قصتنا اليوم واقعية، أحداثها لا تقتصر على مجتمع بعينه، ربما تتكرر في كل المجتمعات، ما بقيت الحياة، لكن أن تقع تفاصيلها في مجتمعنا العربي المسلم، المتماسك، الذي عرف عنه تعاضده الأسري، وكريم خصال أفراده، وتمسكهم بتعاليم الدين الحنيف، الذي جعل «الجنة تحت أقدام الأمهات»، فإنها لعمري طامة كبرى!لكنها بكل أسف حدثت، ونراها تتكرر في كل «دار للمسنين» وستظل تتكرر وتحدث، لأن من يقدم على هذه الفعلة بحق أعز الناس إلى ذاته، لابد أن يشرب من الكأس ذاته، وصدق من قال: إن دور المسنين لن تغلق أبوابها، إلا بعد أن يسكنها من جاءوا بآبائهم وأمهاتهم إليها. ولنقرأ معاً قصة «أم سعيد».
امتثلت المرأة العجوز «أم سعيد» لطلب خادمة الأسرة وغادرت غرفتها وهي تتوكأ على عكاز طبي لتجلس على كرسي بلاستيكي في بهو فيللا ابنها، وأخذت تراقب بعينين أنهكهما الزمن وحرمهما قوة البصر، لكن ما أثار انتباه «أم سعيد» لحظة إذن تلك الحركة غير الطبيعية التي بدرت من زوجة ابنها وخادمتها، حيث كثر دخولهما لغرفتها، فخطر لها أن الأمر لن يتعدى عملية تنظيف وتنظيم وترتيب محتويات الغرفة.
وبالطبع انتابت «أم سعيد» مشاعر فرح عارمة، فهي لم تر من قبل مثل هذا الاهتمام من زوجة ابنها مطلقاً، بل كانت هي ذاتها تقف عائقاً منيعاً أمام خادمتها إن هي أقدمت على تقديم خدمة لها.
وتمضي «أم سعيد» في اجترار ذكرياتها المريرة مع زوجة ابنها وهي تحدث نفسها: ليتها تركت سعيد ليأتي لي بخادمة، على الأقل أتحدث إليها، حتى ولو لم تفهم كلامي أو أفهم كلامها، فإن ذلك أفضل ألف مرة من أن أبقى صامتة، فلا أفتح فمي إلا للأكل والشراب، وترد «أم سعيد» على نفسها قائلة: أدري ـ بلى أدري.. لن تسمح ـ بخادمة لي لأن وجودها سيحرمها من الاستحواذ على معاش «الشونة» الشؤون.
لماذا المستشفى؟
وفجأة عادت «أم سعيد» لواقعها المرير على صوت الخادمة تقول لها «ماما .. شو فيكِ تتكلمين لوحدك، قومي البسي ثيابك بسير وياك المستشفى»!
وذهلت «أم سعيد» لذلك الطلب، فهي لم تشتك من شيء. وفي آخر مرة قابلت فيها الطبيب بشَّرها بجسم لا يعاني إلا من متاعب سنوات العمر التي تجاوزت الستين عاماً.
ولمعرفة أسباب نقلها إلى المستشفى نادت «أم سعيد» على زوجة ابنها لكن الأخيرة بدت كما لو أنها مشغولة بما هو أهم، فلم تعبأ بالإجابة عليها، ومع إصرار «أم سعيد» في المناداة أجابتها زوجة ابنها قبل أن تسمع سؤالاً: «من فضلك اسمعي كلامها، وقومي البسي ثيابك. واذهبي معها إلى حيث تذهب.
ومرة أخرى سرحت (أم سعيد) مع همومها وخطر لها أن من الأفضل التحدث مع ابنها الذي يعمل في أبوظبي عله يقنع زوجته بالعدول عن إرسالها إلى المستشفى.
وطلبت من الخادمة أن توصلها هاتفياً مع ابنها «سعيد» لكن حين استشارت الخادمة الزوجة قالت لها: أخبريها بأن هاتفه مغلق لأنه في هذا الوقت من الصباح يكون مشغولاً بمهامه الوظيفية ومع إصرار الأم على محادثة ابنها جاءت إليها الزوجة لتبلغها بأن ابنها سعيد هو الذي طلب إرسالها إلى المستشفى.
وقالت لها: «أنت تدرين بأن «سعيد» حريص على سلامة صحتك أكثر مني ومن أولاده، ولذلك طلب مني عرضك على الطبيب قبل أن يداهمك المرض».
لم يكن أمام «أم سعيد» من خيار آخر سوى النهوض من الكرسي الذي تجلس عليه والدخول لغرفتها لترتدي ثيابها وقبل مغادرة المنزل وقفت أمام صورة بالأبيض والأسود لزوجها (أبي سعيد) الذي توفي قبيل سنوات عندما كان متوجهاً لأداء صلاة الفجر. فلم تتمالك مشاعرها فذرفت دموعاً حارة معبرة عن الألم والحنين حتى ابتل معها «البرقع».
وتحركت «أم سعيد» بخطى متثاقلة باتجاه باب «الحوي» (الحوش) في حين كانت سيارة الأسرة التي يقودها وافد آسيوي تنتظرها على أهبة الاستعداد. وعندما همت بالركوب تقدمت منها الخادمة وفتحت لها الباب الخلفي ثم صعدت إلى جوارها.
طريق غريبة
لم تكن الرحلة مألوفة هذه المرة لأم سعيد فقد مرت السيارة بطرق شتى تتعرج أحياناً وتستقيم حيناً آخر، وعندما بدا لها أن المسافة بعدت والهدف ما زال غير واضح ساورتها الشكوك وقالت بصوت مجهد غير واضح العبارات: أين المستشفى؟ ومهما يكن من أمر فقد فهمت الخادمة، ما تردد على لسان أم سعيد فأجابتها: ليش ماما انت مستعجلة.. صبر.. وبالفعل ليس أمام «أم سعيد» سوى الصبر الذي أسكتها، ولم تنبس ببنت شفة طوال ما تبقى من الرحلة التي كانت نهايتها عند باب دار المسنين.
وفور وقوف السيارة فتحت الخادمة الباب ونزلت مسرعة إلى داخل الدار ونظراً لأن كل شيء كان معداً مسبقاً مع زوجة الابن عبر الهاتف، فقد جاءت مجموعة من العاملات يدفعن أمامهن كرسياً متحركاً.. وحينئذ أدركت «أم سعيد» أنها أمام مرحلة جديدة في حياتها وقبل أن تستجيب لرغبة العاملات بالنزول والجلوس على الكرسي لنقلها إلى مقر إقامتها الجديد أسندت رأسها إلى كفيها وأجهشت بالبكاء حتى سالت دموعها فوق برقعها، لكنها سرعان ما استيقظت من فرط حزنها، وتذكرت أنه ليس من شيمتها أن تسمع صوتها للرجال فنزلت بأرجل ترتجف وجلست. فوق الكرسي الذي نقلها إلى داخل الدار لتبقى هناك حبيسة الجدران بينما تجول بنظرها في كل اتجاه باحثة عن شيء واحد هو رؤية ابنها «سعيد».
الأيام المرة
مرت الأيام والشهور بل السنون و «أم سعيد» باقية في دار المسنين، تنفيذا لحكم أسرتها فهي هناك لا تتحرك الا بإذن ولا تأكل إلا ما يشتهيه الآخرون. وفي أكثر الأوقات صامتة تسمع وترى فقط وحتى الحمامات الله يكرمكم ليس من حقها الذهاب إليها كما تشاء. بل عليها الانتظار ريثما تأذن لها العاملات. وذات مرة حاولت «أم سعيد» أن تنهض من سريرها فإذا بعاملة الدار تركض نحوها وتأمرها بالجلوس لكن أم سعيد لا تذعن لها فتسألها العاملة بعنف شو فيك؟ وتجيبها العجوز «أنا بخير» ما بي شيء، أريد أن امشي على رجلي، لكن العاملة تقاطعها قائلة: «لا لا ماما فاكرة حالك، شباب الحين أنتِ وايد عجوز وما تقدرين على الحركة ولازم تجلسين وأنا مسؤولة عن خدمتك».
وصمتت أم سعيد برهة ثم قالت في داخلها هذه الخادمة السيلانية تبغي تعيش من وجودي جالسة على هذا السرير أكيد هي مخبولة! وتنهض أم سعيد من سريرها وتتجه إلى عاملة بدالة الدار وتطلب منها الاتصال بأسرتها فلم ترفض العاملة طلبها بل جاءت لها بالملف الذي يضم معلومات عن عنوانها لتأخذ منه أرقام الهواتف ومع إدارة أول الأرقام جاءت الإشارة بعدم إمكانية الوصول إليه وأثناء محاولة الاتصال بالأرقام الأخرى تبين أنها تحولت لمشتركين آخرين ومراعاة لمشاعر «أم سعيد» أعادت العاملة الاتصال مرات ومرات بيد أن النتيجة في كل مرة هي ذاتها، وفي آخر مرة جاءها من الطرف الآخر من يصرخ في أذنها لا تتصلي مرة أخرى.
الخدمة سرية
وفهمت «أم سعيد» الأمر وبدت محبطة ومذهولة بل بدا جسمها مضطربا كما لو أنها أصيبت بحمى البرد ولكن قبل أن تنصرف قالت لها الخادمة: «ماما لا تحزني الحين ما في مشكلة، تعالي أجلسي على كرسي مال أنا، وأعطيني اسم ولد «مال أنتِ» لنحصل على أرقام التلفونات من بدالة الاتصالات.. فرحت «أم سعيد» بالفكرة وانفرجت أسارير وجهها وكأنها سمعت صوت ابنها حقا فأعطت العاملة كل ما تريد وغاصت في التعريف به حتى نادت عليها ماما خلاص كفاية بالفعل أشركت عاملة الدار الاتصالات في البحث عن هواتف سعيد لكن تبين بأن كل الخدمات الهاتفية التي لها صلة به مدرجة ضمن الخدمة السرية، لم تنتظر أم سعيد بعد ذلك طويلا فقامت متثاقلة من الكرسي وسارت تجرجر رجليها وحين وصلت غرفتها وجدت عاملة الدار في انتظارها لتقول لها: ماما انتِ ليش ما تسمعين الكلام، أنا يقول ما تقومي من السرير، لم تجد «أم سعيد» من شيء تتحدث به مع العاملة فقد أفقدها الإحباط كل قواها وزاد من متاعبها النفسية. لقد تخلى عنها الجميع. وحتى ابنها الوحيد «سعيد» لم يعد يسأل عنها بل اختفى عنها نهائيا وتركها وهي في وقت أحوج ما تكون إليه.
الحقيقة
ويقول عبدالوهاب المشهداني الواعظ الأول ومسؤول الفتوى في مكتب الأوقاف برأس الخيمة: خير الكلام في هذا الأمر هو كلام الله عز وجل حين قال: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا». ويضيف المشهداني: إن قوله تعالى «وقضى» معناه حكم وأوجب وألزم، وكلمة «ألا» نافية والفعل بعدها منصوب بحذف النون، وقوله تعالى «إلا إيّاه» أي حكم الله تعالى على خلقه وأوجب عليهم وألزمهم بعبادته ثم عطف على هذه الأحكام من الفروض الواجبة إحساناً بالوالدين فكأن الإحسان بالوالدين فرض يترتب عليه العقاب على الأبناء في الدنيا قبل الآخرة.
جاء رجل إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبواي قد بلغا من الكبر عتيا وإني أولي ـ أباشر ـ منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيت لهما حقهما؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يتمنيان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما». والواقع إن الذين يضعون والديهم في دور العجزة وهم قادرون على إيوائهم والقيام بحقوقهم فليستبشروا بعقاب شديد في الدنيا والآخرة، لأن رضى الله مسبب برضى الوالدين وإن سعة الرزق وطول العمر وامتلاء القلب بالأمن والأمان مسبَّب برضى الوالدين أيضاً.
وقال الشاعر:
طع الإله كما أمر
واملأ فؤادك بالحذر
طع أباك لأنه
رباك في عهد الصغر
اخضع لأمك وارضها
فعقوقها إحدى الكبر
حملتك تسعة أشهر
بين التمرض والضجر
وإذا مرضت فإنها
تبكي بدمع كالمطر
سليمان الماحي: