الأم مصدر الحنان والرعاية للأسرة وصلاحها من صلاح الأبناء، وقوام سلوكها يؤدي بالضرورة إلى أبناء صالحين نافعين للمجتمع، هي الحانية هي الساعية دائماً الى خير أسرتها جادة صابرة على كل المعوقات والصعوبات التي تلاقيها في الحياة، ولذلك كله جاءت الشريعة الإسلامية لتعظم قدرها وتوصي الأبناء خيراً وتعدهم بأن طاعتها فيها النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة،
فلا سبيل لعصيان أمرها إلا في معصية الخالق ولتكن هنا أيضاً المعصية غير خارجة عن نطاق الأدب والرحمة، بل هي أيضا من يجد الأبناء تحت أقدامها الجنة. هي في الإسلام تلك التي حملت ولدها في وهن بالغ الصعوبة وولدته في وهن أشد ثم سهرت علي راحته ورعايته وأكسبته الحنان والإيمان، ودفعته دوماً الى النجاح والفلاح، وهي من ضحت بكل غال وثمين من أجله، وبالتالي فحق طاعتها ورعايتها، لا يمكن أن يكون مشروطاً إلا بأكبر الآثام التي لا يغفرها الله تعالى وهي الشرك بالله، ودون ذلك لا ذريعة لعصيانها بأي حال من الأحوال. يقول د. منيع عبدالحليم محمود أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر الشريف: الأبناء يمتصون عبر رحلة طفولة وشباب ونضح كل رحيق وعافية من أمهاتهم فإذا ما أضحت الأم عجوزا ضعيفة نجد الإسلام يرسم لنا منهجاً لتبادل الأدوار، ورغم أنهم لن يستطيعوا أن يؤدوا أمهاتهم حقهن، ولو بزفرة واحدة أطلقتها في آلام حمل وولادة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا أنهم مطالبون بالإخلاص في رد الجميل.
ويؤكد أن الإسلام عندما يحدثنا عن فضل الأم لا يعني بها أمومة الأرحام والتي تعد مجرد بداية لدور الأم، ولا يمكن أن ينتهي عندها لأنه مسيرة بذل وعطاء لذا جعل الإسلام للأم البديلة التي تربي وتحنو أجراً عظيماً، ولعل البعض في حاجة الى تذكرة ببره بأمه وتحذيره من عقوقه لها، ولا ينسي أن القاعدة الشرعية «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم» لابد أن تتحقق فهل نسارع ببر من جعلهما الله سبباً موصلاً للجنة وأن ننتبه الى أن العقوق لا يمكن أن يكون في سلوك المسلم.
وصية واجبة
ويقول تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) حملته أمه وهناً علي وهن».. والكلام موصول لـ د. منيع، جاء في تفسير فضيلة الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي ما يشرح معنى كلمة «وصى» والمقصود بها توجيه الإنسان الى عمل يقوم به، أما كلمة «الإنسان» فمعناها يبدأ من آدم عليه السلام الى أن تقوم الساعة وهذه التوصية وجهت للإنسان الذي منه المؤمن ومنه الكافر فلم تختص المؤمن فقط بالتوصية بالوالدين.
ويوضح أن التوصية بالوالدين وردت أربع مرات في القرآن الكريم مقرونة بالله والعبادة لأنهما سبب الوجود المباشر للإنسان فكان الله يريد أن يروض الإنسان على احترام هذا السبب ليعرف سبب الوجود الأعلى وهو الله سبحانه وتعالى، وبعد أن يوصي الله بالوالدين يعود فيذكر الأم وحدها دون الأب «حملته أمه وهنا على وهن»، حملته أمه كرها ووضعته كرها.
ولذلك حكمة وهي أن الأم تقوم بالجزء غير المنظور في حياة الابن فهو لا يشعر بتعبها في الحمل والولادة والرضاعة وكافة أعباء تربيته وهو طفل صغير فإذا ما كبر وجد فضل أبيه أمامه فهو الذي يشتري له ما يريد ويعطيه المال، لذا يذكره الله بما فعلته أمه ولم يدركه لصغر سنه ثم يصل بنا الى احترام الوالدين، حتى ولو جاهدانا علي الشراك بالله، «وإن جاهداك علي أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا»، والمعروف يفعله الإنسان لمن يحبه ولمن لا يحبه ابتغاء رضاء الله تعالى، أما الإحسان فهو أن تصنع المعروف فوق ما يفرض عليك.
و يقول د.محمود عبد الخالق حلوة أستاذ الحديث بكلية أصول الدين: إن الشارع الحكيم أباح للمرأة التي مات عنها زوجها أن تتزوج بشرط أن تجد الزوج الكفء الذي يرعى أولادها ويشاركها تربيتهم ومسؤولياتهم ويراقب الله فيهم، والأمثلة على ذلك كثيرة فهناك السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية التي تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة من الهجرة، فتربي، ولداها عمر وزينب في بيت النبي فكان يدلل الابنة ويناديها (يا زناب) ويعلم الولد ويهذبه، وأسماء بنت عميس التي كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب ثم تزوجها أبوبكر الصديق بعد استشهاد جعفر ثم تزوجها علي بن أبي طالب وقد أنجبت من هؤلاء جميعاً.
ويوضح أن الله أودع قلب الأم وجوانحها رحمة وعطاء بلا حدود فهي لا تحنو على وليدها فقط عندما يكون نبتة مورقة يتلألأ أمامها المستقبل والنجاح الذي يسعد قلب كل أم، ولكنها كما يقول فضيلة الشيخ صابر ثعلب: تحنو أيضا على الابن أو الابنة الذي شاء القدر له أن تكون به إعاقة ذهنية أو جسدية بل إن جهدها نحوه يتضاعف واهتمامها به وحبها له يزداد لأنه يحتاج إليها أكثر وهي المخلوق الوحيد الذي يشعر باحتياجه ويلبيه له، مشيراً الى أن الأم المبتلاة في ولدها نراها دون الجميع صابرة راضية تدفع بولدها نحو أي شعاع نور تفسح له مكاناً وسط الظلام الكثيف.
ثمار العطاء
أوصى القرآن الكريم بالأم كما أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال وصيته بالأب فلماذا والإسلام بين المساواة بين الأم والأب؟، يجيب د. يوسف الفرت رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم موضحاً أن عدم المساواة هنا لا يشتمل على أي نوع من الإجحاف بحق الأب أو الانتقاص من قدره وإنما هو نوع من العدل الذي هو مبدأ إسلامي ثابت يعطي التكريم والفضل حسب العطاء والمشقة، فالأم تحمل جنينها وهناً على وهن وتشكو طوال فترة حملها.
ويشير إلى أن الطاعة والبر ثمرتان من ثمار عطاء الأم وتضحياتها، فإن العقوق كذلك قد يكون ثمرة لإهمالها في حق أبنائها، وأن الإسلام يطلب من الأم أن تعين أولادها على البر بها، وذلك من خلال مراعاتها لحقوق هؤلاء الأبناء منذ مولدهم ورعايتهم صحياً ونفسياً.
ويرى د. الفرت أن الابن العاق يعاني من انفصام بينه وبين أمه التي تذهب للعمل وتترك أمره لمن ينوب عنها، وهنا نلاحظ المنهج الإسلامي في عمل المرأة، رغم أنه لم يحرمه إلا أنه قيده بضوابط منها رعاية الأسرة والأبناء، والوفاء باحتياجاتهم حتى لا يفقدوا حنانها وعطفها إذا ما انشغلت عنهم ولم يجدوا من يعوضهم عنه، أيضا الأم التي تهمل غرس العبادة في سلوك أبنائها وهم صغار فلا تعودهم طاعة الله ومراقبة أوامره والابتعاد عن المعاصي، لأننا لا نجد ابنا عاقاً لأمه ويكون ملتزماً بأداء واجبات دينه وعباداته لأنه سيتعلم من هذه العبادات أن يؤدي حقوق والديه وأنه يعظم التكريم لأمه كما يوصيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
برز دور الأم في طفولة ثلاثة من أنبياء الله وأولي العزم منهم أولهم إسماعيل بن إبراهيم جد رسول الله عليهم الصلاة والسلام ومواقف أمه هاجر التي اتسمت بقوة الإيمان والصلابة في مواجهة الشدائد عندما صحبها سيدنا إبراهيم وولدها إسماعيل الى مكة وكانت «واد غير ذي زرع» وتركها في موضع زمزم قبل أن ينبجس ماؤها العذب فلم تجزع وسلمت أمرها لله، ومع ذلك ظلت تهرول بحثاً عن الماء لوليدها حتى تفجر ماء زمزم تحت قدميه.
ويؤكد أن تسليمها الإيماني تجلى عندما أخبرها إبليس اللعين أن إبراهيم ذهب بولدها ليذبحه قالت إن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن بأن يطيع ربه، ووهبت هاجر حياتها وجهدها لرعاية ابنها ووحيدها إسماعيل وقامت معه بدور الأم والأب وهو ينمو من مرحلة الضعف والإرهاق والحرمان من لذة الطعام والشراب، فلا نجدها تتذمر رغم آلامها بل تسعد بها كما تسعد بوليدها، وكل هذا تتحمله بمفردها فلا يشاركها الأب في هذه المراحل كما لا يشاركها أيضا مسؤولية العناية بالوليد وإرضاعه وتغذيته والسهر علي راحته.
ويضيف: إنه عندما يشب الطفل ويقوي عودة تستمر الأم في دور التربية والتوجيه والمتابعة في الحياة وهو الدور الذي يشارك فيه الأب بتحمل المسئولية، لذا أراد الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم أن يسدد الأبناء شيئاً من مكرمات الأم تجاههم فيزيدوا الإحسان إليها لما تستحقه من عطف وحنو عليها لأنها هي منبع العاطفة والحنو الذي طالماً أغدق عليهم وهم صغار ضعاف ورغم أن المساواة بين الرجل والمرأة أمر واضح في جوانب كثيرة يقرها الإسلام إلا أن للأم منزلة خاصة استحقت عليها التكريم أكثر من الأب ولحاجتها كامرأة لمعاونة أبنائها عندما تكبر ويصيبها الضعف.
منهاج الطاعة
وضع الإسلام من الضوابط الشرعية ما يشكل منهجاً خاصاً لكيفية تعامل الأبناء مع أمهاتهم وتقول د. زينب رضوان أستاذ الفلسفة الإسلامية: إننا نستشف من هذا المنهج ما أصبح عليه الأبناء من عقوق يأخذ صوراً ودرجات مختلفة.
وتضيف: إذا كان القرآن ينهانا عن مجرد التلفظ بكلمة «اف» التي ينطقها الابن تذمراً من أمه وتعبيراً عن ضجره من رعايتها في كبرها (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً) فما بالنا بمن يسب أمه ويغلظ لها القول في الرد ويستهزئ بآرائها، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله من سب أباه.. لعن الله من سب أمه»، فالتأفف مرفوض وأسلوب النهر في الحديث مرفوض، وليس هذا فقط بل ان الابن مطالب بما في الآية الكريمة: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً».
أي أن تكون معاملته لوالديه من شدة لينه وتعطفه ورحمته بهما كما لو كان في وضع الذل بالنسبة لهما ومع ذلك فلن يستطيع أن يوفيهما حقهما فيطلب من ربه ـ وهو القادر ـ أن يرحمهما كما فعلا في تربيته وهو طفل صغير، ولكن الأبناء يكبرون ويتغافلون عن ذلك كله متذرعين بالمسؤوليات وأعباء الحياة فيتطلعون الى مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ويحرصون على رضاء أزواجهم وزوجاتهم وينسون فضل الأم في رعاية الأبناء، هناك من الذنوب والآثام ما لا يحاسب عليه الإنسان في الدنيا ويدخر له العقاب في الآخرة ولكن العاق لأمه يجب أن يعلم أنه سيشهد عقابه في الدنيا وفي الآخرة أيضاً، ويفسر ذلك فضيلة الشيخ علي أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقاً من خلال الحديث الشريف: (ثلاث يعجل الله بهن في الحياة قبل الممات: الظلم والزنا وعقوق الوالدين).
ويقول إنه ربما من شدة جريمة العقوق أن يمتلئ كأس العقوبة في الآخرة فيكون هناك قسط مكمل للعقوبة في الدنيا والمؤكد من العقاب الدنيوي ما يحدده قانون العقاب في القرآن الكريم والسنة النبوية إذ يقول تعالى: «جزاء وفاقا» أي جزاء مماثلاً للذنب الذي ارتكبه هذا الابن العاق فلابد أن يجد العقوق من أبنائه هو أيضاً قبل أن يموت وأن يفعلوا معه نفس الذي فعله مع أبيه والرسول الكريم يقول: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم»، وحوادث التاريخ تؤكد هذه القاعدة فسيدنا عمر بن الخطاب مر ذات يوم بغلام يضرب أباه بالسوط فلما نهره وسمع الأب ذلك قال: إنني بمثل هذا السوط كنت أضرب أبي، والمرتكب لجريمة العقوق تنغلق عليه أبواب الرزق وتضيق الدنيا في وجهة ولا يوفق للعمل الصالح، وعند وفاته ينسيه الله النطق بالشهادتين ويعجز لسانه دونهما.
تنشئة الطفل كي يكون باراً بأمه هي مسؤولية تشترك فيها الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في المجتمع، ويقول د. محمد طلعت أبوصير أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية إن القاعدة القرآنية: «والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا»، ويوضح ذلك بأن الأسرة الشرعية التي يعرفها الإسلام والتي تقوم أساساً على المبادئ الشرعية، هي بيئة منتجة لأولاد صالحين البارين بآبائهم والرسول الكريم يقول: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس» ويقول «فاظفر بذات الدين تربت يداك».
القاهرة ـ أسامة رمضان