وجد مئات الآلاف من العراقيين السنة والشيعة والمسيحيين، من الأغنياء وأصحاب النفوذ كما من الفقراء، ملاذاً في الأردن الجار الغربي للعراق مشكلين «عراقاً مصغراً» في عاصمته عمّان ، فهم فروا من أصوات التفجيرات والاغتيالات في بلادهم، آملين في العودة حين عودة الاستقرار الأمني. وتوجد الآن في هذه الأحياء التي كانت هادئة في السابق مطاعم تقدم الأطباق العراقية الشهيرة مثل سمك «المسكوف» وما يسمى بـ «كباب الفلوجة» بالإضافة إلى الملاهي الليلية التي يحيي لياليها مغنون عراقيون. وأصبحت تطلق تسمية «بغداد مول» على وجهة التسوق الأولى في عمّان وهو مركز التسوق الأكبر الذي يزوره العراقيون.

واتخذ معظم العراقيين في الأردن منازل لهم في العاصمة الأردنية ما ضاعف عدد سكانها الذي كان لا يتجاوز المليون عام 2003، وأدى إلى زيادة أسعار العقارات إلى ثلاثة أضعاف، وهو ما جعل المواطنين الأردنيين يعزفون عن الإيجار في العاصمة ويلجأون إلى مناطق أخرى.

وتمركز العراقيون في عمان في أحياء سكنية كالرابية وخلدا، والتي يصفها سائق سيارة الأجرة مازحاً بأنها أعيدت تسميتها بالكرادة والجادرية (أحياء سكنية في بغداد).

ولا تتوفر إحصاءات دقيقة حول عدد العراقيين الذين نزحوا إلى الأردن بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في 2003، لكن السلطات الأردنية رجحت ان يكون عددهم لا يتجاوز نصف المليون عراقي. في حين تتحدث المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة عن ما يزيد على 700 ألف لاجئ عراقي.

ويقول محلل اقتصادي في أحد مراكز الدراسات الأردنية ان العراقيين «انشأوا مجتمعاً داخل مجتمع، لدينا الآن (عراق صغير) في عمّان وهذا ما يدعو للقلق على المدى الطويل».

ويشكو الكثير من الأردنيين، الذين اعتقدوا في البداية ان وصول العراقيين الأغنياء إلى بلدهم سينعش الاقتصاد، من ان جيرانهم زادوا التضخم المالي وأصبحوا يشكلون عبئاً على الأردن.

وقال المحلل الاقتصادي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه ان «العراقيين يعيشون في أحياء أصبحت خاصة بهم ولم يفعلوا إلا القليل للاستثمار في المملكة عدا عن شراء المنازل وبعض المشاريع كشراء المطاعم، حيث غالبية الموظفين عراقيين». وأضاف «لقد ساهموا في التضخم المالي وقليلاً ما اختلطوا مع الأردنيين، وهذا غير صحي».

ويؤيد عبدالرحمن وهو موظف حكومي ما قاله المحلل. وقال «كان لدي نية لشراء شقة صغيرة عام 2005 ولكن عندما تمكنت من الحصول على قرض مصرفي، قال لي المالك ان سعر الشقة ارتفع من 35 ألف دولار إلى 115 ألف دولار».

واشتكى نقابي أردني كذلك من ان العراقيين يدفعون بالأردنيين ببطء إلى خارج سوق العمل وقال ان «آلاف العراقيين يعملون بشكل غير قانوني ويقبلون بأجور أقل من الأردنيين الذين أصبحوا بلا عمل».

وقال عزت، وهو ميكانيكي «ان صاحب العمل هدده بأنه سيطرده ويستبدله بعراقي عندما طلب منه يوم عطلة». لكن مسؤولين أردنيين قللوا من أهمية هذه الشكاوى.

من جهته، أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية ناصر جودة هذا الأسبوع، ان «وجود العراقيين في الأردن بالطبع عبء على الموارد الوطنية، رغم أني لا أحبذ استخدام هذا المصطلح، ولكنهم مرحب بهم هنا»، ونفى جودة ان يكون الأردن أغلق حدوده أمام العراقيين القادمين إلى الأردن، ولكنه قال «يتم التحقق والتدقيق بشكل جيد وبحذر ونأخذ بالاعتبار الدواعي الأمنية والتي نواجهها جميعاً في العالم هذه الأيام».

وأكد جودة على ان «العراقيين الموجودين في الأردن هم ضيوف دائماً علينا»، وأضاف ان معظم هؤلاء «لا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم لاجئين»، مضيفاً ان «الأردن يدرك الوضع الصعب القائم في العراق وأبواب الأردن كانت دائماً مفتوحة للعراقيين».