من المسلم به أن الشراكة تعني التفاعل بين أكثر من طرف بغرض تحقيق أهداف معينة، وحل مشكلات مشتركة، وهي تؤسس لجهود مخططة، متنوعة المشارب والاتجاهات والثقافات، جهود مقصودة ومتبادلة من اجل إحداث تطور نوعي في نظام التعليم يعكس درجة عالية من الالتزام المهني بين الأطراف. وإذا كانت بهذا المفهوم فإن نجاحها رهن بتوافر العديد من المعطيات التي تتكاتف لتؤلف منظومة قائمة على رؤية استشرافية واضحة ومحددة، رؤية تنحو باتجاه الاتفاق لمن يقود المألوف لتتجه إلى رؤى إبداعية تأخذ بعين الاعتبار معطيات الواقع من إمكانات وكفايات وكفاءات وإرادة التغيير.
إن أهمية الشراكة المؤسسة في عملية التعليم تكمن في مدى قدرتها على تحقيق الترابط والتكامل بين مراحل التعليم العام والتعليم العالي، ومدى إمكانية تضييق الفجوة بين النظرية والتطبيق، بحيث يتحول التنظير التربوي إلى مشاريع ميدانية، وممارسة عملية تفعل دور العاملين، وتستفيد من خبراتهم المرئية التي تراكمت لديهم أثناء عملهم. وتمتد هذه الأهمية إلى ميدان آخر يتعلق بالبحث التربوي الذي يخدم الفكر ويؤطره، ويحيل الممارسة وحل المشكلات من إطار التخمين، والتجريب إلى المنهج العلمي القائم على الملاحظة والقياس والتجريب.
ولكي تحقق الشراكة أهميتها في عملية التعلم لابد من توفير مناخ التجريب التربوي في العمل. وتشجيع القائمين عليه، وربط القرارات التربوية بالنواتج المستنتجة بطريقة موضوعية. إن الشراكة الفعالة هي التي تركز على تنسيق العلاقات الخارجية مع المعلمين وغيرهم وتستفيد من الأنشطة التي يقوم بها الأفراد في إطار جمعي بما ينعكس إيجابا على الفئة المستهدفة من هذه الشراكة وهي الطلبة ولا تقتصر هذه الفعالية على هذين الجانبين وإنما تمتد إلى بعد آخر مهم وهو ضرورة انفتاح المدرسة على المجتمع، وانفتاح المجتمع على المدرسة لأن المدرسة لا تعمل في عزلة وهي مجتمع مصغر وليس لديها الكفاية الذاتية لمواجهة التحديات بل هي في حاجة إلى مساعدة المجتمع والأفراد الذين يتواجدون فيه لتطويرها والارتقاء بمستواها.
إن التعاون القائم في ظل الشراكة المؤسسة بين المجتمع والمدرسة له تأثير ايجابي في تطوير أداء المدرسة وتحقيق أهدافها المرسومة. وهذا التأثير رهن بوجود إدارة مدرسية واعية، وقادرة على التخطيط السليم والتنفيذ، وتوجيه العملية التربوية والتعليمية. وهي تستطيع ذلك إذا تمكنت من تشكيل شبكة من التواصل والتعاون بينها وبين البيئة الخارجية التي من شأنها الإسهام في الرقي بالعملية التربوية والتعليمية.
إن الإدارة المدرسية الناجحة التي تستطيع تحقيق درجة عالية من الشراكة هي الإدارة التي تقوم على مبدأ الشورى والمشاركة من قبل الجماعة في اتخاذ القرارات وعمليات التخطيط والتنظيم وتوفير حرية الاتصال والتعبير عن المفاهيم الفكرية، واحترام الرأي الآخر. إن ذلك من شأنه أن يبعث على الشعور بالرضا والارتياح بين القادة والمقودين، والاندفاع نحو العمل بمعنويات وحوافز روحية لتحقيق الأهداف المرجوة.
ومن هنا فإن تطوير العمل التربوي المبني على الشراكة المؤسسة والمرتكز على التفاعل الايجابي باب واسع يجب ان يكون منهج المهتمين بتطوير العملية التعليمية، وهذا يوجب على الإدارة المدرسية ان تعيد النظر في علاقتها بمحيطها، وبأشكال شراكتها مع مؤسسات المجتمع بما يحقق التكامل وبما يمكن من الربط المؤسسي الذي يحدث تفاعلا بين إطراف العملية التربوية.
فهل تستطيع مؤسساتنا التربوية تفعيل الشراكة مع مؤسسات المجتمع؟ وهل تتمكن من استثمار هذا التعاون استثمارا ايجابيا يحدث حراكاً تربويا بناء يمهد لنهضة تعليمية تلعب دورا كبيرا في رقي المجتمع ونهضة الأمة، آمل ذلك.
د. شوقي توفيق الخالدي
موجه تربوي ـ منطقة أبوظبي التعليمية