركية لا تزال تعمل بشكل طبيعي منذ أكثر من 40 سنة، وذلك أنها أجريت طبقا للشروط والمعايير الطبية السليمة.
وحول التطورات في هذا المجال أشار الدكتور العبيدلي إلى أنه في مارس الماضي قامت منظمة الصحة العالمية بإنشاء مرصد لمراقبة زراعة الكلى على مستوى العالم لتفادي المشكلات الناجمة عن سوء استغلال المتبرعين والمرضى المحتاجين،
مشيرا إلى أن كثيرا من الناس يعتقدون أن العمليات التي يتم إجراؤها في المراكز التجارية في العديد من الدول هي عملية استغلال من قبل الأغنياء للفقراء، بينما الواقع يؤكد أن تلك المراكز تستغل الطرفين الغني الذي يحتاج إلى زراعة كلى وكذلك الفقير الذي يرغب في التبرع.
وأشار إلى أنه على المستوى المحلي شكلت لجنة في هيئة الصحة بأبوظبي بمتابعة الدكتور أحمد المزروعي رئيس الهيئة لدراسة استئناف عمليات زراعة الكلى في مستشفى المفرق بعد توقفها، وقسمت اللجنة عملها إلى مرحلتين: الأولى شارفت على الانتهاء تتعلق بوضع اللوائح والقوانين والنظم لعمليات النقل والتبرع،
ومن ثم رفع توصياتها إلى الهيئة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، ومن ثم بدء المرحلة الثانية ودراسة إمكانية الاستفادة من تلك اللوائح واستئناف عمليات الزراعة، مؤكدا أن عملية زراعة الكلى من العمليات السهلة خاصة مع توافر جميع الإمكانيات من مختبرات متخصصة لدراسة الأنسجة البشرية وكوادر طبية مؤهلة وكذلك توافر الأجهزة والمعدات الحديثة.
وتشير الإحصائيات إلى أن في إمارة أبوظبي تجرى سنويا 19 ألف عملية غسيل كلوي، وهناك أربعة مستشفيات تضم وحدات للغسيل الكلوي وهي مدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي ومستشفى توام في العين ومستشفى الرحبة ومستشفى مدينة زايد.
الغسيل الكلوي
وتشير مصادر طبية في مدينة الشيخ خليفة الطبية إلى أن وحدات الغسيل الكلوي بالمدينة تقوم سنوياً بإجراء 2112 عملية غسيل، منها 1617 للرجال و495 للنساء وفي شهر ديسمبر الماضي تم إجراء نحو 366 عملية غسيل كلوي منها 221 للرجال و145 للنساء. وفي مستشفى توام بمدينة العين والتي تضم أكبر وحدات لغسيل الكلى فإنه يجري سنوياً حوالي 15 ألف عملية غسيل، منها 8005 للرجال و7379 للنساء.
وفي مستشفى الرحبة يتم إجراء حوالي 180 عملية غسيل كلى في الشهر 72 للرجال و108 للنساء. أي بمعدل سنوي حوالي 1318 عملية منها 765 عملية للرجال و616 عملية للنساء، وفي مستشفى مدينة زايد هناك 180 عملية غسيل كلوي سنوياً.
وأكد الدكتور ياسين الشحات استشاري أمراض الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية بأبوظبي ورئيس »فرع الغسيل البريتوني« بالجمعية العربية لأمراض الكلى أن أعداد مرضى الفشل الكلوي في تزايد مستمر ليس فقط على مستوى الإمارات فحسب، بل على مستوى دول العالم نظراً لارتفاع الإصابة بالأمراض المزمنة.
ويرجع تزايد معدلات الإصابة بمرض الفشل الكلوي إلى انتشار الأمراض المزمنة بين السكان في السنوات الأخيرة، لاسيما مرضى السكري وضغط الدم اللذين يتسببان في إصابة عشرات الأشخاص سنويا، مؤكدا أن تجاهل مثل هذه الأمراض وتأخر علاجها يفضيان في النهاية إلى الإصابة بالفشل الكلوي.
وتشير التقديرات إلى أن عدد مرضى الفشل الكلوي الذين يعالجون حاليا في المستشفيات على مستوى الدولة يبلغ حوالي 800 مريض، منهم نحو 250 مريضا يتلقون العلاج في مدينة الشيخ خليفة الطبية.
الكلى الصناعية الحيوية
ويشير الدكتور محمد حسن استشاري أمراض الكلى وزميل كلية الأطباء الأميركية الذي خصص محاضرته حول الفشل الكلوي الحاد والكلى الصناعية الحيوية إلى أن الكلى الصناعية الحيوية التي لا تزال في أطوارها الأولى، وتحتوي على خلايا كلوية بشرية يتم استخلاصها من الكلى البشرية،
وأكدت الدراسات الحديثة التي أجريت في ولاية ميتشجان الأميركية إلى استجابة المرضى الذين يعانون من الفشل الكلوي الحاد المؤقت لهذا النوع من العلاج بنسب جيدة وأن احتمالات الوفاة كانت قليلة ولم تتجاوز 40%، مقارنة بالغسيل الكلوي التقليدي الذي تصل فيه هذه النسبة إلى 85 %، مشيرا إلى أن الدراسات العلمية في هذا المجال لا تزال قائمة للتأكد من سلامتها وفعاليتها.
وأكد الدكتور حسن أن الفشل الكلوي الحاد يمكن أن يستمر إلى أكثر من 6 أشهر كحد أقصى، وإذا لم يشف المريض خلال هذه الفترة تصبح احتمالية الشفاء ضعيفة جدا، منوها إلى أن الفشل الكلوي الحاد في الأمور الطبيعية يستمر من أسبوع إلى أسبوعين تعود الكلى بعدها إلى عملها الطبيعي.
ويشير إلى أن علاج الفشل الكلوي الحاد يتم عن طريق الأدوية وهذه الطريقة أثبتت عدم جدواها في علاج المرضى، كما أن هناك طرقا أخرى منها التركيز على علاج السبب الذي أدى إلى حدوث المشكلة للحفاظ على الكلى من الأدوية
التي تساعد أو تسبب الفشل الكلوي مثل بعض المضادات الحيوية والمسكنات وبعض أنواع الصبغات المستخدمة في الأشعات، منوها إلى أن المريض الذي لم يستجب لهذه الطريقة يحول إلى وحدة غسيل الكلى كعلاج مؤقت من 3 ـ 6 مرات أسبوعيا حتى تتعافى الكلى وتعود إلى وضعها الطبيعي.
كلوثو
من جانبه يشير الدكتور عبد الكريم صالح رئيس قسم الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية إلى أن أملا جديدا يلوح في الأفق في مجال علاجات الكلى من خلال اكتشاف جديد بالغ الأهمية لحيثيات جينية تفرزها الكلى أطلق على تسميتها كلوثو وهي تكشف النقاب عن أسرار عديدة تلف حالات مرضية متنوعة يتسبب بها الفشل الكلوي الحاد أو المزمن،
وما يتعرض له المرضى من مضاعفات وإضرابات صحية تشمل كل أعضاء الجسم، وتفضي إلى وفيات مبكرة في نحو 20% من المرضى، وذلك على الرغم من التطورات التقنية والعلاجية للمرض والتي بدأت منذ حقبة الستينات. ويؤكد أن الدراسات التي أجريت في هذا الإطار أشارت إلى أن سنة زمنية واحدة لمريض الفشل الكلوي تعادل 5 سنوات من حياة الشخص المعافى،
حيث ان مريض الكلى الشاب يواجه أمراض الهرم والشيخوخة في سن مبكرة جدا وهنا تكمن أهمية الاكتشاف الجديد للجين كلوثو الذي تفرزه الكلى هو المنوط بحفظ سائر أعضاء الجسم من التلف والشيخوخة المبكرة، فإذا ما توقفت الكلى عن إفرازه في حالة الإصابة بالفشل الكلوي فإن المريض يتعرض للشيخوخة مبكرا.
وأكد أنه تم استخلاص هذا الجين وإنتاجه صناعيا وتجرى حاليا أبحاث استخدامه على الحيوانات في المختبر، ومن ثم اختباره على الإنسان قريبا ، وتوقع أن يشكل هذه المادة الجينية للاستخدام الطبي في المستقبل القريب قفزة نوعية في علاج أمراض الكلى وأمراض عديدة أخرى وتحسن من نوعية حياة المرضى خاصة مرضى الفشل الكلوي المزمن.
برنامج زراعة الكلى
أولت الإمارات مشكلة مرض الفشل الكلوي أهمية خاصة منذ فترة طويلة، فقد صدر القانون رقم (15) لسنة 1993 الذي ينظم عملية زراعة الأعضاء في الدولة ويسمح بالتبرع بالأعضاء من الأحياء وكذلك التبرع بعد الوفاة وفق ضوابط وشروط محددة تحفظ حياة المتبرع الحي وكذلك تشترط موافقة المتبرع أو ذويه بعد وفاته.
وقد أنشئ في مطلع التسعينات مركز زراعة الكلى في مستشفى المفرق في أبوظبي وتم فيه إجراء نحو 80 عملية جراحية ناجحة لزراعة الكلى، غير أن البرنامج تباطأ بعد بضع سنوات من إنشائه وما لبث أن اختفى نهائياً ربما لأسباب تعود إلى ضعف التمويل اللازم له وقلة عدد المتبرعين خاصة أن ميزانية وزارة الصحة التي كانت تشرف على المركز وقتئذ كانت تعاني في تلك الفترة من ضعف مصادر التمويل.
ويتبع برنامج زراعة الكلى بالدولة فرصاً جيدة لتنمية برامج أخرى مثل زراعة الكبد وخلاياه وزراعة نخاع العظام والبنكرياس في ضوء امتلاك الإمارات خبرات بشرية وفنية تؤهلها لأن تخطو خطوات كبيرة في مجال زراعة الأعضاء.
تحديث مبادئ التبرع
عرضت منظمة الصحة العالمية على البلدان وغيرها من أصحاب المصلحة، في المشاورة العالمية الثانية التي عُقدت مارس الماضي بشأن زراعة الأعضاء خطة لتحديث المبادئ التوجيهية العالمية الخاصة بإجراءات التبرع بالخلايا والأنسجة والأعضاء وزرعها.
وترمي تلك المبادئ إلى معالجة عدد من المشاكل منها النقص المسجّل على الصعيد العالمي في المواد البشرية- وبخاصة الأعضاء- اللازمة لإجراء عمليات الزراعة واستشراء ظاهرة سياحة الزرع الناجمة، جزئياً، عن ذلك النقص، ومسائل الجودة والمأمونة والفعالية المرتبطة بإجراءات عملية الزراعة واقتفاء أثر المواد البشرية والمساءلة بشأنها عبر الحدود.
ومن المواضيع الأساسية التي ركزت عليها المناقشات القلق الذي يساور منظمة الصحة العالمية حيال تزايد حالات الاستغلال التجاري للمواد البشرية حيث إن الأعضاء البشرية ليست قطع غيار. فلا يمكن لأحد وضع سعر على عضو سيمكن من إنقاذ شخص من الهلاك.
ويؤكد خبراء المنظمة الدولية على أن عدم وجود قوانين في مجال التبرع بالأعضاء وزرعها أو هشاشة القوانين القائمة في هذا المجال من الأمور التي تشجع على الاتجار بالأعضاء وممارسة سياحة الزراعة، فإذا اتفقت جميع البلدان على انتهاج أسلوب مشترك في هذا المجال ووضع حد للاستغلال التجاري فإنّنا سنضمن المزيد من الإنصاف في الاستفادة من عمليات الزرع وعدداً أقلّ من الحوادث الصحية المأسوية.
وتشير التقديرات الواردة مؤخراً إلى منظمة الصحة العالمية من 98 بلداً إلى أن الكلية تمثل أكثر الأعضاء التي يبحث عنها الناس لأغراض الزراعة، وقد تم زراعة 66 ألف كلية في عام 2005، مما يشكل 10% من الاحتياجات المقدرة في هذا المجال.
وتم في العام نفسه، زراعة 21 ألف كبد و6 آلاف قلب، وتسجل زيادة في عمليات زرع الكلى والكبد على حد سواء، غير أن الطلب على تلك العمليات في تزايد أيضاً ولم يوف بعد.وتبين التقارير الخاصة بظاهرة سياحة زراعة الأعضاء أن تلك الممارسة تمثل نحو 10% من ممارسات الزرع العالمية.
وقد شهدت تلك الظاهرة زيادة مستمرة منذ منتصف التسعينات، وذلك مع زيادة تقبل الناس للمنافع العلاجية المتأتية من عمليات الزرع ومع التقدم المحرز في مجال نجاعة الأدوية (مثبطات المناعة) المستخدمة لتوقّي رفض الجسم للأعضاء المزروعة.
وتؤكد المبادئ التي تقترحها منظمة الصحة العالمية على ضرورة أن يكون الشخص- سواء كان من متلقي الأعضاء أو المتبرّعين بها- الشاغل الأساسي بوصفه مريضاً وآدمياً على حد سواء؛ وعلى أن استغلال الأعضاء البشرية تجارياً يتنافى مع الاستفادة منها بشكل عادل ويمكن أن يسهم في إلحاق أضرار بالمتبرّعين بها والمستفيدين منها على حد سواء؛
وعلى أنّ تبرّع الأحياء بأعضائهم ينطوي على مخاطر صحية عديدة يمكن تلافيها بتشجيع الناس على التبرّع بأعضائهم بعد وفاتهم؛ وعلى أنّ الجودة والأمان والفعالية والشفافية من الأمور الضرورية إذا ما أراد المجتمع جني المنافع التي يمكن أن تتيحها عمليات الزرع باعتبارها إحدى المعالجات المقترحة.
أبوظبي ـ مصطفى خليفة