يعكف علماء المسلمين منذ الصدر الأول للإسلام على بيان ما اشتمل عليه القرآن الكريم من حقائق إلهية وكونية، وما يرشد إليه من معارف وعلوم، بدأ ذلك في المسجد النبوي والمسجد الحرام على أيدي الصحابة، ثم تلاميذهم من التابعين، وكذلك حذا حذوهم علماء الصحابة الذين رحلوا إلى الأمصار الأخرى في العراق والشام ومصر وسائر بلاد المسلمين، وكان المسجد ساحة الدرس، واتسعت المعارف التي تدور حول القرآن حتى يمكن أن يقال إن كل ما نشأ من علوم اللغة والبيان والتفسير والعقيدة وسواها كان الهدف منه خدمة ذلك الكتاب وبيان أسراره.

فالأمثال لون من هذا البيان، الذي نضج في تراثهم، المثل السائر في كلام العرب كثير نظما ونثرا، وأفضله أوجزه وأحكمه أصدقه، وهي ضروب من الأقوال الفنية البليغة المتضمنة للحكم التي عبرت عن أوضاع اجتماعية أو نفسية أو فكرية أو سلوكية، فلذلك كانت أكثر جريانا على ألسنة الناس، فقالوا: مثل شرود وشارد أي سائر لا يرد كالجمل الصعب الشارد، ففيها الحكم والعبر والمواعظ والتوجيه والإرشاد، ومقارنة الأشباه والنظائر، واستحضار المعنوي بالمحسوس، والغائب بالحاضر، وإفحام الخصم والمعاند، ولهذا السبب كانت الأمثال الموجزة كثيرة في كلام الأنبياء والحكماء، وفي الشعر والخطب، يستحضرها القوم في المناسبات والمنتديات والأسواق الأدبية، تبرز نمط الحياة، وأذواق الناس، وطريقة تفكيرهم.

تأثير فعلي

وإذا كان للأمثال هذا القدر الكبير من التأثير في حياة الناس تفكيرا وسلوكا وأخلاقاً ومعاملات فإن كتاب الله أولى باستعمالها من أجل الموعظة والتوجيه والاعتبار، لأن رسالة الإسلام جاءت من أجل إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وكل وسيلة تبلغ الإنسان إلى هذه الغاية كان كتاب الله يستعملها.

ويعد علم أمثال القرآن من أعظم تلك العلوم التي نشأت في رحاب القرآن الكريم، فهو بابٌ عظيم من معارف القرآن، حيث اشتمل على كثير من الأمثال والمثل وهو بالتحريك مأخوذ من المثول وهو الانتصاب، ومنه قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ـ من أحبّ أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار»، ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن المشتمل، إما على تشبيه بلا شبيه أو استعارة رائعة تمثيلية وغيرها أو حكمة أو موعظة نافعة أو كناية بديعة أو نظم من جوامع الكلم الموجز، فالمثل يدل على مناظرة الشيء للشيء، فإذا قيل: هذا مثل هذا أي نظيره، معنى الضرب للمثل: ضرب الله سبحانه وتعالى لعباده الأمثال.

حيث قال في كتابه العزيز: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ»، وكذلك ضرب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته المثال، وضرب الحكماء والعلماء والأدباء الأمثال. فالحقائق السامية في معانيها وأهدافها تأخذ صورتها الرائعة إذا صيغت في قالب حسن يقربها إلى الافهام بقياسها على المعلوم اليقيني، والتمثيل هو القالب الذي يبرز المعاني في صورة حية تستقر في الأذهان.

وذلك مثل تشبيه الغائب بالحاضر، والمعقول بالمحسوس، وقيام النظير على النظير، وكم من معنى جميل أكسبه التمثيل روعة وجمالاً، فكان ذلك أدعى لتقبل النفس له، واقتناع العقل به، وهو من أساليب القرآن الكريم في ضروب بيانه ونواحي إعجازه، ومن العلماء من أفرد الأمثال في القرآن بالتأليف، ومنهم من عقد لها بابا في كتاب من كتبه، فأفردها بالتأليف أبو الحسن الماوردي، وعقد لها باباً السيوطي في الإتقان، وابن القيم في كتاب إعلام الموقعين حيث تتبع أمثال القرآن التي تضمنت تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم فبلغت بضعة وأربعين مثلا.

أربعة أقوال

وعلى حسب علماء اللغة، ان ضرب المثل فيه أربعة أقوال، أولهم: إنه مشتق من الضرب كالقول بضرب الأرض، أي سار فيها، ومعني ضرب المثل هنا أي جعله ينتشر ويذيع ويسير في البلاد، وثانيهم: معنى «ضرب المثل» أي نصبه للناس بإشهاره لتستدل عليه خواطرهم، كما تستدل عيونهم على الأشياء المنصوبة واشتقاقه حينئذ من قولهم «ضربت الخباء» إذا نصبته، ثالثهم، يفهم من ضرب المثل صنعه وإنشاؤه، فيكون مشتقاً من ضرب اللِّبن وضرب الخاتم.

رابعهم: إبقاء شيء على شيء ومنه ضرب الدراهم، أي إيقاع النموذج الذي به الصك على الدراهم لتنطبع به، فكأن المثل مطابق للحالة، أي للصفة التي جاء لإيضاحها.

وموضوع المثل في القرآن هو التمثيل القياسي الذي تعرض له علماء البلاغة في علم البيان، وهو عقد مماثلة بين أمرين أو أكثر قُصد اشتراكهما في صفةٍ أو أكثر بأداة لغرض يقصده المتكلم، أو تمثيل حال أمر بحال أمر آخر، وهو قائم بالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، فهو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه، وقد ذكروا له أركانا، وتتمثل في المشبَّه، وهو ذلك الأمر الذي يراد إلحاقه بغيره فمثلاً قولك لزيد أنت كالأسد فـ «أنت» هو المشبّه.

والمشبَّه به، وهو الأمر الذي يلحق به المشبّه وهو الأسد، وهذان الركنان يسميان بطرفي التشبيه، ثم يأتي الركن الثالث المتمثل في وجه الشبه، أو الوصف المشترك بين الطرفين، ويكون في المشبه به أقوى منه في المشبه، وهو الشجاعة فعند الأسد أقوى بالطبع أي المشبه به، والركن الرابع في التشبيه أداته، وهو ذلك اللفظ الذي يدل على التشبيه، ويربط المشبَّه بالمشبَّه به، وقد تذكر الأداة في التشبيه كالكاف في مثالنا المذكور، وقد تحذف كما لو قلت، «أنت أسد».

فوائد الأمثال

ولضرب الأمثلة في القرآن الكريم فوائد جمة نبه إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله «إن القرآن نزل على خمسة أوجه، حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام وابتغوا المحكم وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال»، كذلك معرفة أمثال القرآن الكريم من الأمور التي أوجب الشافعي على المجتهد معرفتها من علوم القرآن، فقد نقل عنه الزركشي قوله: «ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوال على طاعته المثبتة لاجتناب معصيته.

وترك الغفلة عن الحفظ والازدياد من نوافل الفضل»، فإن حكمة الله اقتضت ضرب الأمثال للناس لما في المثل من إبراز المعنى في صورة حسية تكسبه روعة وجمالاً، كما أنه يخرج اللفظ الخفي إلى الجلي ويدني البعيد من القريب ويزيد المعاني رفعة ووضوحاً، ويكسبها جمالاً وفضلاً ويكسوها شرفاً ونبلاً، فإن حقائق ما وراء الغيب تحتاج إلى تقريب للذهن ولا تقرّب إلا بالأمثلة التي تبرز المعقول في صورة المحسوس ليلمسه الناس فيتقبلوه، فالمعاني المعقولة لا تستقر في الذهن إلا إذا صيغت في صورة حسية قريبة إلى الذهن، وبهذه الأمثال تكون الحقائق واضحة وجلية.

وكذلك تكشف الأمثال القرآنية عن الحقائق وتعرض الغائب في معرض الحاضر، كما في قوله سبحانه وتعالى: «الَّذِينَ يأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يقُومُ الَّذِي يتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ» وهذه حقيقة آكل الربا، وكما في قوله سبحانه: «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق» ـ الأنبياء ـ فكأن الحق، وهو معنى مجرد ولعظم شأنه قذيفة ثقيلة ترمي على الباطل الهش الواهي فيرديه جثة هامدة.

وقد استخدمت في هذا المشهد العظيم صورة الصراع الأزلي بين الحق والباطل. علماء التفسير اتفقوا على أن قوة أثر الأمثال القرآنية ترتبت على ارتباطها بالمجتمع في معتقداته وتفكيره وأخلاقه وسلوكه وعاداته وتقاليده من أجل إصلاح الأفراد، وتوجيههم إلى سبيل الخير، فقبحت الكفر والعصيان والضلال، وزينت الإيمان والتقوى، ودعت إلى الاستقامة والعمل الصالح، وأن هذه الأمثال تهدف إلى الترغيب في الممثل به.

ويتضح ذلك جليا في قوله ـ عز وجل ـ : «مَّثَلُ الَّذِينَ ينفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يضَاعِفُ لِمَن يشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم» ـ البقرة ـ وكذلك قوله سبحانه وتعالى مرغباً في الكلمة الطيبة: «أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيبَة كَشَجَرةٍ طَيبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُها في السَّماء».

وفي المقابل، تؤكد هذه الأمثال على استقباح صفة في الممثل به، كقوله تعالى في ذم أحد علماء بني إسرائيل لمعارضته رسول الله موسى عليه السلام «واتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آياتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيهِ يلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتنا» وأنه في أحيان كثيرة تأتي هذه الأمثال لتكون أبلغ في الوعظ وأقوى في الزجر وأقوم في الإقناع وأوقع في النفس، فإنك عندما تعظ.

وتريد أن تكون موعظتك بليغة فإنك تستخدم مثالاً ليكون أبلغ في الوعظ وأوقع في النفس، فتقول لمن أردت زجر من يتعاطي المعاصي ويقيم عليها لا تكن كالبهيمة، وفي ذلك يقول رب السماوات والأرض زاجراً: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يسْمَعُونَ أَوْ يعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سبيلا»، وقوله أيضا: «وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيمَانَكُمْ دَخَلاً بَينَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِي أَرْبَي مِنْ أُمَّة».