احتفظت الأسواق الشعبية القديمة في المنطقة الشرقية بجاذبيتها الكبيرة لتشهد إقبالاً كبيراً من قبل مختلف الجنسيات بالدولة وخارجها للاستمتاع بعبق الماضي وأصالة الحاضر، ويحتل سوق الجمعة المرتبة الأولى بين الأسواق الشعبية في إمارة الفجيرة لما يتميز به من أسواق شعبية متنوعة ومنتجات مختلفة ترضي الأذواق كافة.
ورغم التطور الهائل الذي تشهده المنطقة في جميع المجالات إلا ان سوق الجمعة يشهد إقبالا كبيرا من قبل السياح الأجانب الذين يفدون إليه بكثرة خلال الآونة الأخيرة، والتي تميل إلى شراء مستلزمات حياتية ونماذج جمالية وإكسسوارات كالفخار والحلي من الفضة وبالأخص التركيز على شراء السجاد من الحرير الإيراني الذي تشتهر به معظم أسواق الفجيرة الشعبية بمختلف الألوان ذات النقشات الحديثة والقديمة التي تحمل الطابع الإسلامي العريق. وكل ذلك كان له الدور الفعال والإيجابي في النهوض بالجانب الاقتصادي والسياحي بالمنطقة، حيث يجد المتوافدون إلى المنطقة وبشكل خاص الأجانب في رحاب هذه الأسواق أجواء من نكهة الماضي التي تعكس بساطة دولة الإمارات وحضارتها متمثله في عفويته في عمليات البيع والشراء بعيداً عن الضوابط الإدارية الصارمة.
ولا تزال الأسواق الشعبية تعكس الملامح الشعبية الإماراتية القديمة، بما يعكسه أصحاب البضائع من قابلية للتفاوض والمساومة في سعرها، بالإضافة إلى ما تمد به الناس بما يحتاجونه من متطلبات متوفرة بأسعار ملائمة ومناسبة، وأغلب بضائع هذه الأسواق تستورد من الخارج، إلا أن هناك الكثير من السلع والمنتجات التي تنتج محليا وبصناعة يدوية مثل الفخار والحلي و السمن البلدي والعسل الطبيعي والخضراوات والفواكه والمنتجات المختلفة التي يستخدم فيها سعف النخيل كالسلال وأغطية الطعام والمباخر والمهفة «المراوح اليدوية» وغيرها العديد ويدخل الجاشع وهو «السمك المجفف و المالح» كمنافس قوي في الأطعمة الشعبية المرغوبة بشدة خاصة من قبل مواطني الإمارات الأخرى بالدولة الذي يستخدم فيه أجود أنواع السمك مثل الكنعد والقباب.
السجاد والمواد الغذائية
وفي ضوء ذلك يحتل بيع السجاد المركز الأول بنسبة 80% من مبيعات منتجات الأسواق حيث تقبل الجاليات الغربية على شرائها بكثرة لأسعارها الجيدة وجودة صناعتها وألوانها المختلفة ثم يليه الفخار ومستلزمات أخرى تعكس هوية المنتج المحلي خاصة بالنسبة للجاليات الأجنبية، باعتبار أن هذه الفئة حريصة كل الحرص على اقتناء كل ما هو تقليدي إذ يكون الإقبال على هذه المواد كبيرا بالإضافة إلى المواد الاستهلاكية المتعارف عليها، ويقبل مواطنو دولة الإمارات على شراء المواد الغذائية كالخضراوات والفواكه والسمك المجفف والتمر و السجاد والوسائد المطرزة.
الباعة المتجولون
ونجد مظاهر تكرس خصوصية مثلى بالنسبة للأسواق الشعبية في المنطقة إلا وهي ظاهرة الباعة المتجولون والأسواق المتجولة في سيارات النقل نصف المكشوفة أو المكشوفة التي تبيع المنتجات المحلية كالحلوى والخضراوات والفواكه والعسل الطبيعي والقهوة والتمر وكذلك السمك المجفف، وهناك أسواق أخرى مستقرة تقام على امتداد الكورنيش في كل مدن المنطقة الشرقية وفي المناسبات المهمة، وتبيع مختلف المنتجات والبضائع التي قد لا تعرض إلا في هذه الأسواق وبأسعار تناسب شرائح المجتمع كافة من مواطنين ومقيمين وسياح.
ومن أشهر الأسواق الشعبية المعروفة «سوق الجمعة» الذي يقع في منطقة مسافي، حيث يعتبر من أهم وأبرز الأسواق التقليدية في المنطقة الشرقية ويأتيه المتسوقون من مناطق مختلفة وبعيدة لشراء احتياجاتهم،، فهو يفتح كل يوم ويحتل موقعا بارزا على الشارع الرئيسي المؤدي إلى إمارة الفجيرة، و ترجع تسميته بسبب اتخاذ أحد أيام الأسبوع مسمى له، إلا أنه وكما قيل نسبة ليوم انعقاده، حيث أنه يزدهر بصفة خاصة يوم الجمعة وكذلك على اعتبار انه يقع في منطقة إستراتيجية ومهمة إذ يقع في منطقة وسطى يعبر من خلالها المغادرون والقادمون سواء من داخل المدن أو من خارجها أيام الخميس والجمعة والسبت. بيد أن نشاطه يزداد في مواسم الإجازات والأعياد عوضا عن تكرار أعداد الزيارات والرحلات السياحية للمنطقة من السياح الأجانب والعرب في السنوات الأخيرة.
القديم والحديث
وقد أسس السوق منذ أكثر من عشرين سنة من خلال إمداد أهل المنطقة بما يحتاجونه في حدود ومتطلبات المجتمع المحلي آنذاك. أما الآن فقد تنوعت المنتجات المعروضة ليشكل في مجمله مزيجاً بين القديم والحديث، ابتداء بالسجاد والأواني الفخارية والمشاتل الزراعية والزهور والنخيل، ومعروضات الخضراوات والفواكه والمنتجات المحلية، والمصنوعات الجلدية وكذلك السلال اليدوية من سعف النخيل والحصير والمراوح وغزل البنات والفشار والمشروبات الغازية والطبيعية.
ففي أقسام السوق نرى لوحات فنية بديعة لمختلف أنواع السجاد، حيث إن أكثر ما يلفت السياح الأجانب وبالأخص السياح الروس في الإقبال على الشراء جمال وروعة السجاد الإيراني الذي يمتاز بروعة رسومه وزخارفه التي ترسم لوحات فنية رائعة ولوحات لمناظر جذابة تعبر عن ذوق راق وإبداع فنان، بالإضافة إلى الجودة العالية والدقة في الحياكة وعلى الرغم من سعره المرتفع إلا أنه يبقى المنافس الأكبر لبقية أنواع السجاد المعروض، كما تتفوق شهرة السجاد المصنوع يدويا، في ظل وجود السجاد المصنوع بالتقنيات الحديثة.
حيث إن هناك أنواعا مختلفة من السجاد الإيراني فهناك سجاد الزينة ويصنع من الصوف وسجاد المنازل وسجاد يعرض لوحات فنية ورسومات رائعة ومناظر طبيعية، تتراوح أسعاره من 30 درهما إلى 4000 درهم، وتختلف أسعاره حسب طريقة صنع السجاد والرسوم والزخارف الموجودة بالسجاد. فالسياح الأوروبيون وخصوصا الإنجليز يفضلون السجاد المصنوع من الصوف وبالذات الأفغاني لما به من خيوط أفقية و رأسية بسيطة تناسب أذواقهم التي تميل إلى البساطة، بالإضافة إلى الحياكة الفنية المتقنة والعالية الجودة، فالسجاد من الصوف الأفغاني يشتهر ببساطة التصميم والنقوش، والألوان البهيجة المستوحاة من التراث العربي الإسلامي حيث لا يخرج عن ألوان الأحمر والأزرق والبيج وأحياناً الأسود.
ويضم السوق بالإضافة إلى المنتجات المختلفة العديد من المشغولات اليدوية كالوسائد والمفارش المطرزة بالورود والزهور التي نسجت بخيوط من الحرير والصوف والقطن بأقمشتها المتفاوتة الألوان بين الأبيض والأسود والسكري والذهبي والأحمر القاني والأخضر.
كما تحظى الذرة الطازجة المشوية على الفحم بالإقبال الكبير من الأطفال ومن المراهقين في أجواء الجو البارد، وتصطف طوابير سيارات القادمين إلى الفجيرة والمناطق المجاورة بالقرب من السوق الذي يوفر رغم بساطته كل الخدمات المتمثلة بالمطاعم والكافتيريات ومسجد ومصلى للنساء وهي مطاعم هندية تشتهر ببيع «شاي كرك وخبز براتا» الذي يلاقي إقبالا من الزائرين، بالإضافة الى عصير النارجيل الذي بدأت تجارته تأخذ بالرواج مؤخرا عند أغلب المتوافدين إلى المنطقة.
لوحات ورسومات
ومن جانب آخر يعرض السوق لوحات خشبية وزجاجية مزينة يدويا برسومات وألوان كثيرة، وفي بعضها الآخر كتبت عليها آيات قرآنية كريمة، إلى جانب الزجاجيات المنفوخة التي حفرت عليها نقوش دقيقة بزخارف بديعة، مع صناديق الخشب التي تعكس الماضي العريق لدولة الإمارات التي كان أهلها يصنعونه من خشب الزان الأصيل لحفظ الذهب والمجوهرات وأشيائهم الثمينة، أما اليوم فهي تشهد إقبالاً كبيراً من أبناء الجاليات العربية والأجنبية التي تستخدمها كديكور للمنزل الذي يحمل الطابع العربي وتتراوح الأسعار ما بين 150 إلى 2000 درهم للصناديق الكبيرة، بالإضافة إلى مجموعة من الخناجر والمقاعد الخشبية وحاملات القرآن الكريم.
وتكثر في السوق محال بيع الخضراوات والفاكهة التي تنتج محليا وتقدم طازجة، حيث يمثل المواطنون السواد الأعظم في استهلاكها، كون بيع الخضروات والفواكه مرغوبا جدا ولديه زبائنها بصفة مستمرة من دون توقف عن شرائها، مع زيادة الطلب على «الجاشع» و«المالح» الذي يعد غداء مفضلاً للإماراتيين سابقاً و ليومنا هذا، جاذبا بقوة مواطني المدن والمناطق الرئيسية إلى القدوم خصيصا إلى سوق الجمعة لشراء الأغراض المحلية.
وشهدت المشاتل الزراعية والزهور في سوق الجمعة نشاطاً مميزاً خلال هذه الفترة نظراً لإقبال شراء فسائل النخيل وأشجار الليمون والمانجو وأشجار الزينة. وبالنظر إلى أقسام السوق الأخرى يوجد قسم بيع المصنوعات الفخارية المتميزة بالطابع الحرفي التقليدي القديم من أواني وجرات ومباخر وأشكال فخارية متعددة الأحجام والأشكال مصبوغة بألوان زاهية، يصلح استخدامها لأغراض مختلفة. وكذلك تباع المنتجات الخزفية ذات التطريزات والأشكال الهندسية الجميلة، ما يجعل هذا السوق ملتقى لتراث الماضي الجميل.
وجوه من السوق
ويقول أحد الباعة في سوق الجمعة أن السوق يحقق قيمة اقتصادية وثروة تاريخية أنعشت التجارة في المنطقة الشرقية وخاصة في منطقة مسافي والتي تجاورها بمنتجاتها المحلية وكذلك المستوردة وخاصة بالنسبة للسجاد والفخار، وفي ذات الإطار ذكر أن الذرة والنارجيل حيث الأخير يشهد إقبالاً كبيراً من الشراء في الآونة الكثيرة، بالإضافة إلى الخضراوات والفاكهة وبصورة خاصة الموز.
وأضاف بائع سجاد آخر في سوق الجمعة أن أغلب السياح في هذه الفترة من الدول الأوروبية نتيجة الرحلات والسفن السياحية التي تفد المنطقة خصوصاً الجالية الروسية التي تقوم بشراء سجاد الحرير الإيراني بكثرة، وهناك أيضاً السياح الإنجليز الذين يقومون بشراء سجاد الصوف الأفغاني المصنوع باليد والوسائد الكشميرية، حيث تتم الاختيارات بناء على وزن المنتج استناداً إلى حجم حمولة الحقائب في وقت سفر السياح لدولهم، ملمحاً أن أكثر الجاليات شراء للمنتجات الشعبية السياح من الجنسية الروسية وتليها الانجليزية وأيضا الأميركية والاسترالية، أما الألمانية فتميل إلى مشاهدة المنتجات أكثر من شرائها، مضيفاً إلى أن سجاد الحرير الإيراني من بيع السجاد يمثل النسبة الأكبر من الشراء، ويليها السجاد من الصوف الأفغاني.
وأوضح أن الربح جيد والتجارة نشطة، كما أن هناك محاولة التطوير في المكان وتحسين المظهر قدر الإمكان من دون المساس في أصالة وعراقة المضمون الشعبي للسوق ليتناسب والروح العصرية التي تتبناها الحركة الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة.
وذكر محمد سعيد أحد المتسوقين في سوق الجمعة أن السوق ذو لون خاص بما أنه يلبي احتياجات ميول مختلفة ومتزايدة من المتسوقين والمستهلكين الذين يرغبون في اقتناء الكثير من الحاجيات الخاصة والمختلفة عما قد يجدونه بالمراكز أو الأسواق العامة وبأسعار جيدة. مطالبا بضرورة إنشاء قسم للأسماك واللحوم، وذلك بما يشكله الموقع المميز لسوق الجمعة اعتباراً بأنه ممر وسيط للقادمين والمغادرين، حيث يتميز السوق بإمكان دخوله من كل الجهات، ليشكل منافسا قويا للمراكز والمجمعات التجارية الكبرى في المنطقة الشرقية.
ومن جهة أخرى وصفت تامارا زائرة روسية إن سوق الجمعة يعد صورة شعبية قديمة اجتماعياً واقتصادياً ما تعكس المعالم التراثية المحلية الإماراتية وخاصة لسكان هذه المنطقة في مختلف وجوه الحياة، ما يكون لدى أي زائر خلفية بسيطة جميلة عن أجواء الحياة في الماضي، وأكثر ما لفت انتباهها وقامت بشرائه سجاد إيراني بحياكة يدوية، وقوالب الفخار المميزة المصنوعة محلياً ونتيجة لذلك تشعر أن الإمارات بلدها وجزء من تكوينها.
وأعربت عائلة تمارا من السياح الألمان في إطار زيارتهم لسوق الجمعة عن فرحتهم لزيارة هذه الأسواق الشعبية، فهم يهوون الطابع التقليدي والبساطة في العيش بعيداً عن الحياة المتطورة، فالسوق يشكل عنصر جذب سياحي نتيجة لقربه من الأماكن الأثرية والتقليدية في المنطقة، متمنين إعادة بناء الأسواق بمزيج شعبي قديم وقالب مطور جديد من خلال الحفاظ على الطابع الخاص الذي يميز هذه الأسواق، مع ضرورة استمرارية الأنشطة التجارية التي تقام بها حالياً وذلك استناداً على تجارب خليجية قامت بتطوير أسواقها القديمة، مثل دولة الكويت لتعيش فترات طويلة في ذاكرة نظيفة رغم التغيرات الحاصلة.
الفجيرة ـ ناهد مبارك