المسلم الذي يبحث عن السعادة عندما يختلط بالناس ويصبر على أذاهم ويقدم الخير لهم فقد جاء في الحديث الشريف: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.

فالعزلة مصدر تعاسة، وان الكآبة والتوتر والتعاسة تختفي حينما يلتحم بأسرته والناس ويقدم شيئا من الخدمات لهم فيصير بالاختلاط النفع والانتفاع، فالانتفاع بالناس يكون في الكسب والمعاملة، وأما النفع، فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ببدنه، فينهض لقضاء حوائجهم ومن قدر عليها مع القيام بحدود الشرع فهي أفضل من العزلة.

يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.. الحديث كما يحدث بالاختلاط الإيناس والاستئناس، فالمسلم يجد أنساً عندما يختلط بالصالحين المتقين يسمع منهم ويعرف عنهم ما يبصره بأمر دينه ودنياه وهو الذي يحرص على أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين وحكاية أحوال القلب والاهتداء إلى الرشد ففي ذلك متنفس للنفس كي تعبر عما يسعدها أو يكون سببا في تعاستها .

وهذا نوع من الاستئناس يحدث في بعض أوقات الليل أو النهار، كما ان الذي يخالط الناس في أفراحهم وأتراحهم يشعر براحة نفسية لا مثيل لها وينال الأجر من الله تعالى:

كحضوره الجنائز، وعيادة المرضى وحضور الجمعة والجماعات وتلبية الدعوات الأمر الذي يدخل السرور على الآخرين، والمسلم الذي يفعل كل ذلك يفتح الباب للناس لتعوده أو ليعزوه في المصائب أو يهنئوه على النعم وان التواضع والمخالطة لا تنقص من منصب من هو متكبر بعلمه أو جاهه.

ولننظر إلى الإمام علي رضي الله عنه فكان يحمل التمر والملح في ثوبه ويده ويقول: لا ينقص الكامل من كماله: ما جر من نفع إلى عياله وكان المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه يشتري الشيء ويحمله بنفسه إلى بيته فيقول له صاحبه أعطني أحمله فيقول صاحب الشيء أحق بحمله.

إن مخالطة أهل الخير فيها الخير والفلاح والسداد والسعادة، كما أن الصبر على رعونات بعض الناس وتخرصاتهم فيه الأجر والثواب ومن نماذج ذلك الصبر ما رواه الشيخان من أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم قسمة كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله عز وجل.

وبلغت تلك القالة الظالمة مسامع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه وتغير وجهه وغضب، ثم قال: قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر. فذهب الغضب وهدأت النفس الكريمة السمحة الصفوح للرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الصبر على أذى الناس.

والمسلم العاقل إذا تعرض للإيذاء من قبل أحد زملائه في العمل لا يغضب ولا يضجر بل عليه أن يصبر وينصح ويوجه في رفق ولا يقابل السيئة بالسيئة بل يقابل السيئة بالحسنة وعندها سيجني الخير. قال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو خط عظيم) «فصلت 34 ,35».

وكذلك الحال بالنسبة للزوج الذي يصبر على زوجته إذا كانت سليطة اللسان وتؤذي زوجها بالقول إذا تأخر في شراء الأشياء التي تطلبها لضيق ذات اليد، يروى أحد الصالحين تزوج من امرأة وتبين أنها سليطة اللسان فأشار عليه أحد الأصحاب أن يطلقها، فكان رده إني لا أجد من يتحمل أذاها غيري ورفض طلاقها.

فالمسلم العاقل لا تنقصه اللباقة في تآلف الناس ومداراتهم واتقاء شرهم، فالمؤمن كيس فطن في مخالطة الناس ذكي لبق في مخاطبتهم فلا يحسون منه جفوة ولا يلمسون فظاظة أو غلظة.

وهذا ما جاء به الهدي النبوي الكريم فيما يرويه الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضى الله عنها من أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إئذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول، فقال أي عائشة: إن من شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه .

حامد واكد