عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

هذا الحديث الشريف من جوامع الكلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوى اتجاهات أخلاقية واجتماعية وفكرية نبيلة الهدف عظيمة الخير.. فهي تربط الأخلاق بالإيمان، وتمازج بين العقيدة والعمل، وتعمق علاقة الدنيا بالآخرة.

فتنفيس كروب الناس وإزالة همومهم، والتيسير على الناس وتوسيع مواردهم، والستر على الناس وإظهار محاسنهم، والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، هذه القضايا لو أحسن الناس إدراكها وتواصوا بها وجعلوها دستورا لسعدوا السعادة الكبرى وغنموا الغنيمة العظمى وعاشوا عباد الله إخواناً.

إن المدخل لكل هذه القضايا هو الإيمان بالله واليوم الآخر، فمتى أيقن الإنسان بأن الله تعالى هو الخالق البارئ المصور، وأن الله سبحانه هو الرزاق المدبر الحكيم، جعلنا مستخلفين في نعمه وأمرنا بحسن الانتفاع بها، ووعد وأوعد في ميقات معلوم يحشر فيه الأولين والآخرين ولا يظلم ربك أحداً، متى أيقن الإنسان بكل ذلك تتداعى على يديه سائر ألوان الخير، وتتواصل كل أنواع المعروف، وتكون كل الطاقات مباركة عمارة للدنيا وزاداً للآخرة.

قال تعالى: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين». ولعل حكمة بالغة تتجلى في البيان القرآني حين ربط تسابق الخيرات بالمرجع إلى الله وموقف الحساب والجزاء في اليوم الآخر فقال جل شأنه: «فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير» وقال جل جلاله: «فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تختلفون».

ففي الفقرة الأولى للحديث الشريف:«من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».

فالتنفيس في الأصل من تنفيس الخناق وهو الحبل الذي يخنق به، أي إرجاء الخناق حتى يأخذ المخنوق نفساً.

والمراد هنا محاولة الإنسان تفريج الكروب عن أخيه، وإزاحة الهموم من حوله، ومساعدته في تجاوز المحنة وعبور الشدة حتى ينشرح صدره ويهدأ باله وتطمئن نفسه.

ويتحقق ذلك بأن يقف المرء مع أخيه يتكفل به وينصره وينصح له في كافة أنواع الكروب وألوان الشدة .

إن كرب الإنسان قد يكون نتيجة ضيق ذات اليد فيمنحه أخوه ما يساعده ويحقق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له».

وقد يكون الكرب بسبب مرض أقعد الإنسان فيأتي أخوه ويؤنس وحشته ويفرج كربته بعيادة المريض والدعاء له ومساعدته في العلاج ومعرفة الدواء وتذكيره بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا صب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه».

وقد يكون الكرب نتيجة حيرة حول فتوى، وقلق حول موقف يحتاج إلى رأي الدين فيأتي العالم ليزيح الحيرة ويذهب القلق ويمنح الإنسان هدوء، العقل والقلب واطمئنان النفس والضمير، فإن الفتوى الصحيحة من أهل الذكر يترتب عليها مصالح العباد وتمنح الناس الأمان النفسي وتوقظ فيهم الأمل الشريف، وصدق الله حيث يقول: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».

وقد يكون الكرب نتيجة انتظار غائب أو تطلع لمستقبل أو توقع لحدث فيأتي المرء لأخيه بالبشارة أو بالرسالة المطمئنة أو يقول له كلمة طيبة تشرح صدره.

رجاء علي