هل حققت رحلة الهلال الأحمر لإغاثة منكوبي القرن الإفريقي أهدافها كاملة؟ هذا السؤال كان مطروحاً وبصوت مرتفع بين أعضاء الوفد الإعلامي المشاركين في الرحلة لدى تهيئهم لمغادرة الفندق في العاصمة نيروبي إلى مطار جومو كنياتا الدولي حيث العودة إلى الإمارات.
وإذا كانت أهداف الرحلة كما حدده رئيس الوفد الدكتور صالح الطائي وهي توصيل رسالة واضحة المعالم إلى أهل القرن الإفريقي الذين شردهم الجفاف عن ديرتهم بل تركهم في مواجهة الموت بأنهم ليسوا وحدهم في المعاناة وإنما تشاطرهم دولة الإمارات العربية المتحدة قيادة وشعباً في متاعبهم الإنسانية فإن الرحلة في هذه الحالة حققت أهدافها بدرجة التفوق.
وفي هذا الصدد يقول الطائي وهو الرجل الذي قاد الوفد بمهارة مدربي كرة القدم المحترفين، ما من شك في أن النجاح الباهر الذي تحقق جاء من المشاركة الإيجابية الجادة لوسائل الإعلام بمختلف أشكالها في عرضها للقضية الإنسانية في القرن الإفريقي بحروف وصور من دموع فعلم بها العالم.
وأدرك حجمها وأبعادها الإنسانية المرعبة والدليل على ذلك أنها قفزت فجأة إلى مقدمة الاهتمام العالمي حيث بات الجميع بما في ذلك أميركا يتذكرون الجفاف والمجاعة في القرن الافريقي ويطالبون بالتحرك لمواجهته.
وفي الحقيقة فإن الوصول بالجملة الى مرافئ النجاح لم يكن على طبق من ذهب بل كان عبر مسالك شاقة مشى فوقها الوفد راجلاً أو راكبا السيارات لمسافات امتد بعضها لحوالي الف كيلومتر ومثال على ذلك الانتقال من «واجي» إلى «مانديرا» على الحدود الصومالية الكينية.
والأمر المهم ان تلك المسافات البعيدة ووعورة الطرق والرائحة النتنة للحيوانات النافقة لم تثن الوفد عن المضي قدما في مساعيه للوصول إلى الجوعى ليقول لهم نحن هنا معكم.
وزاد من نجاح الرسالة الاعلامية التي وردت من مناطق المجاعة ذلك الاحساس المسؤول الذي تحلى به جميع الزملاء الاعلاميين باشراف احمد الريس اثناء وجودهم في قلب المأساة حيث كان كل واحد منهم يبحث عن شيء واحد وهي الصورة واللقطة التلفزيونية المقنعة.
وكذلك الكلمة المكتوبة المعبرة بصدق عن اناس جاعوا ومرضوا ثم ماتوا ولذلك لم يكن بالأمر المثير للاستغراب أو الدهشة حين ترى المصورين بقيادة كبيرهم حيدر فؤاد وهم يركضون باتجاه جيف الحيوانات النافقة فيوجهون لها عدساتهم دون أن يعبأوا برائحتها.
ويقول أحد هؤلاء وهو المصور التلفزيوني اسامة أحمد الباسل، بالتأكيد فنحن الآن في مأمورية لا علاقة لها من قريب أو بعيد باولئك الذين تكتنز اجسامهم لحماً وشحماً.
ذلك كان أمراً صحيحاً فوفد الهلال الأحمر لم يطب له المقام في فندق من فئة ستة نجوم حيث غادره في اليوم التالي لوصوله إلى العاصمة الكينية نيروبي الرائْعة على متن طائرة صغيرة إلى المناطق الشمالية التي يعيش سكانها الجوع والعطش والمرض.
والملاحظ أنه في كل مرة ينزل فيها وفد الهلال الأحمر قرية يسكنها النازحون يوزع لهم المساعدات الغذائية التي وان كانت تكفي لأيام معدودة لكنها تمثل بادرة شهية تبعث على الارتياح وسط الجوعى.
وبالرغم من أن الهلال الأحمر درج على أن تكون أياديه الخيرة ممدودة على الدوام بالغذاء لكل الجوعى المستغيثين بيد ان السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو هل كان ذلك هو الحل المنطقي؟!
من حسن الحظ فان الطائي الذي هجر مهنة الطب من اجل العمل الانساني على قناعة تامة بالمثل القائل «اعطني سنارة ولا تطعمني سمكة».
وهو يقول في هذا الصدد: لكن في واقع الأمر فنحن الآن امام ظروف قاهرة لا تترك مجالاً للتفكير في شيء أخر سوى اطعام الجوعى وسقى العطشى وعلاج المرضى وكلها تتطلب حلاً عاجلاً ويقوم على توفير الأكل والشرب والدواء للمتضررين بالجفاف حتى نضمن بقاءهم على قيد الحياة خاصة وانهم فقدوا كل حيواناتهم التي كانت سبباً في اطعامهم وسقيهم الى جانب أنها الوسيلة المهمة لترحيلهم.
ومن واقع الاحصائيات المتوفرة فإن الهلال الأحمر كان سخياً في مساعدة دول القرن الافريقي وهي كينيا واريتريا والصومال والسودان على مدى السنوات الماضية.
ويمنطق الأرقام فإن حجم مساعدات الهلال لتلك الدول خلال الفترة من عام 2000 وحتى العام الجاري تبلغ قيمتها 143,20 مليون درهم. ونظراً لأن القرن الافريقي لا يزال يرزح تحت وطأة الظروف الإنسانية المزعجة فإن في سياسة الإغاثة العاجلة للمتضررين.
حيث ينظم قريباً حملة لجمع التبرعات أسوة بتلك التي جرى تنظيمها في مرات سابقة لفائدة الأشقاء في فلسطين والعراق واندونيسيا وكشمير .
وبحسب الطائي فإن الهلال الأحمر لن يتوقف عند توزيع الأطنان العديدة من المواد الغذائية التي جاء بها مؤخراً الى القرن الإفريقي بل يواصل مساعيه الخيرة حتى يتمكن المتضررون من تجاوز منحتهم العصيبة.
وقبل ان يتجاوز المتضررون المحنة قام الهلال الأحمر مؤخراً بشحن ست حاويات بمواد غذائية إلى المتضررين في جيبوتي. ووفر حاويات مماثلة للمتضررين في كينيا إلى جانب إقامة عشرة مراكز للتغذية.
وشراء تناكر مياه وتوزيع مواد غذائية لعدد 1000 أسرة وبالنسبة للصومال فقد تم شحن 140 طناً من المواد الغذائية بحراً وجواً وإقامة 10 مراكز تغذية وتأجير 10 تناكر مياه إضافة لتوزيع مواد غذائية لعدد ألف أسرة صومالية.
والخبر الأكثر أهمية هو ما قام به الوفد قبل مغادرته العاصمة نيروبي عائداً إلى الإمارات حيث اشترى 80 طناً من حليب الأطفال المزود بكميات من البروتينات لإنقاذ صحة الأطفال من الأمراض.
ووفقاً لما جاء على لسان رئيس الوفد الطائي فإن الحليب الذي تم شراؤه من داخل كينيا في طريقه الآن إلى الأطفال في المناطق المنكوبة بالجفاف حيث سيتم توزيعه من خلال المستشفيات في جاريسا ومانديرا والواجير.
وعلى ذكر الأطفال المنهكين بالجفاف فإن ما يستدعى الانتباه حقاً هو أن المؤسسات الخيرية غير الإسلامية على ندرتها غير مهتمة بالنوادي الأسرية بل تركز نشاطها على الأطفال ـ أتدرون لماذا؟!
ووفقاً لما سمعناه من الأهالي هناك فإن وراء ذلك أهدافا خفية تبحث عنها وسط الأطفال لأن من الصعوبة بمكان بلوغ أهدافها تلك وسط الكبار.
ومن حسن الحظ فإن الجوع والعطش والمرض لم تهزم الإيمان الراسخ في نفوس الناس بالقرن الإفريقي. ويقول هؤلاء إنهم حين وضعوا أمام خيار الأكل أمام العقيدة انحازوا إلى الأخيرة بلا تردد بالرغم من قساوة الجوع وأوجاع المرض.
ولذلك حين رأى الجياع في القرن الإفريقي وفد الهلال الأحمر في قراهم التي هي عبارة عن أكواخ من القش فرحوا ايما فرح وهم يستقبلونه بالترحاب وهم يقولون (عرب ـ إمارات) ويعكس حسن الاستقبال هذا حقيقة أن الهلال الأحمر الإماراتي يعتبر الوحيد الذي يصول ويجول بين الجوعى والمرضى ليقدم لهم كل ما هو ضروري لدرء متاعبهم.
إلى جانب ذلك فإن الدكتور الطائي يبشر المنكوبين بالجفاف بما هو أكثر من ذلك. وهو يقول: لقد عدنا إلى أرض الوطن ونحن نتأبط العديد من المشاريع لمصلحة المتضررين بالجفاف لدراستها مع المسؤولين مثل إقامة فصول دراسية من الخيام وحفر أبار جوفية وإقامة سدود إلى جانب إنشاء وحدات لتغذية المشردين ودعم المستشفيات وتجهيز عيادات متحركة.
سليمان الماحي: