أكد العلماء المسلمون أن التجرد كلياً من الملابس خلال المعاشرة الزوجية لا يبطل عقد الزواج، موضحين أن هذا القول الذي صدر من أحد أساتذة الشريعة في مصر يعتبر خروجاً على الإجماع، ولم يقل به أحد من الفقهاء والعلماء المشهود لهم بالعلم والفقه، وقال العلماء ان الشيخ رشاد حسن خليل عميد كلية الشريعة والقانون السابق والذي افتى بذلك انفرد برأي لم يسبقه إليه أحد من قبل.

وفي فتوى سابقة له أجاز فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي استمتاع الزوج بزوجته واستمتاع الزوجة بزوجها باستثناء الوطء في الدبر أو في حالة الحيض.

وقد أثارت الفتوى «الشاذة» كما يصفها العلماء العديد من المخاوف والتساؤلات بين الناس حول شرعية زواجهم ووضعية أبنائهم. ومن جانبه انتقد الدكتور قطب عبدالحميد قطب مسؤول تدريب الأئمة والوعاظ في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي الفتوى.

وقال «لا يوجد فعل محرم بين الزوجين أثناء المعاشرة في الجماع إلا الوطء في الدبر وأثناء الحيض»، مؤكداً عدم وجود أي نص شرعي يحرم التجرد كلياً من الملابس أو النظر إلى أي عضو في جسم الشريك خلال المعاشرة الزوجية.

وأشار إلى أن المنصوص عليه في الفقه الإسلامي أنه يجوز للزوج النظر إلى كل زوجته بدون استثناء، واذا كان هناك قول يقول باستثناء النظر الى الفرج فهو قول ضعيف، والراجح من الأقوال هو النظر اليها.

وقال إن كل ما يحبب الرجل في المرأة والمرأة في الرجل ويقوي العلاقة الزوجية، فهذا يحث عليه الشرع ويزيد في الصلة والمحبة، كما أنه يدعو إلى التعفف ويقطع الطريق على الشيطان، فلا يمد الرجل عينه خارج إطار العلاقة الزوجية.

وأضاف أن كل ما فيه إرواء عاطفي يحض عليه الإسلام، وكل هذا من مقاصد الشريعة «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة».

وقال الدكتور قطب: أؤكد لك أن هذه الفتوى التي أفتى بها الشيخ رشاد عارية عن الصحة وشاذة ولم يقل بها أحد من السابقين». وأوضح أنه إن كان في التجرد ما يدعو إلى زيادة الإرواء العاطفي والمحبة، فذلك لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، لأن مقاصدها تدعو إلى التحبب وإلى المودة والرحمة، والشرع لا يعارض إلا في إتيان المرأة في دبرها أو أثناء الحيض.

واعتبر الشيخ عبدالله مجاور أمين لجنة الفتوى في الأزهر أن النظر إلى الجسد مستحب باستثناء الفرج، ومن ثم أوصى بأن «يستترا برداء أو غطاء.

وقالت الدكتورة سعاد صالح عميدة كلية الدراسات الإسلامية للبنات في جامعة الأزهر إنه «يجوز شرعاً للزوجين القيام بكل ما يؤدي إلى التقريب والتحبيب بينهما»، ومن ثم فإن التجرد من الملابس لا يبطل الزواج إلا أنها اعتبرت أن «تعري الزوجين بصورة تامة من غير ملابس غير مستحب وفقاً للأدب والإرشاد النبوي، ولكن هذا لا يعني التحريم».

ويرى الدكتور يوسف القرضاوي أن الحائض ومثلها النفساء لم يصبهما ما ينقلهما عن بشريتهما، أو يجعلهما مثل الحشرة أو الجرثومة التي يخشى منها، والتي إذا لمست شيئاً أفسدته، فهذا من الخروقات، والحماقات، كل ما تمنع منه الحائض ومثلها النفساء ـ في جانب المعاشرة ـ هو الجماع في الفرج ـ ولا يمنع منها سوى ذلك، وفي مسها المصحف وقراءتها القرآن ودخولها المسجد خلاف بين العلماء.

وروي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في الابتعاد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن، ولا يبالون بالحيض، وإن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على الفراش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس.

لهذا توجه بعض المسلمين بالسؤال إلى النبي «صلى الله عليه وسلم» عما يحل لهم وما يحرم عليهم في مخالطة الحائض فنزلت الآية الكريمة: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) سورة البقرة: 222.

وقد فهم أناس من الأعراب أن معنى اعتزالهن في المحيض ألا يساكنوهن فبيّن النبي «صلى الله عليه وسلم» لهم المراد من الآية وقال: إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم أمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم. فلما سمع اليهود ذلك قالوا: هذا الرجل يريد ألا يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه.

فلا بأس على المسلم إذن أن يستمتع بامرأته بعيداً عن موضع الأذى. وبهذا وقف الإسلام ـ كشأنه دائماً ـ موقفاً وسطاً بين المتطرفين في مباعدة الحائض إلى حد الإخراج من البيت، والمتطرفين في المخالطة إلى حد الاتصال الحسي.

وقد كشف الطب الحديث ما في إفرازات الحيض من مواد سامة تضر بالجسم إذا بقيت فيه، كما كشف سر الأمر باعتزال جماع النساء في الحيض، فإن الأعضاء التناسلية تكون في حالة احتقان، والأعصاب تكون في حالة اضطراب بسبب إفرازات الغدد الداخلية، فالاختلاط الجنسي يضرها، وربما يمنع نزول الحيض، كما يسبب كثيراً من الاضطراب العصبي.. وقد يكون سبباً في التهاب الأعضاء التناسلية.

* لم يرد من الفقهاء

وقال سماحة السيد علي الهاشمي مستشار الشؤون الدينية والقضائية بقصر الرئاسة: لم يرد من الفقهاء المعتمدين مثل هذا القول «الفتوى» التي تبطل عقد الزواج لمجرد تجرد الزوجين من ملابسهما أثناء المعاشرة الزوجية، وقال: عقد الزواج ميثاق غليظ ولا يبطله إلا ما ذكره الفقهاء.

وأضاف قائلاً: ليس مصوغاً أن يفسخ عقد زواج زوجين لمجرد تحقيق المتعة الزوجية «المعاشرة» ولا يوجد بكتب الفقهاء جميعاً ما ينص على ذلك رغم ما ذكر أن النظر لمكان العورة مكروه ولكنه لا يفسخ عقد الزواج.

وأوضح أن النقاش حول هذا الموضوع والفتوى المذكورة تحديداً مضيعة للوقت وحمل رجال الصحافة والإعلام جزءاً من المسؤولية ودعاهم للمزيد من الحصيلة الفقهية والتفقه بأمور الدين وفهم ما يصبو إليه الفقهاء بعيداً عن الفذلكة الناشئة عن قلة الحصيلة العلمية للبعض.

وانتقد العلماء والفقهاء الذين يتكلمون بالعموميات ولا يتكلمون بأمور الفقه التي تهم المسلمين، وأكد أن الإمارات تتمتع بمراجع فقهية وفقهاء يشار لهم بالبنان في كثير من الأمور التي تهم المسلمين.

* أشعر بالوحشة

وقال فضيلة الشيخ منصور عيضة المنهالي مدير إدارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بوزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف أشعر بالوحشة والتعجب لصدور مثل هذه النوعية من الفتاوى التي تبعث على الدهشة والتعجب وخاصة في توقيتها .

والعالم الإسلامي منشغل بقضايا مصيرية تصب في خدمة الأمة الإسلامية والعالم أجمع وتزامنها وفريضة الحج حيث تزامن إعلانها ووقوف الحجاج بجبل عرفات (جبل الرحمة).

وأكد أن المذاهب الفقهية الأربعة لا تؤيد ما ذهب إليه عميد كلية الشريعة والقانون السابق بجامعة الأزهر، وأوضح أن بعض الممارسات الزوجية حتى وإن كانت تخرج عما هو متبع بين الزوجين فإنها لا تبطل عقد الزواج رغم أنها من الكبائر.

وقال يبقى محل الدهشة والاستغراب ترك القضايا المصيرية للأمة واللجوء لمثل هذه القضايا لإشغال تفكير الناس عن الأهم فيما يدور حولهم من قضايا تحياها الأمة الإسلامية يدركها الجميع، وأوضح أن ما ذهب إليه صاحب الفتوى المذكورة ما هو إلا من «باب خالف تعرف».

كتب السيد الطنطاوي وإبراهيم السطري: