قال الشيخ: هل يعقل أن نكون قد فقدنا القدرة على التفكير وحسن التدبير؟ هل يعقل أن نكون قد تشوهنا من الداخل والخارج؟ هل يعقل أننا لم نعد نقدر خطورة المصائب التي تعصف بنا؟ هل يعقل أننا قد خربنا أدمغتنا وصرنا عبيداً لنفوسنا الأمارة بالسوء ولغرائزنا ونزواتنا؟

نحن في زمن لم نعد نتوقف فيه عن عد العجائب عند سبع أو تسع، ففي كل يوم نشهد عجيبة جديدة، وفي كل ساعة نرى استحالة تتحقق. فخير ما نوصف به أننا نتخبط كمن يتخبطه الشيطان من المس، وأننا قد جعلنا هوانا إلهنا، وأننا قد أعرضنا عن ذكر الله فاستحقت علينا عيشة القلق والضنك.

من ذلك مثلاً ما ذكر عن جامعة في دولة عربية لها وجودها العريق في التاريخ والوجود الإسلامي رأت أن تحول طالبة تعمل في ما يسمى اليوم بغناء -الإغراء- إلى لجنة تأديب لأنها جاءت إلى الجامعة ودخلت إلى الحرم الجامعي بلباس مثير، كأن الجامعة لم تر طالبتها وهي تمارس الفن الهابط والرذيل على شاشات الفضائيات.

وكان الأولى بجامعة تحترم نفسها ومدرسيها وتود أن تحافظ على احترام وقبول الناس لها أن تفصل الطالبة المعنية بعد أول ظهور لها على الفضائيات وهي تصفع العقل والإحساس وتقتل الفضائل وتطعن كرامة الجامعة في مقتل.

إن ما عهدناه وعرفناه عن الجامعات في الشرق والغرب أنها ترى في أخطاء مدرسيها وطلابها الأخلاقية والمسلكية داخل وخارج أسوار الجامعة ما يبرر فصل المخطئ وإبعاده عن كرسي التعليم أو التعلم. ولكننا في زمن العولمة العجيبة نرى الجامعة تكتفي بأن «تؤدب» طالبة وغانية خرجت عن كل حياء وأدب وأشهدت الملايين عبر الفضائيات على فسوقها وسقوطها لمجرد أنها جاءت إلى الجامعة بلباس لا يتناسب وأدب طلب العلم فيها.

ومن ذلك أن مدناً وعواصم عربية وإسلامية يسمع فيها الأذان خمس مرات في اليوم ويرد في دساتيرها أن الإسلام دين الدولة وأنه مصدر التشريع أو مصدر من مصادر التشريع ـ حسب الإملاء الأميركي الحديث ـ تصطف فيها الغانيات وبائعات الهوى على أرصفة بعض الشوارع المعروفة، فإذا أحدث وقوفهن إرباكاً في السير جاءت شرطة المرور لتنظم وتزيل إعاقة المسير كأنها شاهدة على ما ترى دون أن يكون لها أو عليها أن تغير المنكر.

ومن ذلك أن كثيراً من الزوجات، وقد فطرن على الغيرة على أزواجهن، لا يرين مانعاً لأن يجلس الأزواج إلى شاشات التلفزيون ليشاهدوا الكاسيات العاريات المائلات المميلات. بل لعل الواحدة منهن تستعجل زوجها لكي لا يفوته مشهد مثير لغانية يميل إليها قلبه أو لمسابقة تعرض فيها الأجساد لاختيار ملكة جمال للبلد أو للعرب أو للعالم، لمؤسسة أو مجلة أو صحيفة، فأين ذهبت الغيرة الفطرية! وأين ضاع حرص الزوجة على زوجها! وما الذي بقي من حياء المرأة أو الرجل وهما يطالعان العورات المعروضة على الشاشة الفضية.

ومن ذلك أن الأبناء صاروا لا يستحيون من آبائهم وأمهاتهم وهم يطالعون على الشاشة الفضية غناء غرائزياً، أو تمثيلاً منحدراً أخلاقياً، فهم يحملقون في الأجساد العارية والعناق المشبوب والقبلات المحمومة، والأب والأم جالسان لا يملكان من الأمر شيئاً، أو أنهما طربان لما يريان ويراه الأولاد.

فهل نملك أن نحن لزمن كنا فيه نغلق التلفزيون أو نخرج من الغرفة أو نطرق إلى الأرض إن ظهر على الشاشة عشر ما يظهر اليوم حياء من الله أولاً ومن الأب والأم ثانياً، أم أننا سنوصف بالتحجر والتخلف والسكن في العصور الوسطى المظلمة في زمن لم يعد فيه الحياء والاحترام والتوقير والتقوى قيماً معترفاً بها.

يستظرف بعض الآباء أبناءهم الصغار إن تعلموا أغنية أو رقصة ماجنة من عاهرة إعلامية، فتراهم ينادوهم في كل مجلس لاستعراض تشويه فطرة الأولاد أمام الحاضرين.

وتمتلئ غرف الأولاد المراهقين بصور نجوم هذا الزمان من أراذل الناس وقد ملأت الجدران فكأنها غرف الأبالسة والشياطين، ويتخذ الشباب من الملابس والزينة وأشكال قصات الشعر ما يشبههم بفلان أو فلانة من الضائعين والضائعات، فلا يملك الآباء إلا أن يتبادلوا النظرات مبتسمين معبرين عن اعترافهم بهذا الزمان الذي يختلف عن زمانهم. فقولوا لي بربكم ماذا حصل للناس؟

ماهر سقا أميني.