تحت رعاية سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء عقدت في مكتب شؤون الإعلام أمس ندوة «خليفة وثقافة التسامح» بمشاركة مجموعة من رجال الدين المسيحي من مختلف الكنائس في دول الخليج العربية إلى جانب السفراء المعتمدين في الدولة.

وقال سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء في تصريح بمناسبة انعقاد الندوة بأن دولة الإمارات العربية المتحدة بنسيجها الاجتماعي المتماسك وبنيتها الحضارية المتكاملة شهدت عبر تاريخها المشرق تعايشاً إنسانياً فريداً في نموذجه وهو تعايش قائم على فضائل الصدق والسماحة والاحترام دونما أي تأثير لاختلاف الدين أو المعتقد أو العرق مما جعل إمارات الخير مقصداً محبباً لبني البشر من سائر الأصقاع استظلالاً بدوحة تسامحها الظليلة وتطلعاً لأمنها المستقر. وقال سمو الشيخ سلطان بن زايد إن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه كان من الروّاد في الدعوة إلى نشر قيم التسامح والتصدي لثقافة الإقصاء ونبذ الآخر متأسياً بالنهج المتأصل للوالد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله وطيب ثراه، صاحب غرس التعايش الحضاري والثقافي الذي تعهده الخلف الصالح بكريم الرعاية وكثير العناية فنما فتياً وامتزج قوياً في المجتمع الإماراتي المتحضر.

وأضاف أن صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله من موقع مسؤولياته الكبيرة وترسيخاً لنظرته الإنسانية الجليلة التي تؤمن بضرورة تعايش الإنسان في بيئة صالحة يسودها التفاهم، وتحكمها المبادئ والمثل الدينية والأخلاقية الفاضلة فتح بسياسته المتفهمة لطبيعة الآخر والمدركة لخصوصية المقومات الفكرية والحضارية لمجتمعه آفاقاً رحيبة للتعاون المثمر بين الإمارات وغيرها من دول العالم.

واختتم سمو الشيخ سلطان بن زايد تصريحه منوهاً بأن التسامح الديني الثقافي المشهود في دولة الإمارات لا يحتاج إلى دليل لتأكيده لكونه من الصفات الفطرية في مجتمع الإمارات ومشيراً إلى أن هذه الندوة التي يشارك فيها ويحضرها جمع من رجال الأديان المختلفة، تأتي من أجل نشر ثقافة التسامح والحوار ونبذ عوامل الفرقة بين شعوب المجتمع الإنساني.

وقال محمد خليفة المرر المستشار الإعلامي لسمو نائب رئيس مجلس الوزراء في ندوة «خليفة وثقافة التسامح» إن تنظيم هذه الندوة بمشاركة شخصيات دينية ذات مكانة كبيرة من ممثلي مختلف الديانات جاء بهدف نشر ثقافة التسامح وغرس قيمها ومبادئها الفاضلة واحترام عقائد الآخرين وتقدير كرامتهم الإنسانية من أجل بناء عالم آمن ومستقر في شتى بقاع الأرض.

زايد المتسامح

ومن جانبه أعرب الراعي البابوي الدكتور باول هندر ممثل الفاتيكان في الخليج العربي وأسقف كاثدرائية القديس يوسف الكاثوليكية في كلمته عن احترامه وتقديره لرؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للتعايش والإخاء المستمدة من رؤية المغفور له الشيخ زايد رحمه الله،.

مشيرا إلى أن الشيخ زايد كان رجلا استثنائيا بكل المعايير أدهش العالم ببساطته وطيب نفسه، فباعتباره أباً للوطن جلب إليه عظيم النِّعم فقد وضع خير شعبه فوق كل اعتبار، ليس فقط من خلال التسيير الرشيد للثروة المادية ولكن أيضا فيما هو أهم وهو إيمانه بضرورة الجانب الروحي مشيرا إلى أن الشيخ زايد أصيل في ثقافته وعقيدته وثقته بالله متسامح في أفكاره ورؤيته.

وأكد أن دولة الإمارات العربية المتحدة مستمرة تحت قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في توفير الظروف التي تمكِّن الناس من ذوي النوايا الطيبة من العيش معاً والتعبير عن عقائدهم برفق متبادل لخير الجميع، مشيرا إلى أن الدولة بما تقوم به تمثل إسهاماً نبيلاً في تحقق السلام والعدل في العالم.

كما أعرب الراعي البابوي عن امتنانه لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان لسماحه بإقامة كنيسة في العاصمة أبوظبي للجالية الكاثوليكية التي تقدر بـ 100 ألف نسمة في هذه المدينة. مشيرا إلى أن للجالية الكاثوليكية في عموم البلاد سبع كنائس يمارس اتباعها العبادة بكل حرية.

وأشاد بالانفتاح الذي يتحلى به حكام دولة الإمارات حيث منحوا غير المواطنين وغير المسلمين فرصة للإسهام في بناء الوطن، ليس فقط بعملهم، ولكن بطريقة أكثر شمولية، مشيرا إلى أن المدرسة الكاثوليكية في أبوظبي هي أول مدرسة خصوصية يتم بناؤها كما يوجد ست مدارس كاثوليكية في الإمارات العربية المتحدة يتم التدريس فيها باللغتين العربية والإنجليزية، ويتلقى التعليم فيها مسلمون ومسيحيون على حد سواء.

مفهوم الحرية

وتحدث الأسقف الدكتور باول هندر عن مفهوم الحرية الذي اعتبره فوق جميع القيم الأخلاقية الأخرى مشيرا إلى أن الدين مطالَب بأن يثبِت أنه قوة لتحرير البشر وخدمة الحقيقة. كما ذكر المحاضر أن مفهوم الرب كواحد هو الخير بلغ أمده في الكتب المسيحية المقدسة بإعلانها أن: «الرب هو الحب».

فالحقيقة والحب متماهيان. مؤكدا أن الحب أقوى ضمانة للتسامح، مذكرا بما كتبه البابا بنديكت، «إنني مقتنع بأن احترام الإنسان يحمي السلام.. وبهذه الطريقة يتسنى إعداد مستقبل مشرق للأجيال القادمة». كما استشهد بها جاء على لسان البابا الذي حدد المجالين الأساسيين الذيْنِ يجب فيهما احترام جميع البشر وهما احترام الحياة واحترام الحرية الدينية.

ثقافة التسامح

وقال المطران الدكتور كورين بابيان رئيس الكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية في الكويت ودول الخليج العربي إن الكنيسة الأرمينية منذ اليوم الأول تمتعت بحقوق الإنسان وحرية التعبير وحرية العبادة موضحا أن ثقافة التسامح التي تسود دولة الإمارات توفر الكثير من الفرص لأفراد الكنيسة الأرمينية لتأكيد هويتهم والبقاء مخلصين لجذورهم. وأشار إلى أن أساس ثقافة التسامح وضعها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

وأشاد المطران بجهود صحاب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ودوره في نشر ثقافة السلم، وثمن كرم سموه المتمثل في منح قطعة أرض لبناء الكنيسة الأرمينية.

وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة ودول الخليج العربي والإمارات العربية المتحدة بشكل خاص تعكس تعدداً واضحاً للثقافات والأديان والتقاليد، فالحوار بكل صوره وأشكاله هو حقيقة أزلية في هذه المنطقة، وهو جزء مهم لا غنى عنه في تركيبة مجتمعاتها المتعددة الأعراق والثقافات والأديان.

وأكد أنه في الحوار المسيحي المسلم الصريح ينبغي للاتجاهات المتحيزة والتفسيرات الخاطئة والانطباعات السطحية أن تنحى جانباً لتترك الطريق لمعرفة أدق وأشمل للمعتقدات والتقاليد والروحانيات فإذا جرى الحوار بين الأديان أو الحوار المسيحي الإسلامي بهذه الروح فإن ذلك قد يقود الشركاء إلى فهم متجدد لرسالتهم لخدمة الرب والإنسانية في هذه المنطقة.

القائد والشعب

من جانبه أعرب الراهب القس اسحق الأنبا بيشوي راعي كاتدرائية القديس الأنبا انطونيوس للأقباط المصريين الأرثوذكس في ورقة عمله عن تقديره العميق لنهج الإخاء والتسامح لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة متمسكا بمواصلة العمل بنهج القائد الراحل زايد والسير على خطاه بالتعاون والتضامن مع حكام الإمارات لتعزيز المسيرة الاتحادية وتحقيق الازدهار والرفاهية للإمارات وشعبها والمقيمين على أرضها من مختلف الأديان والجنسيات.

وحيا الأنبا بيشوي صاحب السمو رئيس الدولة وقال إنني «أحيي فيكم إنساناً متديناً بحب الله ويسعى لمرضاته» مشيدا بهذا الصدد بانتخاب أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات في الثالث من نوفمبر عام 2004 صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حاكم أبوظبي رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة خلفاً للمغفور له فقيد الوطن الشيخ زايد وهو ما اعتبره دلالة على تقدير بالغ لشخص سموه.

كما تناول نهج صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد في المحافظة على الاستقرار والسلم العالميين انطلاقاً من دعم توجهات الأمن والسلم في المنطقة الخليجية والعربية والعمل بصدق من أجل خدمة ومصلحة شعوبها مشيدا بالإنجازات التي تحققت على ارض الإمارات وقال إنها تنم عن عطاء ومحبة من القائد إلى شعبه.

وأشار إلى دور دولة الإمارات على الصعيد الإنساني مشيرا إلى امتداد عطاء الدولة الفياض خارج حدود البلاد لمعظم دول العالم مبرزا في هذا الصدد دور هيئة الهلال الأحمر الإماراتية التي دائماً تقدم مساعدات من مواد غذائية وملابس وبناء مساكن لأبناء لبنان وفلسطين والعراق وغيرهم على مختلف القوميات والديانات.

وشدد الأنبا بيشوي على رعاية صاحب السمو رئيس الدولة لأبناء المواطنين والوافدين من الدول العربية والأجنبية من خلال توفير الكسب الشريف والعيش الرغد والاستقرار على أرض الإمارات الغالية، مؤكدا أن سموه اضطلع بدور مشكور في التسامح الديني من خلال منحه حرية ممارسة الشعائر الدينية لكل الأديان والأجناس والطوائف دون تفرقة ومن أبرزها بناء كاتدرائية القديس العظيم الأنبا انطونيوس للأقباط المصريين الأرثوذكس بأبوظبي بجوار أكبر صرح ديني إسلامي.

حياتنا في الإمارات

وقال الأب نضال أبو رجيلي كاهن رعية أبوظبي في كاثدرائية القديس يوسف في ورقة عمله بعنوان «حياتنا في الإمارات» إننا ننعم في دولة الإمارات العربية المتحدة بسلام ومحبة زَرَعه المغفور له الشيخ زايد رحمه الله الذي كان بحق بطلَ المحبة، لافتا إلى أن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة اقتدى بتلك الخطى ليتابع مسيرة السلام والمحبة والوحدة في دولة الإمارات التي حباها الله جمالاً في سلامها وحكمةِ حكامها. ومعربا عن ثقته أن يسير أصحاب السمو حكام الإمارات على خطى الراحل الشيخ زايد في مسيرة الانفتاح وقبول الآخر في معتقداته وتقاليده.

وأكد أن «حياتنا في الإمارات هي نعمة» من الله حيث ينعم المسيحيون في الدولة بالكرامة والحرية الدينية وبعلاقة مَوَدَّة وتواصل مع الأخوة المسلمين ويتم تبادل التهاني والتبريكات خاصة في المناسبات الدينية مشيرا إلى أن الإمارات دولة إسلامية نموذجية في انفتاحها على الآخرين بفضل إرادة شعبها المضياف، وقادتها الذين عززوا الأمن والاستقرار لشعبها ولكل مقيم على أرضها المعطاء.

وأضاف الأب نضال أبو رجيلة أن الحوار الديني لا يهدف إلى إلغاء الآخر أو محاولة إقناعه، بل يرمي إلى تقبّله كما هو في معتقداته وعاداته وتقاليده وإيمانه، لافتا إلى أنه بالحوار البنّاء يتعرّف المرء على الطرف الآخر أكثر وينفتح عليه ويتفهّمه فيزول الخوف تجاهه بما يساعد على نشر رسالة التعايش بين الشعوب والديانات واحترام الحريات الدينية والكرامة البشرية.

أرض المحبة

وقالت الأخت استيفاني هاني هلسه، المشرفة والمسؤولة بقسم البنين في مدرسة الوردية والأخوات، في ورقة ألقتها بالنيابة عن الأخت أدلين حجازين مديرة مدرسة الوردية والأخوات بأبوظبي بعنوان «التسامح الديني في الإمارات» إن هذه الندوة مناسبة عطرة للتعبير عن سماحة اللقاء الديني على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة ممثلة بصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، الذي مارس التسامح الديني بأعمق معانيه وأروع صوره وأبعد قيمه.

وأضافت أن أروع مثال لمعاني التعايش والتعاضد يتجسد على أرض الإمارات التي وصفتها بأنها أرض المحبة والسلام التي تمنح الاحترام المتبادل والمساواة في الحقوق والتقدير المشترك دون المساس بدائرة الخصوصية لأصحاب الديانة المسيحية، مشيرة إلى أن الدولة أقامت الكنائس للجاليات المسيحية لينعموا بممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية بكل حرية ويسر، بعيداً عن التعصب والتطرف الديني.

ومن جانبه أشاد الدكتور أليكسندر شوميلين مدير مركز دراسات الشرق الأوسط الكبير بموسكو في ورقة عمله بعنوان «صاحب السمو الشيخ خليفة وجه لثقافة وفنِّ التسامح» بطابع الألفة والتسامح الذي تنعم به دولة الإمارات العربية المتحدة. وأوضح الدكتور شوميلين أن رئيس الدولة قدم تعريفا دقيقا للوضع المعقد والمثير للجدل حول العلاقة بين الحضارات عندما أكد أن اللائمة تقع على المسلمين والغرب باعتبارهما جزء من مشكلة شاملة،.

مشيرا إلى أن سموه أدرك أن منهج الحكومات الغربية في التعامل مع المشكلات والقضايا الإسلامية والعربية الرئيسية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وتوصيف الإرهاب أدى إلى عدم الفهم ونشوء العديد من مراكز التوتر السياسي والثقافي بين الجانبين وظهور بعض النظريات المتشائمة التي ترى حتمية الصراع والحرب بين الحضارتين الإسلامية والغربية.

وأكد المحاضر أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدم مثالا ساطعا على أن الإسلام والغرب ليسا عَدوَّيْنِ لبعضهما البعض ويجب أن لا يشكل أحدهما تهديدا للآخر، وقد قرنت الدولة الأقوال في هذا الاتجاه بالعمل، ولذلك أصبحت الإمارات مزدهرة في المنطقة تتسم بالديناميكية والتعددية الثقافية والانفتاح وتدعو إلى تجاوز الصور النمطية بين الجانبين.

وذكّر بدعوة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة عندما قال سموه إن العلاقة بين الحضارتين يجب أن تكون: «علاقة تكامل وتفاعل وأنه تحقيقاً لهذا الهدف المنشود فإننا في حاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى بناء تحالف للتفاهم والسلام تمكيناً للجانبين من اجتثاث جذور العنف والكراهية وإفشاء ثقافة التسامح والاعتراف بالآخر واحترام قيمه الدينية وخصائصه الثقافية» منوها إلى أن سموه دعا إلى حوار إنساني باعتباره المخرج الأفضل للأزمة الراهنة، كما أن على الغرب أن يطور فهمه للحضارات الأخرى وخاصة الحضارة الإسلامية.

ورقة مكتب شؤون الإعلام

وقدم مكتب شؤون الإعلام لنائب رئيس مجلس الوزراء ورقة عمل جاء فيها أن المبادئ التي تدعو إلى التسامح، ونبذ العنف وصيانة النفس الإنسانية والتعايش السلمي بين الأمم والشعوب تعتبر قيما سامية أجمعت عليها البشرية في دأبها نحو ترسيخ روح المودة والمشاركة وقد أضحت اليوم تؤكد على تلك القيم في الوقت الذي كسرت فيه وسائل الاتصال الحديثة أبعاد المكان وجعلت العالم يعيش قرية واحدة.

واعتبرت أن هذه المبادئ وغيرها نجدها اليوم ممثلة في أزهى صورها في رؤية وتوجه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، الذي دعا في أكثر من مناسبة إلى ضرورة إيجاد علاقة حوار وتواصل وتكامل وتفاعل لبناء تحالف للتفاهم والسلام يمكّن من اجتثاث جذور العنف والكراهية وإفشاء ثقافة التسامح والاعتراف بالآخر واحترام قيمه الدينية وخصائصه الثقافية .

وأن على الغرب تحسين وسائل فهمه للحضارات الأخرى وعلى رأسها الحضارة العربية الإسلامية، وتأكيده أن حواراً إنسانياً المخرج الأفضل للأزمة عبر تنظيم مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة يهدف إلى تعزيز التفاهم بين الحضارات وإرساء قواعد التسامح.

وأوضحت أن هذه الدعوة الكريمة من سموه ترقى بالحوار بين الحضارات وتعلي من قيمة التسامح إلى مستوى الضرورة لاعتبارات شتى منها أن الحوار هو الوسيلة الأنجح والأسلوب الأقوم لبناء السلام وإقامة الأسس القوية لعالم يسوده التعايش السلمي بين شعوبه ويحتكم فيه الجميع إلى قواعد القانون الدولي.

ولذلك كان صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله من الرواد في الدعوة إلى نشر قيم التسامح وفي مقدمة من تصدوا لدعاوى الهيمنة الحضارية، كما يشهد التاريخ للقيادة الحكيمة في دولة الإمارات أنها مارست الانفتاح الحضاري على الواقع قبل أن يدعو الآخرون إلى الأخذ به.

وأشارت ورقة المكتب إلى أن الانفتاح الحضاري في البلاد كان البذرة الأولى التي غرسها المغفور له الشيخ زايد رحمه الله وطيب ثراه في أرض الإمارات، حكومة وشعبا، وتعهدها بالرعاية والعناية، وصانها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حتى نمت وصارت جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع ومفردات الحياة اليومية.

ورأت أن هذا التعايش والتآخي على أرض الإمارات كان داعما ومساندا لتجربة البناء والتنمية في الدولة، فبفضل هذا التسامح جاءت مئات الجنسيات والأعراق التي تتحدث لغات مختلفة وتؤمن بديانات مختلفة وتنتمي إلى ثقافات متنوعة لتتعايش وتتعاون معا في ملحمة حضارية قلّ أن توجد في مجتمع آخر.

فعلى أرض الإمارات الطيبة امتزجت الحضارات والثقافات واللغات والعادات والتقاليد وتعايشت الأديان وتعاون البشر من كل الجنسيات في منظومة رائعة من الاحترام المتبادل والانسجام وإعلاء قيمة الإنسان في إطار من العدالة الاجتماعية والإنصاف.

وبعبارة أخرى فإن التسامح والتعايش والانفتاح تحول إلى نهج ثابت وسياسة ممنهجة في إطار مؤسسي لا يرتبط بشخص بعينه أو ظرف بعينه ولا تزول برحيله أو تتبدل بتبدل الأحوال وتغير الوقائع والأزمان.

وأكدت أن الالتقاء والتواصل الثقافي يتجلى بأنصع صوره في الواقع الذي تعيشه دولة الإمارات العربية المتحدة، فهو أفضل تعبير عن القناعات والأفكار الخلاّقة، كما أنه ممحص لمدى الإيمان بالمبادئ والقيم التي تدعو لها البشرية.

ومن جانب آخر، فقد كان التمسك بهوية الذات.

وخصوصيتها الحضارية والسعي إلى مصالحها وحقوقها ومطامحها في التقدم والازدهار والأمن والاستقرار، عوامل شكلت الرؤية الحضارية لصاحب السمو رئيس الدولة وجعلته يسقط الحواجز الوهمية والاعتبارات الشكلية بينه وبين الآخر ويبادر إلى فتح قنوات اتصال عديدة للحوار مع الدول والمجتمعات والثقافات على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

وقالت إن هذا النهج الذي يتبناه سموه ينزع في المقابل إلى رفض الطمس المتعمد لمعالم الثقافات الأخرى بدعوى العولمة، وتنميط الفكر والموروث الإنساني في قالب واحد، يتجاوز الصيغ الأخرى ولا يعترف إلا بلون ثقافي وحضاري واحد يطغى على ما سواه من ثقافات، بل ويستجرّها جميعاً نحو دائرته وإرهاصاته التي لا تعبّر عن وعي الآخر وثقافته بالضرورة.

فالدعوة إلى الانفتاح الحضاري وإعلاء قيمة التسامح عند صاحب السمو رئيس الدولة ليست قفزة في الهواء بلا اتجاه ولا هدف، بل هي حركة مقصودة واعية ومحسوبة ومقدرة سلفاً وموزونة بميزان حساس يوازن بين الثابت والمتغير وبين الأصالة والحداثة وبين الاعتبارات الإقليمية والتطورات الدولية.

وعليه فقد تميز نهج الانفتاح الحضاري الذي حدد ملامحه سموه بالحفاظ على الهوية الوطنية باعتبارها أولوية مطلقة. ولذلك كان حريصاً على أن يميز ما هو نافع عمّا هو ضار في حضارات الآخرين ويأخذ ما هو نافع وينأى بنفسه وبلاده وأمته عما هو ضار.

وحول ما يتعرض له الدين الإسلامي من حملة ظالمة واتهامات باطلة في محاولة لإلصاق تهمة الإرهاب به، وهو ما يتطلب الدفاع عن الإسلام وإنقاذه من هذه الحملات الظالمة وإقامة علاقات يسودها الود والتعاون بين شعوب الحضارات المختلفة يقول صاحب السمو رئيس الدولة:

«علينا الاعتراف أولا بأن العلاقة بين المسلمين والغرب شابها مؤخراً الكثير من اللبس وذلك لأسباب متعلقة في بعضها بمشكلات الداخل العربي الإسلامي وفي معظمها بالمنهج الذي اتخذته الحكومات الغربية للتعامل مع المشكلات والقضايا الإسلامية والعربية الرئيسية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وتوصيف الإرهاب وشن الهجمات لتشويه قيمنا وثقافتنا ونظمنا ومناهجنا.

أدى عدم الفهم هذا إلى نشوء العديد من مراكز التوتر السياسي والثقافي بين الجانبين وظهور بعض الطروحات المتشائمة التي ترى حتمية الصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية وأن العلاقة بينهما ستنتهي حتماً إلى حرب. نحن لسنا من أنصار هذا الرأي وما زلنا نؤمن بأن العلاقة بين الحضارتين ينبغي أن تكون علاقة حوار وتواصل وتكامل وتفاعل»...

واعتبرت ورقة المكتب أن هذا المبدأ يعزز الاعتقاد في أن السياسات المنفتحة الواعية ذات إيجابية أكثر في حياة شعوبها، وحياة الأسرة الدولية، إذ أن هذا النوع من الانفتاح يؤدي إلى زيادة وانتشار المعرفة بين الحضارات المختلفة ويساعد على وضع المبادرات لبناء الثقة وتعزيز التسامح والتعايش السلمي وتنمية الصداقة بين كافة الشعوب، مما يفضي إلى التكامل في المستويات المختلفة للعلاقات الدولية، ويكون ثمرة ذلك بناء شبكة علاقات إنسانية دولية بعيدة عن التحيز والتعصب والتمييز، علاقات تقوم على التعاون والارتقاء بالإنسان أينما وجد.