جاء فاعل خير إلى الأم الأرملة التي تسكن منزلاً وسط حي سكني شعبي ونصحها بأن تجبر ابنها على الزواج باعتبار أن ذلك هو الحل الأمثل لإقناعه بالابتعاد عن أصدقاء السوء.
راقت الفكرة للأم التي تعذبت كثيراً جراء إدمان ابنها للخمر وحاولت مرات ومرات أن تظفر به وهو غير مخمور لكنها كانت دائماً تفشل.
وذات ليلة عاد هو مبكراً وبكامل وعيه ففرحت الأم.. قالت له تداعبه ـ شو فيك اليوم حالك غير؟
ـ لقد توفي أحد «الربع» في حادث فحرمنا من الاستمتاع بالليالي الجميلة.
ـ ما دمت جئت مبكراً شو رأيك تتناول العشاء مع أمك.
ـ بصراحة أنا لا أعرف الأكل من غير «الربع» فلا داعي بأن تزعجي نفسك.
ـ نظرت الأم إلى الأرض ثم رفعت رأسها:
ـ أنت أعلم بأنه منذ أن توفي والدك لم يعد لدينا مصدر دخل سوى الجمعيات الخيرية التي أتردد عليها نهاية كل شهر لجلب الأكل وقليل من النقود التي لا تكفي إلا لسد نفقات الكهرباء والماء والأغراض البسيطة. وأنت ترفض أن تبحث عن عمل لأن شلة السوء تأخذ كل وقتك وتدمر حياتك.
ـ أمي من فضلك لا تظلمي «الربع» هم أناس طيبون وقد ساعدوني في البحث عن العمل لكن الأمر يحتاج إلى «الواسطة».
ـ يا ولدي ذلك ليس هو المهم وإنما الذي أطلبه منك هو أن توافق على الزواج لأنني في حاجة لامرأة تكون معي في المنزل بل أريد أطفالاً أشغل بهم وقت فراغي بدلاً من أن أكون مسجونة لوحدي بين الجدران. ضحك وقال:
ـ أمي أنت تقولين نحن أسرة فقيرة وليس لدينا شيء فكيف تطلبي مني الزواج؟
ـ المشكلة محلولة تماماً فصندوق الزواج ينظم الأعراس الجماعية التي تمنح المعاريس كل ما هو ضروري لبناء أسرة سعيدة مثل الأموال وحتى «البشوت» التي يرتديها العريس يوم الفرح.
ـ زين أعطيني الفرصة لأفكر.
ـ في ماذا تفكر يا ولدي؟
ـ طبعاً في العروس.. أم أن الصندوق يوفرها لنا؟
ـ بصراحة العروس مضمونة فالعديد من البنات فاتهن قطار الزواج وهن الآن في انتظار كل من يطرق أبواب منازلهن طالباً أياديهن.
ـ أمي توكلي على الله واسألي عن العروس وأنا موافق.
فرحت الأم فرحاً شديداً أجبره على البكاء، فقامت إلى ابنها وضمته إلى صدرها وقالت له:
ـ بارك الله فيك ويحفظك من أصدقاء السوء.
انشغل الابن باتصال هاتفي فاستأذن أمه بالخروج، حاولت اقناعه بأن الوقت متأخر من الليل ولا داعي للخروج، لكنه رفض، فالأصدقاء ينتظرونه في سيارة خارج المنزل.
لم تجد الأم من ملاذ سوى أن تعود لأحزانها، وقالت لنفسها:
ـ لا شيء ينقذ ابني من هؤلاء الملعونين سوى الزواج، لذلك لن أتركه لهم، سوف أسعى بكل ما عندي من عزيمة لأدخله عش الزوجية ليرتاح منهم.
وفي اليوم التالي ارتدت الأم عباءتها السوداء ووارت وجهها بالنقاب، ثم خرجت تطرق أبواب البيوت باحثة عن عروس لابنها، لكن طلبها كان يقابل دائماً بالرفض الشديد، لأن سمعة ابنها كانت غير محمودة بين الجميع. وفي مرات عديدة كانت تواجه هي شخصياً بالطرد من المنازل، لأن بعض أهل الحي اعتبروا مجيئها إليهم من أجل زواج ابنها من بناتهم هو ضرب من الإساءة الاجتماعية.
وذات مرة قالت امرأة اشتاطت غضباً منها:
ـ أكيد سمعتي شيئاً غير محمود على بناتي، لذلك جئت تطلبين واحدة منهن لتكون زوجة لإبنك المخمور.
ـ لم أسمع إلا الخير عنكم، لماذا أنتم هكذا؟ ردت عليها الأم وهي حزينة.
ـ إذن لا داعي لمزيد من الكلام فاخرجي من هنا ولا نرغب في أن نراك مرة أخرى، وإذا أردت الأكل فسوف نرسله لك مع البشكارة.
ـ عادت الأم وهي في حالة نفسية سيئة والدموع تنهمر من عينها فدخلت غرفة ابنها فوجدته غارقاً في النوم لا يعي ماذا يجري حوله. فأثرت ألا تزعجه وأغلقت الباب بهدوء ثم انصرفت وجلست في صالة المنزل تحدث نفسها.
ـ ماذا حدث لأهل الدنيا. لماذا هم هكذا، لا يتعاملون مع الفقراء والمساكين بصراحة هم يستاهلون أن تصبح بناتهم عوانس، الله يستر عليهم من نتائج تلك العنوسة.
فجأة تذكرت الأم رجلاً كفيفاً لديه مجموعة من البنات، ولا أحد يريد أن يتزوجهن لأن حالة الأسرة لا تغري الشباب، راحت تفكر في بناته قالت:
ـ ربما يقبل تزويج احدى بناته لابني.
ارتدت ملابسها وخرجت من منزلها قاصدة منزل الرجل الكفيف، دخلت على أمهن وشرحت لها هدفها من الزيارة.
حددت الأم واحدة من البنات لم يتردد الكفيف في إبداء موافقته
قالت الأم للرجل الكفيف:
ـ لا أخفيكم سراً ان ابني فيه من العيوب ما يكفي وقد أردت أن أجعل من زواجه علاجاً له من أفعاله السيئة.
طيب سوف نسعى معك لإصلاحه ونسأل الله أن يوفقنا في ذلك، هذا كان رد الرجل الكفيف عليها.
غادرت المرأة منزل الرجل الكفيف وهي مسرورة وتوجهت في سيارة أجرة إلى مكاتب صندوق الزواج. وسجلت ابنها ضمن الدفعة الجديدة للمشاركين في العرس الجماعي لكن المسؤول طلب حضور ابنها لاستكمال بعض الإجراءات المهمة.
توسلت له أن تقوم هي نيابة عنه مدعية أنه مسافر ولا يعود إلا بعد أيام وهي تخشى أن يفوته العرس الجماعي، طمأنها المسؤول بأن الفرصة ستبقى محفوظة له مهما تأخر.
جاءت الأم لابنها واجتهدت في إيقاظه من النوم، وتوسلت إليه الذهاب إلى صندوق الزواج وقالت له:
ـ لقد وجدت لك العروس واشترط أهلها فترة بسيطة لإتمام العرس وليس أمامك من حل آخر سوى العرس الجماعي القادم.
ـ ومن قال لك إنني على استعداد للزواج الآن، قالها بعيون مغمضة.
ـ هل نسيت كلامك معي قبل يومين، لقد وافقت بمحض إرادتك وطلبت مني أن أبحث لك عن العروس والحمد لله وجدتها.
ـ أين وجدتيها وبنت من؟
ـ في نفس منطقتنا وهي بنت الرجل الكفيف الذي كان يؤذن في المسجد الكبير قبل أن يتقاعد بسبب كبر السن. قالت ذلك وهي خائفة.
ـ أنا موافق لأن والدها لن يتمكن من رؤيتي عندما أعود في آخر الليل.
ـ إذن المطلوب منك الآن هو أن تذهب سريعاً لصندوق الزواج لاستكمال الإجراءات.
ـ سوف أذهب بمفردي.
طلب الابن من زملائه إعفاءه من برامج هذه الليلة لأنه مرتبط بمواعيد مهمة تستدعي الذهاب إليها في وقت مبكر، قبلوا طلبه وقال له أحدهم:
ـ نراك مسختها كل يوم غائب وهذه هي آخر مرة نسمح لك فيها بأن تتخلى عنا إذا كنا نحن غير مهمين فتذكر صديقتك.
في اليوم التالي ركب الابن سيارة تاكسي جاءت له بها أمه من الشارع الرئيسي واتخذ قبلته إلى مكاتب صندوق الزواج فدخله ومن جسمه تفوح رائحة عطر ذكي، لكن عينيه لا تزالان مصبوغتين بالاحمرار وتوحيان بأن صاحبهما في حاجة لمزيد من النوم.
وقف أمام المسؤول لكنه لم يتحمل ذلك فأعصابه منهكة من شرب الخمر ولم تعد تحتمل الوقوف طويلاً فجلس على كرسي مجاور للطاولة وخلال دقائق معدودة انتهى من كل الإجراءات وبقي له فحص الدم لتأكيد خلوه من الإيدز.
تذكر أن أصدقاءه لن يسمحوا له بإجازة أخرى فقرر الذهاب مباشرة إلى الطب الوقائي، وعرض يده لفني المختبر الذي واجه مشقة في العثور على دم من أوردته المنهكة بالكحول.
حاول الفني إقناعه بالعودة في يوم آخر لأخذ عينة الدم، لكنه رفض، وبدا أكثر إصراراً على أن يأخذوها منه، توجه إلى المدير وأبلغه أنه مرتبط بأعمال رسمية تستدعي عدم غيابه مرة أخرى فامتثل لأمره، نجح فريق من الفنيين في سحب كمية من الدم بعد مرور وقت طويل. بعد يومين تعالم لاستلام النتيجة قالها فني المختبر له وعلى وجهه يبدو الانهاك.
في اليوم الموعود جاء الابن لكن الموظف تظاهر بأنه لم يعثر على نتيجة الفحص الطبي فطلب منه مراجعة المدير دون أن يكشف له سبب اختفاء النتيجة.
طلب المدير منه إعادة الفحص نظراً لوجود خطأ بالعينات نفذ ما طلب منه وعاد مرة أخرى لاستلام النتيجة، وكان هذه المرة بصحبة أمه، أكدت نتائج الفحص أنه مصاب بالإيدز، أبلغوه بالنتيجة فسقطت أمه مغشياً عليها وأصيبت بشلل أفقدها حياتها فوراً بينما لحق بها ابنها بعد ذلك جراء مرضه.
إعداد: سليمان الماحي