أُثير في الفترة الأخيرة موضوع التفريق بين الزوجين لعدم كفاءة النسب وقد حدث وأن حكم قضاة بالتفريق بين بعض الأزواج بهذه الحجة وبرغم تمسك الزوجين كل منهما بالآخر، والتأكيد على مواصلة مشوار حياتهما وفي ظل وجود أطفال، إلا أن الحكم يكون قد صدر وانتهى ولا رجعة فيه، ورافع الدعوى له حجته المعتبرة من وجهة نظره والتي قد تكون واهية ولا سند لها ولكن على الرغم من ذلك فهو أقدر على إثبات وجهة نظره وأدلته عن طريق محام أكثر كفاءة من محامي الزوجين وألحن منه فيتم الحكم لصالحه.
وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم الخصوم من هذا الفعل، فمن حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» وفي رواية أخرى «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم. فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك».
والجدل الذي ثار بين العلماء بعد صدور هذه الأحكام لم يهدأ بسبب كم الاستفسارات والأسئلة التي انهالت عليهم لمعرفة موقف الشريعة الإسلامية من قضية الكفاءة في النسب، ومن خلال آراء هؤلاء العلماء نجد أن هذه القضية فيها خلاف بين الفقهاء فيشير أكثرهم إلى أن التفريق بين الزوج والزوجة تحت ذريعة عدم تكافؤ النسب يخالف ما دعت إليه الشريعة الإسلامية.
ويرى الشيخ سلمان بن فهد العودة أن هناك كثيراً من الحالات لا يتوفر فيها «تكافؤ النسب»، وأن القضاة اختلفوا فيها بين من يحكم بفسخ العقد وبين من يقضي بإمضائه، والمسألة ليس فيها دليل شرعي يوجب فسخ الطلاق، خصوصاً إذا وقع الزواج وحصلت المعاشرة ووجد الأبناء.
وكما اختلف العلماء حديثا فقد اختلف قدامى الفقهاء فيها، ففي حين يراه بعضهم مبررا للتفريق بين الزوجين خاصة إذا تسبب في ضرر الزوجين أو انسبائهم يراه البعض الآخر ليس شرطا لقوله تعالى (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) وقوله صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»، ويذهب ابن حزم إلى عدم اعتبار الكفاءة، فيرى أن أي مسلم - ما لم يكن زانياً- فله الحق في أن يتزوج أي مسلمة ما لم تكن زانية، فلا اعتبار للنسب والحسب حيث زوج النبي صلى الله عليه وسلم - القرشية زينب بنت جحش مولاه زيداً، وزوج المقداد بن عمرو ضباعة، وذهب جماعة من العلماء إلى خلاف ما ذهب إليه ابن حزم حيث اعتبروا أن الكفاءة معتبرة، ولكن اعتبارها بالاستقامة والخلق خاصة، وأن الكفاءة أعم من الصلاح والخلق لتشمل النسب والمال والسلامة من العيوب.
والكفاءة يدخل فيها الدين والصلاح، فليس الفاسق كفئا لعفيفة صالحة وهي عند البعض من العلماء من حق الزوجة وأوليائها وهي وإن لم تكن شرطا في صحة النكاح لكنها مطلوبة ومقررة ضمانا لاستقامة الحياة الزوجية بين الزوجين، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: تخيروا لنطفكم ، فانكحوا الأكفاء، وانكحوا إليهم.
وذهب جماعة إلى أن الكفاءة معتبرة، ولكن اعتبارها بالاستقامة والخلق خاصة، فلا اعتبار لنسب، ولا لصناعة، ولا لغنى، ولا لشيء آخر فإذا لم يتوفر شرط الاستقامة عند الرجل فلا يكن كفئا للمرأة الصالحة.
واستدل أصحاب هذا المذهب بقول الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
فالآية تقرر أن الناس متساوون في الخلق وفي القيمة الإنسانية، وأنه لا أحد أكرم من أحد إلا من حيث تقوى الله -عز وجل- بأداء حق الله وحق الناس، وروى الترمذي بإسناد حسن عن أبي حاتم المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.. قالوا يا رسول الله وإن كان فيه. قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه - ثلاث مرات».
وهذا الحديث موجه إلى الأولياء أن يزوجوا بناتهم من يخطبهن من ذوي الدين والأمانة والخلق.. وإن لم يفعلوا ذلك بعدم تزويج صاحب الخلق الحسن، ورغبوا في الحسب، والنسب، والجاه، والمال - كانت الفتنة والفساد الذي لا آخر له.
tantawi2006@hotmail.com