عندما اتصلت به والدته هاتفياً وقالت له إنها بلغت من العمر 70 عاماً وأخاف أن أموت دون أن أراك أحس بخوف شديد من أن يقع لها مكروه دون أن يراها، لذا ما كادت والدته تنهي مكالمتها معه حتى بدأ «ج» يحضر أوراقه وصور جواز سفره، وفي الصباح الباكر ذهب إلى دائرة الهجرة والجوازات ليستخرج لوالدته تأشيرة زيارة. ولم يمض وقت طويل حتى وجدت السيدة العجوز نفسها وجهاً لوجه مع ابنها «ج»، تحسست السيدة العجوز وجه ابنها وشعره حتى تعرفه أكثر فقد أخذت السنين جزءاً كبيراً من نور عينيها فلم تعد تر إلا القليل.

أحست السيدة العجوز بفرحة كبيرة بلقاء ابنها الذي لم تره منذ سنين، ولقد زاد من فرحتها استقبال زوجة ابنها الحار لها ومما أضفى على السيدة العجوز سعادة غامرة انها رأت لأول مرة حفيدتيها حيث تبلغ الأولى من العمر (11) عاماً فيما تبلغ الثانية (7) أعوام.

مرت الأيام جميلة على أسرة «ج» الذي أحس بأن والدته قد كبرت كثيراً وتقدم بها العمر لذا قرر أن يقضي معها أطول وقت ممكن وأن يقدم لها كل ما تشتهي نفسها وتريد فهذه الأيام القليلة من السعادة والهناء لا أحد يعرف كم ستدوم.

كان «ج» يستغل عطلة نهاية الأسبوع ليذهب مع زوجته ووالدته وابنتيه إلى كل مكان تستطيع سيارته القديمة أن تصل إليه وهكذا ذهبت عائلة «ج» إلى معظم المدن والمناطق، وأحست السيدة العجوز بسعادة كبيرة وكذلك «ج» وزوجته وابنتاه ومما زاد الفتاتان سعادة هو أن الجدة لم تبخل عليهما بقصص ما قبل النوم فقد تعودت الفتاتان بعد أن تنهيا واجباتهما المدرسية أن تتكئا في سرير الجدة لتحكي لهما نصف حكاية ثم تغفو قليلاً لتقوم وتكمل لهما بقية الحكاية، وهكذا أضفت الجدة على البيت سعادة كبيرة وأحس «ج» رغم حالته المادية البسيطة انه يمتلك الدنيا بأكملها.

رحلة.. العذاب

وفي أحد أيام نهاية الأسبوع ذهب «ج» مع أسرته إلى مدينة بعيدة عن المدينة التي يعيش فيها كان الهدف من هذه الرحلة هو أن يزور حديقة الحيوانات، خرجت الأسرة باتجاه المدينة التي تحتضن حديقة الحيوانات وبعد عدة ساعات وصلت الأسرة إلى وجهتها فقد كانت السيارة قديمة وغير قادرة على قطع مثل هذه المسافة بدون مشاكل، استقبلتهم المدينة التي فيها الحديقة بشوارعها الجميلة الواسعة ونوافير المياه التي تكاد تصل إلى عنان السماء، وبعد وصول المدينة ذهبت الأسرة إلى أحد المطاعم حيث تناولوا الطعام وبعدها انطلقوا إلى حيث حديقة الحيوانات، كانت الأجواء في الحديقة أكثر من رائعة فكل شيء يبدو جميلاً ومرتباً ولأول مرة ترى الجدة وحفيدتاها الفيلة والأسود والقرود والزرافات.

انسجمت الأسرة كثيراً بما حولها حتى انها نسيت أنها تأخرت عن موعد عودتها إلى بيتها، في عجلة لملمت الأسرة حاجياتها وانطلق الجميع إلى السيارة مودعين الحديقة وما فيها من حيوانات وأشجار في الوقت الذي كانت فيه الشمس تودع نهار يوم جميل تمنت العائلة لو أنه استمر، انطلقت السيارة إلى حيث وجهتها وبعد أن قطعت نحو (60) كيلو متراً انفجر الإطار الخلفي لها، وحاول «ج» أن يبدل الإطار التالف بالإطار الاحتياطي الذي معه لكنه وجده بحاجة إلى هواء.

بدأ الليل يجر ذيوله شيئاً فشيئاً على المكان وعلى الأسرة، وحاول «ج» أن يجد حلاً لما هو فيه لكنه لم يتمكن، حاول إيقاف السيارات المارة إلا أن أحداً لم يقف له لذا قرر الجميع أن يناموا في السيارة حتى الصباح لعل الفجر يأتي بيوم جميل جلس الجميع في السيارة محاولين النوم وفعلاً نامت الجدة والفتاتان، أما «ج» وزوجته فقد بقيا ساهرين وكأنهما يحرسان السيارة ومن فيها.

استمر «ج» وزوجته لأكثر من ثلاث ساعات على هذا الحال وأخيراً توقفت سيارة لاندكروزر بيضاء بجانبهما ونزل منها شابان عارضين مساعدتهما، ولكن بعد أن عرفا المشكلة اعتذرا لـ (ج) حيث إن الإطار الاحتياطي الذي معهما هو لسيارة لاندكروزر ولا يمكن تركيبه على سيارة (ج). عندها عرض الشابان على (ج) نقل أسرته إلى حيث تريد، وافق (ج) وهكذا استقلت والدة (ج) وزوجته وابنتاه سيارة الشابين فيما بقي (ج) بجانب سيارته، انطلقت سيارة اللاندكروز مسرعة نحو المدينة كانت أضواء الشوارع تتلألأ أمام الجميع وفجأة خفتت الأنوار حتى بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً وذلك لأن سيارة اللاندكروزر لم تستمر في طريقها على الشارع العام بل دخلت إلى الصحراء حيث الوحشة والظلام.

حاولت زوجة (ج) أن تعترض على دخول السيارة إلى الصحراء لكن أحداً لم يسمع لها، بعد أن وصلت السيارة إلى نقطة بعيدة داخل الصحراء توقفت فجأة حيث نزل السائق وطلب من العجوز النزول، خافت السيدة العجوز وقالت كيف أنزل في هذه البقعة الموحشة وحدي، فقال لها أحد الشباب بلغة الأمر انزلي وإلا كسرت رأسك فما كان من العجوز إلا أن تشبثت بحفيدتيها وزوجة ابنها لعلها تجد فيهن الحماية، فما كان من الشاب إلا ان اقترب من السيدة العجوز ولطمها على وجهها ثم أمسك بردائها وسحبها منه بقوة، وقذف بها إلى خارج السيارة. ما كادت العجوز تلامس الأرض حتى عاد الشاب إلى مقود السيارة وانطلق بها من جديد بسرعة كبيرة داخل الصحراء مخلفاً وراءه عاصفة رملية كبيرة وسط صراخ البنتين وأمهما.

وعندما تزايد الصراخ توقف سائق السيارة وأطفأ الأنوار وطلب من البنتين وأمهما أن ينزلن، حاولت الأم أن تحمي ابنتيها من هذه الورطة إلا أن يداً لا ترحم سقطت على وجهها جعلتها تنزل من السيارة والدماء تنزل من أنفها، أخذ أحد الشابين الأم فيما أخذ الشاب الثاني ابنتها الكبرى التي تبلغ من العمر 11 عاماً وبعد معركة غير متكافئة بين الجلاد والضحية قام الشابان باغتصاب المرأة وابنتها وكانت البنت الصغيرة التي لا يزيد عمرها عن 7 سنوات ترتجف من الخوف وهي تشاهد ما يحدث لأمها وأختها وتسمع صراخهما الذي كان يزلزل سكون الصحراء.

حاولت الصغيرة أن تهرب إلا أنها لم تجد مكاناً تهرب إليه، فقد كانت الصحراء موحشة ويسودها الظلام ذهبت الصغيرة إلى أمها تحاول تلمس الأمان عندها فما كان من أحد الشابين إلا أن أخذها وقام باغتصابها، كرر الشابان اغتصاب السيدة وابنتيها عدة مرات، ثم تركاهن في هذا الوضع المزري وسط الصحراء وعادا إلى الطريق العام.

الشرطة تمسح الصحراء بحثاً

في هذه الأثناء كان (ج) قد ترك سيارته واستقل سيارة عابرة أخذته إلى حيث بيته، لكن المفاجأة غير السارة التي قابلته هي أنه لم يجد أسرته، بدأت الشكوك تطرق رأسه وتهزه بعمق وأخيراً قام بإبلاغ الشرطة بما حدث طالباً منهم البحث عن أسرته معطياً لرجال الأمن أوصاف السيارة التي أقلت والدته وابنتيه وزوجته.

وما كادت الشرطة تتلقى البلاغ حتى بدأت في كل اتجاه وخصوصاً في الصحراء والمزارع، واستمر البحث طويلاً حتى عصر اليوم الثاني، وأخيراً عثرت إحدى الدوريات على السيدة العجوز حيث وجدت متكورة على نفسها وقد أسلمت روحها لله، وقد تبين من التقرير الطبي أنها ماتت بسبب نزيف في الدماغ اثر ارتطامها بالأرض أو بشيء صلب.

زادت جهود الشرطة بحثاً عن الأم وابنتيها وأخيراً عثر عليهن في داخل الصحراء.

تم نقل الأم وابنتيها إلى المستشفى، حيث تبين أن البنت الصغرى قد توفيت نتيجة لنزيف حاد اثر تعرضها للاغتصاب فيما أدخلت الأم وابنتها الكبرى إلى غرفة العناية المركزة، وبعد أن تعافتا بعض الشيء أخبرتا الشرطة بما حدث لهن، نشطت الشرطة بشكل كبير وغير مسبوق بحثاً عن الشابين المجرمين، وكان الأمل الذي تعلقت به الشرطة هي المعلومة التي لديها عن نوع السيارة ولونها، وجندت الشرطة جميع إمكانياتها حيث كانت توقفت جميع السيارات التي تحمل نفس المواصفات من حيث اللون والنوع إلا أن أياً من أصحابها لم يثبت تورطه في هذه الجريمة فعند عرضه على المرأة وابنتها كانت تقران بأنه ليس أحد الشخصين اللذين اعتديا عليهما.

ورغم مرور ثلاثة أشهر على الحادث إلا أن الشرطة لم تتوقف عن البحث فقد رأت الأجهزة الأمنية أن الوصول إلى هذين المجرمين هدف لا يمكن التنازل عنه، وفي أحد الأيام جاءت معلومة من أحد المخبرين السريين تؤكد بأنه شاهد سيارة تحمل نفس أوصاف السيارة المطلوبة متوقفة بجانب بيت شعبي ومغطاة بقطعة من القماش، وعند التحري عرف المخبر بأن السيارة لم تتحرك من مكانها منذ نحو ثلاثة أشهر، أي نفس المدة التي وقعت فيها الجريمة، تم استأذن النيابة لمداهمة المكان الذي فيه السيارة وعند معاينة السيارة تبين أنها تحمل نفس اللون ونفس الطراز، تم أخذ البصمات الموجودة على كل مكان في السيارة وتبين أنها تحمل بصمات الأم وابنتيها والسيدة العجوز. وعليه تم اعتقال صاحب السيارة الذي اعترف بجريمته ودل على زميله الذي كان شاركه جريمته.

في المحكمة وقفا خلف القضبان يسمعان القاضي وهو يصدر حكمه عليهما بالسجن (15) عاماً لكل منهما، بعد ان سمعا الحكم جلسا يذرفان دموعا باردة من عيون وقحة.

إعداد أحمد سلطان