قال الشيخ: وقع في يدي كتاب بعنوان «الحجاب نظرة عصرية» لكاتبة صحافية يغلب على انتاجها الأسلوب الصحافي، فهي تكتب أكثر من عمود في عدد من المجلات النسائية والاجتماعية ومنها مجلات مشاكسة مما أطلقنا عليه سابقاً مجلات مدرسة المشاغبين. كما أنها كغيرها من أصحاب النفوذ الثقافي قدر لها أن تجمع بعض مقالاتها في كتب وكتيبات نشرتها لها مؤسسات حكومية، وهي كتب تتضمن مقالات لا رابط بينها إلا أنها من تأليف الكاتبة المحترمة.
وقرأت الكتاب فإذا به كما توقعت لا يحتوي إلا الغث والفارغ، فكاتبتنا رأت أنها قد بلغت رتبة الاجتهاد التي تخولها أن «تفتي» وتكون لها كلمتها الجامعة المانعة التي تزاحم بها مساهمات أكابر الفقهاء والعلماء وتخالف بها ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
ولا أعرف ما الذي يجعل العلوم والمعارف الشرعية مشاعاً لكل من أراد أن يستعرض عضلات مخه مع أنها كغيرها علوم متخصصة لا تسلم قيادها لأحد إلا بعد أن يهبها عمره وماله، ولماذا يستسهل الناس أمر «الفتوى» بهذه الصورة المزرية مع أن الرسول الأعظم أخبرنا بأن أجرأنا على الفتوى أجرأنا على النار، وقد كان الصحابة والتابعون يفرون من الفتوى فرار الإنسان الأعزل من الوحوش والأسود.
وأول ما أبدأ الوقوف عنده هو عنوان الكتاب «الحجاب نظرة عصرية» لأنني أرى فيه تناقضاً منطقياً لا يجوز أن يتم تجاوزه، فالحجاب فريضة وواجب شرعي ثابت قديماً وحديثاً في القرآن الكريم والسنة النبوية حسب أصول الاجتهاد واستنباط الأحكام المجمع عليها من قبل جميع علماء المسلمين، وهو من ثوابت الشريعة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا يجوز فيها أن تتغير أو تؤول بنظرة عصرية أو تقليدية أو مستقبلية، فالأمر ليس رأياً أو اجتهاداً بشرياً أو نظرية فلسفية يجوز تعليبها وتحويلها وتجاوزها لما جد أو يجد من أمور، إنما هو أمر الله الثابت القاطع الذي يصلح به أمر الناس وتستقر به أحوال الأفراد وأوضاع الأمم، وما جاء فيه نص واضح لا يحتمل التأويل ـ إذ أن للتأويل نفسه شروطاً وضوابط ـ ولا يحتمل زيادة أو نقصاناً، بل إن من الأولى أن تكون لنا «نظرتنا العصرية» في أمر إلهي نزل من السماء أي أنه لم تتفتق عنه عقول وقرائح البشر.
وأصل المشكلة أن الكاتبة المحترمة وغيرها يظهرون ما لا يبطنون، فهم لا يعترفون بأن الله سبحانه أنزل قرآناً على البشر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو صالح لكل زمان ومكان ويصلح كل زمان ومكان، وهم في حالهم هذه بهوى جعلوه إلهاً لهم بعد أن صورت لهم الدنيا على أنها حلوة خضرا وباقية غير فانية، وهو شعور واعتقاد مغلوط واضح حجم الجهل والجهالة فيه.
وقد سبق كاتبتنا مستشار نفث إبليس في روعه أن يعبث بالإسلام وشريعته فألف كتباً ونشرها وهي لا تساوي قيمة الورق والأحبار التي استخدمت في طباعتها. وكان مما كتبه كتاب عن الحجاب وصل فيه إلى أنه كان إجراءً يناسب الفترة التي نزل فيها القرآن. ثم كان أن عبث بالنصوص دون مراعاة لأصول التفسير وضوابط التأويل ليهتك حجاب المرأة ويعتبره من لوازم العصور السالفة.
وأكثر ما يتكئ عليه هذا النوع من المؤلفين أن القرآن العظيم حمال أوجه ـ وهو ما أثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ وأنه نص مفتوح يجوز تأويله باختلاف المؤول وزمانه ومكانه، وهو كلام حق يراد به باطل، وباطله يأتي من عدم التزام الضوابط في التفسير والتأويل والاجتهاد مع القصد السيئ والباعث الخبيث والهوى المسيطر.
وإنني أهمس في أذن حواء: هل تثقين بجهود هؤلاء الأزلام المولعين بتفكيك النصوص ولبس الحق بالباطل أكثر مما تثقين بعلماء وهبوا حياتهم لطلب العلم من مصادره الصحيحة؟ هل جاء القرآن العظيم بالسنسكريتية أو الصينية حتى يستحيل فهمه ويصعب استيعابه ونحتاج مع هذا إلى مفكرين من أمثال كاتبتنا ومستشارنا لإعادة ترجمته بلغة العصر أم أن القرآن مع عظمته وجلال قدره كلام هين لين لا يصعب على تالٍ فهم معانيه ومراميه مهما ضعفت إحاطته بأسرار اللغة وفنونها؟ لماذا نضطر إلى التأويل والنص واضح وصريح وهو يدعو إلى ما فيه خير العباد والبلاد، ولماذا نصر على البحث عن «معانٍ بديلة» عن المعنى الأصلي الواضح القاطع إذا استثنينا الهوى والعداوة للإسلام، إن ما يحدث يا أختاه هو التزوير بعينه، وهو الجرأة على الله ورسوله بعينها، وهو الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض بعينه، وهو كتمان ما أنزل من حق بعينه، فإياك إياك أن يغلبك هواك فيصور لك باطل هؤلاء بصورة الحق، واستفتِ قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك.
ماهر سقا أميني