من أكثر المخالفات التي تخلق مشكلات سلوكية والتي جعلت كثيرا من أولياء الأمور يتوجهون إلى وزارة التربية والمنطقة طالبين وضع حد لها «قضية الاختلاط» والتي تتهاون فيها بعض المدارس الخاصة، فبالرغم من وضوح قانون وزارة التربية والذي يمنع وجود الجنسين معا بعد الصف الرابع الابتدائي إلا أن العديد من المدارس الخاصة لا تلتزم بذلك وتتجاوزه بمراحل، وبعضها يتحايل على الموضوع بمنع الاختلاط في الفصول وتركه في الساحات والحافلات والهدف لدى الغالبية هو التوفير والربح المادي ولدى البعض اعتقاد أو قناعة بأهمية الاختلاط ودوره في بناء شخصية الطالب،فماذا يرى الميدان وأولياء الأمور في هذه القضية؟

نادية مدي نائبة مدير تعليمية أبوظبي لشؤون التعليم الخاص والنوعي ذكرت أن الاختلاط من بين مخالفات المدارس الخاصة والتي تعمل المنطقة على متابعتها واتخاذ الإجراءات القانونية التي حددتها وزارة التربية ضد المدارس المخالفة بدءا بالتنبيه ومن ثم الإنذار وصولا للغرامة وقد يكون الإغلاق في حالة التمادي، وأن المدارس تخالف إما لعدم تفهم اللائحة أو لكونها مدارس فلل وليس لديها سعة مكانية وحتى بالنسبة لمدارس الجاليات فان القانون حدد لها نظاما لحرصه على موضوع الاختلاط،حيث يحق لتلك المدارس عدم الفصل إذا تخطى أعداد جاليتها الـ 80 في المئة من أعداد طلبة المدرسة.

وأضافت مدي أن الفصل مطلوب لأن لكل مرحلة عمرية خصوصيتها التي لابد من مراعاتها كما أن الطلبة بحاجة لضبط سلوكياتهم لأن طالب اليوم مختلف عن الأمس وأشارت إلى أن الاختلاط لم تثبت جدواه حتى لدى الدول الأوروبية ففرنسا وبريطانيا تدرسان الآن الفصل بين الطلبة، وطالبت مدي بضرورة إعادة النظر في القوانين واللوائح لأن هناك حالات من المخالفات تتطلب ردعا من البداية وعقوبة على قدر المخالفة ولا تحتاج للمرور بتلك الإجراءات من التنبيه والإنذار وغيرها وتعديل اللوائح لابد أن يكون في قائمة أولويات المسؤولين في الوزارة.

مراهقة مبكرة

طلال السلومي موجه أول خدمة اجتماعية في وزارة التربية قال إن فترة ما بعد الصف الخامس الابتدائي وخاصة بعد سن العاشرة تبدأ لدى الطلاب من الجنسين مرحلة المراهقة المبكرة والتي تحتم عددا من التغيرات النفسية والجسدية ولهذا يمكن أن نطلق على المرحلة الإعدادية مرحلة المراهقة المبكرة ومن الواجب فيها الفصل بين الجنسين لأسباب عدة أهمها كما يذكر السلومي النضج الجسدي حيث يشعر الفتى والفتاه بنوع من بداية الرجولة والأنوثة على المستوى الجسدي وميل وانجذاب كل جنس للآخر وبالتالي من الخطورة أن نجعل الجنسين معا بسبب عدم النضج والوعي الكافي بالضوابط والتغيرات وكيفية التعامل معها ويمكن أن يقع كثير منهم في الأخطاء السلبية التي تؤثر عليهم مستقبلا.

كما يرى من الأسباب أن الإمكانات الجسدية لكلا الجنسين مختلفة فوجودهما معا لا يعطي المجال لإبراز القدرات والمهارات الكاملة لأن الفتاه تميل إلى الحياء وهذا ما يجعل مشاركتها أمام الطالب ضعيفة مما يساعد على نشوء مشكلات نفسية كالخجل والانطواء وعدم القدرة على التعبير عن الذات، أيضا عدم وجود الخصوصية الطبيعية لكليهما مما يحد التفاعلات الإنسانية ويؤثر سلبا في النمو الطبيعي للفرد.

النمو النفسي

زينب داوود سليمان أخصائية نفسية في منطقة أبوظبي التعليمية أوضحت أن وزارة التربية والتعليم تضع القوانين التي تريد من ورائها مصلحة الطالب ومساعدته على تخطي المشكلات التي تعوق نموه النفسي والأكاديمي لذا فان الناحية النفسية أساسية لتحقيق التكور الصحيح للطالب، وأضافت أن هناك ما يسمى بهرم «ماسلو» الذي يحدد الاحتياجات النفسية للإنسان خاصة الطالب فشعور الطالب بالأمن والأمان مطلب لابد من توفيره له وإلا فانه لن يعطي كل ما لديه في مراحل المراهقة حيث تعد المرحلتان الإعدادية والثانوية من أهم المراحل في حياة الطالب.

وتذكر زينب أن لكل خصوصيته وتساؤلاته ووجود كلا الجنسين معا يمنع السؤال والاستفسار وهذا يؤثر كثيرا على النمو الصحيح ،كما أن هذه السن بحاجة إلى تقدير الذات والنجاح ونجد الاهتمام بالذات أمر واضح فإذا تواجد الجنسان معا فان كلا منهما سيسعى لإثبات ذاته أمام الآخر فنجد الفتاه تهتم أكثر بإبراز جمالها وأنوثتها بينما الفتى يهتم بإبراز قوته وعضلاته ليعجب زميلته مما يخلق لدى الطلاب اهتمامات تطغى على النواحي الدراسية.

أخطر المراحل

أما مروة العباسي مديرة مدرسة الإيمان الخاصة فليس لديها اختلاط سوى في الحافلات المدرسية ولكن بوجود الإشراف من المعلمين والمعلمات، وترى أن الفصل بين الجنسين يرضي الغالبية العظمى من أولياء الأمور، وأن قوانين وزارة التربية بالفصل في سن مبكرة هي الأصح لأنها تتماشى مع ديننا الحنيف.

وأضافت أن فترة البلوغ من أخطر مراحل العمر ولا يمكن التهاون بما يمكن أن يحدث فيها خاصة مع طالب اليوم المنفتح والواعي، والمدرسة مهما فرضت من رقابة فلن تراقب كل طالب وطالبة،وإذا كانت القناعة لدى البعض من منطلق أن الاختلاط سيحدث في الجامعة فان الشاب والفتاه يكونان فيها أكثر وعيا ونضجا وليس لديهم اندفاع وفضول المراهقة.

آمنه الشامسي مديرة مدرسة المنهل الخاصة لا تؤيد الفصل بين الجنسين فقط بل بين الجنس الواحد طبقا للأعمار فلديها في المدرسة جميع المراحل من الجنسين ولكن لديها فصل تام كما انها تجعل أوقات الفسحة للأعمار المختلفة من كل جنس مختلفة خوفا من السلوكيات التسلطية التي يمارسها الكبار على الصغار. مشيرة إلى أنها عمدت إلى تغيير الزي المدرسي هذا العام وجعلته قطعة واحدة شبيها بملابس المدارس الحكومية بدلا من قميص وتنورة لمزيد من الضبط حتى الشكلي للطالبة.

وأضافت أنه لا يمكن التحكم في سلوكيات كم كبير من الطلبة في أعمار المراهقة فهذه مرحلة تعني الفضول والانجذاب كما ان الاختلاط يخالف الدين والتقاليد وترى الشامسي أن طبيعة المباني المدرسية الصغيرة وخاصة الفلل هي أكثر المدارس التي بها اختلاط لمحدودية المساحة، وهناك مدارس تسعى للربحية وتقليل النفقات فتقلل الفصول والمعلمين فتتعمد السماح بالاختلاط، لذا فان وزارة التربية يجب أن تكون أكثر حزما في هذا الموضوع وتضع عقوبات رادعة للمخالفين.

موقف مؤيد

وقالت منى المنصوري مديرة مدرسة الثقافية الخاصة أنها تنفذ الفصل في مدرستها بين الجنسين طبقا للقوانين ولكنها على صعيد تجربتها الشخصية كأم ترى أن للاختلاط ايجابيات لمستها في أبنائها الثلاثة الملتحقين بإحدى مدارس الجاليات وهم يتمتعون بشخصيات ناضجة ومتفهمة للآخر، لأن احتكاك كل طرف مع الآخر يجعله عاديا ويكون التعامل بينهما أبسط وضمن مفهوم الزميل وهذا مفيد لمرحلة ما بعد المدرسة إضافة إلى أنه تأهيل مطلوب في عصرنا الحالي.

وتشير المنصوري إلى أن منع الاختلاط يجعل كل طرف يحاول اكتشاف الآخر والحديث إليه فإذا لم يكن ضمن إطار المدرسة فسيحدث في المولات وبالهواتف فالفتاه تتلقى أرقاما من شباب وهي مع أسرتها من خلال تقنية «البلوتوث» لذا فتربية المنزل مادامت واعية وناضجة والمدرسة لديها تلك القوانين الصارمة والرقابة الجيدة يمكن تحقيق الاختلاط، وأضافت أن التطوير الذي نريده في التعليم ليس على نطاق المناهج فقط بل دراسة شخصية الطالب وحاجاته الاجتماعية والنفسية الجديدة مع العصر الحديث.

تأهب واستنفار

جهاد حجازي مشرف إداري لقسم الطلاب في مدرسة المنهل الخاصة يرى من خلال تجربته في مدارس مختلطة وأخرى منفصلة أن الفصل أفضل لأنه يريح الإدارة بدلا من القلق ومراقبة الطلبة طوال الوقت في الساحات والفصول ودورات المياه، فالاختلاط يتطلب إدارة مدرسية في حالة تأهب واستنفار دائم، ولكن الفصل يضمن انخفاضا كبيرا في المشاكل السلوكية والأخلاقية، وعدم تأثر المستوى الدراسي للطالب، كذلك تراعي من خلاله المدرسة خصوصية كل جنس وأسلوب التعامل الأنسب له والكثير من الطالبات يؤيدن الفصل بينما العكس لدى الذكور فغالبيتهم يفضل الاختلاط،أما أولياء الأمور فالغالبية يرغبون في الفصل.

قصص مشيبة

وتصر أم موزه ولية أمر على رفع شعار «لا للاختلاط» وبقوة من كثرة القصص التي تسمعها عما يحدث في المدارس المختلطة والتي يشيب لها شعر الرأس كما تقول، فابنتها الصغرى تحكي لها عن طلاب يتبادلون القبل مع طالبات في دورات المياه بل ويتلصصون عليهن فيها وتستمع إلى قصص حول علاقات حب وغراميات ولقاءات خارج المدرسة بل رأت أم موزه بعينها عند ذهابها إلى إحدى المدارس لتسجيل ابنتها طالبا يعانق طالبة فخرجت ولم تعد لها،كما تحدثت عن أختها التي سحبت أبناءها من مدرسة خاصة بعد إنهائهم الصف السادس للانفلات الحادث من جراء الاختلاط.

آراء الطلبة

على صعيد الطلبة فالبعض يرفض الاختلاط وهم من الإناث غالبا والبعض الآخر لا يمانع فيه ولكن بشروط تحمي مظهرهم أمام الطرف الآخر فالطالبة فاطمة الزهراء حمزة ترفض فكرة تواجد الطلاب الذكور في المدرسة وهي في مدرسة تفصل بين طلابها لأن تواجد الجنسين معا سيرافقه بعد عن الهدف الأساسي وهو التعليم وسيفسح المجال للقاءات والغراميات التي تحدث الآن بين الطلبة خارج المدرسة رغم الفصل ولكنها بالتأكيد اقل بكثير من لو أن الفرصة متاحة داخل المدرسة مشيرة إلى أن الأمر يعود في النهاية إلى الطالبة وأخلاقها فبإمكانها التعرف على الشباب والخروج معهم مادامت أخلاقها سيئة فالهواتف النقالة والشات عبر الانترنت لم يترك شيئا صعبا اليوم ولكن لابد أن يكون للمدرسة دور في الحد من تلك الظواهر السلوكية.

أما الطالبة عنود راشد تذكر أن الاختلاط ليس من عادات المجتمع الإماراتي، مشيرة إلى أن مشكلتها الوحيدة من عدم الاختلاط أنها تخجل من التعامل مع الجنس الآخر ولكنها مع ذلك ترفض الاختلاط لأنها لن تجد حريتها مع صديقاتها في المدرسة ولن يكون هناك استقرار داخل الفصل وذكرت أن إحدى الطالبات أعطت رقم هاتفها لبعض الطلاب بهدف الإساءة لها مما دفع أسرتها للقدوم للمدرسة والمطالبة بمعاقبة الطالبة وهذا ما يحدث من الطالبات السيئات.

ورأت عنود أن التنشئة الأسرية هي الأساس وأن الطلبة بحاجة لمزيد من الوعي الديني لأن المادة الدينية التي تقدم في المدارس بحاجة إلى تطوير كما أن كمياتها ليست بالكافية لتفيد الطالب في حياته.

بالنسبة للطلاب الذكور فيرى الطالب عامر محمد أن للاختلاط ايجابيات وسلبيات وهو لا يفضل الاختلاط كثيرا لأن الفضول يدفع الطلاب للعديد من السلوكيات ولا يمكن ضمان التزام الجميع، ورغم أنه ليس لديه صديقات من المدرسة ولكنه يحب التعامل والحديث مع الأصدقاء شباب وفتيات عبر الانترنت فهذا أفضل بعيدا عن طالبات المدرسة.

ويذكر الطالب سلطان خميس أن وجود البنات والأولاد في مدرسة واحدة أمر غير مقبول في مجتمع الإمارات ولا يتماشى مع الدين والتقاليد وهو يرفض التواجد في مدرسة مختلطة، حتى أن الفتيات التي تتعامل بحرية وتتعرف على الشباب وباستمرار يتواجدن في المولات لا ينظر لهن أحد على أنهن محترمات مادمن غير ملتزمات في الملابس والسلوكيات لذا فان الأهل هم الأساس في التربية سواء للشاب أو الفتاه.

عالم مفتوح

الطالبة لينا عبد الله لا ترى في الاختلاط مشكلة وأنها كانت في مدرسة مختلطة وأنها اعتادت التعامل مع الجنس الآخر باعتبار طبيعة نشأتها الأسرية فالجميع في المدرسة مجرد أصدقاء ووالدتها تعرفهم وقالت إن التعارف بين الجنسين لم يعد مرهونا بالمدرسة ولا يقتصر على طالب مدرسة خاصة فمجالات التعارف مفتوحة وبوسائل عديدة.

رقابة الأهل مطلوبة وضرورية

أشارت ولية أمر إلى استغلال بعض الطلاب لمستوى أسرهم التعليمي المحدود لفعل ما يشاءون بحجة أن المدرسة الأجنبية طلبت ذلك فاحدى صديقاتها سمحت لبناتها بالخروج مع طلاب من المدرسة في أوقات متأخرة لأن بناتها أقنعنها بذلك حتى باتت تدافع عن أفكارهن. وقالت إن الفتاه دائما تحمل نوايا حسنة في التعامل مع الشاب ولكن الشاب يستغل ذلك فبعض الطلاب قد يهددون فتاه بإحدى الصور لتفعل ما يريدون منها لذا رقابة الأهل مطلوبة وصرامة المدرسة ومنع الاختلاط.

الكثير من القصص ترويها الأمهات حول المناسبات التي تقيمها الطالبات كحفلات أعياد الميلاد وتكون مختلطة ،وأكدن أن الاختلاط ليس رمزا للتطور لأنه حتى في أوروبا يدرسون الفصل بين الجنسين لكم المشاكل والأمراض التي نجمت عن الاختلاط.

الانثى وعبارات الإعجاب

تؤيدها الطالبة حنين فينو وهي تدرك أن كثيرا من الطالبات يلتقين مع طلاب خارج البيت وأن الطالبات يخبئن هواتفهن النقالة لحين الخروج من المدرسة ويتواعدن مع أولاد، ولكن يجب ألا تساهم المدرسة في دعم ذلك السلوك بالسماح بالاختلاط، وقالت ان رفاق السوء أكبر مشكلة في الموضوع «فالصاحب ساحب» كما يقال وأن كثيرا من الطالبات تتغير سلوكياتهن بسبب أخريات لأن الفتاه تبقى لديها غريزة أنها أنثى تحب الظهور والثناء وسماع عبارات الإعجاب وبالتالي يمكن إغراؤها بسهولة.

يقبل ما يرفضه لأخته

أما الطالب سعد حميد فلا يمانع فكرة الاختلاط شرط ألا تكون داخل الفصل لأن الهدف التعليمي سيضيع ولن يكون هناك تركيز من الطلبة على الدرس إضافة إلى أنه من الصعب أن يتعرض الطالب للعقاب أو الخطأ أمام طالبة فلن تكون هناك الخصوصية أو الراحة، ويشير سعد إلى أن له صديقات تربى معهن من الصغر كما أنه رغم قبوله فكرة الاختلاط إلا أنه يرفض أن تدرس أخته في مدرسة مختلطة.

تحقيق: لبنى أنور