أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة »حفظه الله« أن الحزن الذي فطر قلوبنا برحيل قائد المسيرة ومؤسس الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه تعاهدنا أن يتحول بإذن الله إلى قوة لتحريك قدراتنا وإمكانياتنا حفاظا على كل الانجازات التي حققها فقيد الوطن الراحل.

وقال سموه في كلمة بمناسبة الذكرى الأولى لجلوس سموه حاكما لإمارة ابوظبي.. انه بفضل أبناء الوطن وولائهم وإخلاصهم وتأييدهم والمؤازرة الصادقة من إخواني أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة تمكنا بعون الله من تجاوز الظرف الصعب وعزمنا على المضي قدما في المسيرة المباركة.

وشدد سموه على العهد بأن يكون سجل فقيدنا الراحل الحافل بالانجاز نبراسا نقتدي به ونحذو حذوه. وأوضح سموه ان العقود الزمنية الماضية لإمارة ابوظبي كانت مرحلة تأسيس وبناء وانطلاق تم خلالها بتوفيق من الله تسخير الموارد لتحدى الظروف المعيشية والبيئة القاسية وخلق بنية سياسية متماسكة وترسيخ نظام إدارة متطور وتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.

ونوه سموه إلى أن المرحلة القادمة في مسيرة التطور المنشود لإمارة ابوظبي يتلخص هدفها الاستراتيجي الأول في تهيئة البيئة المبدعة اللازمة لتمكين الفرد المواطن من عناصر القوة اللازمة ليصبح أكثر إسهاما ومشاركة في مختلف مجريات الحياة الاجتماعية والسياسية والإنتاجية المعرفية مشددا على أنها مرحلة تتطلب وحدة الجميع وترابطهم وتكاتفهم ونكرانهم لذاتهم في سبيل الوطن كله.

وقال سموه »إننا شرعنا في مرحلة التمكين بسن التشريعات واتخاذ الإجراءات المنظمة لما هو قائم من الدوائر والأنشطة« مشيرا إلى أن هذه المرحلة تتطلب الاستمرار في البناء وإعادة ترتيب الأولويات.

علامة فارقة

.. وفيما يلي نص كلمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة.. بسم الله الرحمن الرحيم..

أيها الأخوة المواطنون.. يشكل الثالث من نوفمبر 2004 علامة فارقة في تاريخ هذه الإمارة وتاريخ هذا الوطن ففيه تعاهدنا على أن الحزن الذي فطر قلوبنا برحيل قائد المسيرة ومؤسس الدولة المغفور له الوالد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان »طيب الله ثراه« سيتحول »بإذن الله« إلى قوة لتحريك كامن قدراتنا وإمكانياتنا حفاظاً على دينٍ نصره ووطنٍ وحده ودار عمرها وحلمٍ أنجزه وأمنٍ وفره وطريقٍ مهده وها نحن اليوم نحيي ذكراه الأولى.

وبفضل وفاء أبناء هذا الوطن وولائهم وإخلاصهم وتأييدهم والمؤازرة الصادقة التي أبداها إخوتي أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات وسمو ولي العهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تمكنا »بعون الله« من تجاوز ذلك الظرف العصيب متقبلين في صبر أمر الله وعازمين على المضي قدماً في المسيرة المباركة استشرافاً لأفق أرحب ومستقبل زاهر عامر بالأمن والاستقرار مكررين العهد بأن يكون سجل فقيدنا الراحل الحافل بالإنجاز نبراساً نقتدي به وأن تكون كلماته وأفكاره ورؤاه شعلة نهتدي بها في كل قول وفعل وأن نسير على نهجه وأن نحذو حذوه فيما تحملنا من أمانة الأمر ومسؤولية الحكم.

أيها الأخوة المواطنون..

إن العقود الأربعة الماضية من عمر الإمارة كانت مرحلة تأسيس وبناء وانطلاق تمكنا خلالها »وبتوفيق من الله« من تسخير موارد حبانا الله بها لتحدي الظروف المعيشية والبيئة القاسية وخلق بنية سياسية متماسكة وترسيخ نظام إداري متطور وتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة تعزيزاً لمكانة أبو ظبي وانتقالاً بأبنائها وأبناء الوطن جميعا نحو عيش أرغد وحياة أكرم.

إن تجربة البناء التي خضناها على مدى التسعة والثلاثين عاماً الماضية وبرغم ما تضمنته من تحولات فائقة السرعة على مستوى البنى الاقتصادية والاجتماعية ما كانت منفصمة عن تراث الأجداد وقيمهم وأخلاقهم وعقيدتهم وانتمائهم العربي ومن هنا استمدت التجربة عبقريتها التي أدهشت العالم في ماضٍ متصل بالحاضر ومزاوجة بين »الدولة العصرية« و»القيم الموروثة«..

تجربة استوعبت روح العصر بتقنياته وقوانينه ونظمه ومؤسساته ولكنها لم تتجاهل »تراث الأجداد« بل حافظت عليه وعمقت مفاهيمه وزادت إحساس الأجيال الجديدة به فتمثلوه قيماً وأخلاقاً وسلوكاً فكان هذا الإنسان الذي نفخر به وهذا الوطن الذي نعتز بالانتماء إليه.

قدر أبوظبي

أيها الأخوة المواطنون

ولقد كان قدر أبو ظبي بفضل الرؤية السياسية الواضحة لحاكمها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان »طيب الله ثراه« واتساع رقعتها وعدد سكانها ودورها الاقتصادي أن يكون لها الدور الرائد في توحيد الإمارات المتفرقة في كيان سياسي مستقل.. ذي سيادة هو دولة الإمارات العربية المتحدة التي أصدر المرحوم الشيخ زايد فور إعلانها في الثاني من ديسمبر 1971 توجيهاته السامية بوضع كافة موارد الإمارة وإمكانياتها وخبرتها تحت تصرف دولة الاتحاد حفاظاً على كيانها وتأميناً لاستمرارها وتوطيداً لأركانها.

كان الإنجاز واضحاً جلياًَ.. بنية تحتية متطورة وبرامج تنموية طموحة ومظلة شاملة من الخدمات الاجتماعية والمرافق الصحية والتعليمية وغيرها مما مهد لواقع اقتصادي واجتماعي ونفسي أفضل مكن أبناء هذه الإمارة وأبناء الوطن عامةً من تحمل مسؤولياتهم وتحقيق طموحاتهم والإسهام الفاعل في التخطيط لمستقبل سيشاركون في صنعه ضماناً لوطن آمن وتنمية مستدامة ورفاه لا ينقطع.

وكانت التنمية الاقتصادية ـــ الاجتماعية التي حققتها الإمارة نموذجا فريدا ليس على مستوى الإمارات والمنطقة فحسب بل على مستوى العالم.. فقد شهدت أبوظبي على مدى أربعة عقود طفرة حقيقية غير مسبوقة في كافة المجالات جعلتها محط أنظار العالم وصحب هذا تطورات هائلة في مختلف القطاعات الاقتصادية مما أسهم في تحقيق ازدهارها الاقتصادي والاجتماعي.

حيث بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للإمارة أكثر من 217 مليار درهم في عام 2004 وزاد إسهام القطاعات غير النفطية بعد نجاح استراتيجيات تنويع مصادر الدخل من الناتج المحلي ليصل إلى حوالي 104 مليارات درهم وحقق الميزان التجاري للإمارة فائضا بلغ أكثر من 102 مليار درهم في عام 2004 مما يعكس متانة المركز المالي والاقتصادي للإمارة.. وعلى عظم ما أنجزنا في المجالات المختلفة يظل بناء الإنسان هو أهم مكاسب مرحلة التأسيس والتحديث فالبشر هم الثروة الحقيقية للأمم.

هدف استراتيجي

أيها الأخوة المواطنون..

إننا اليوم على مشارف مرحلة جديدة في مسيرة التطور المنشود لهذه الإمارة مرحلة يتلخص هدفها الاستراتيجي الأول في تهيئة البيئة المبدعة اللازمة لتمكين الفرد المواطن من عناصر القوة اللازمة ليصبح أكثر إسهاماً ومشاركةً في مختلف مجريات الحياة الاجتماعية والسياسية والإنتاجية والمعرفية وهي مرحلة تتطلب وحدة الجميع وترابطهم وتكاتفهم ونكرانهم لذاتهم في سبيل الوطن كله..كما تتطلب توجيه الجهد للمزيد من العمل الخلاق والارتقاء بأساليب الإدارة ورفع كفاءة المرافق العامة وضبط نوعية وتكلفة ما تقدمه من خدمات.

وتحقيقاً لكل ذلك فإن مرحلة التمكين تتطلب الاستمرار في البناء وإعادة ترتيب الأولويات.. وقد شرعنا بالفعل في التهيئة لمرحلة التمكين بسن التشريعات واتخاذ الإجراءات المنظمة لما هو قائم من الدوائر والمؤسسات والأنشطة والعلاقات وتحسين الإنتاج والخدمات »كماً ونوعاً« وتوجيه الجهد دعماً وتطويراً وتحفيزاً للمؤسسات والهياكل والأنشطة والكوادر الواعدة تهيئةً للظروف المؤهلة لانطلاق واعٍ نحو آفاق القرن الحادي والعشرين بكل ما يتضمنه من تحولات جوهرية على صعيدي الفكر والممارسة.

إن تهيئة المواطن لمرحلة التمكين وتنمية قدراته ومواهبه لن تتم دون إصلاح جذري للتعليم بإعادة النظر في مضمونه وغاياته.

وقد شرعنا بالفعل في ذلك بإطلاق عدد من المبادرات خلال هذا العام الجاري كان أبرزها إنشاء »مؤسسة الإمارات« التي ستتولى تأمين الموارد المالية الثابتة للمؤسسات التعليمية الرائدة وزيادة وعي القطاع الخاص بأهمية المشاركة في العمل الاجتماعي وتعزيز قيمة خدمة المجتمع وإنشاء »مجلس أبوظبي للتعليم« الذي سيكون على رأس مهامه وضع استراتيجية تعليمية قائمة على فهم أكثر عمقاً لواقع الميدان التربوي في الإمارة ولدور المعرفة ورأس المال البشري في تطور الاقتصاد وتقدم المجتمع والربط الوثيق بين العملية التعليمية والحاجات التنموية والأمنية وذلك تحقيقاً لهدف استراتيجي واحد هو تهيئة المناخ الملائم لإعداد إنسان مبدع مُعتز بهويته قادر على الإسهام بفعالية في صناعة مستقبله.

وإن سعينا لتطوير منظومة التعليم في الإمارة كجزء من مرحلة التمكين يهدف إلى تسريع عجلة هذا النظام وكفاءته وتمكينه من ملاحقة التطورات المتسارعة التي تشهدها الدولة ويشهدها العالم بسبب التقدم التقني السريع وما تزامن معه من توجه دولي نحو الانفتاح والتحرير وتكامل عمليات الإنتاج عبر الدول وترابط الأسواق المالية واعتماد قواعد جديدة للعلاقات الدولية.

القطاع الخاص

أيها الأخوة المواطنون..

إن اعتبارات المرحلة تقتضي إعطاء أولوية أكبر لتطوير دور القطاع الخاص وتفعيل دوره في زيادة الاستثمارات وإيجاد فرص العمل وتحفيزه للعمل شريكاً كاملاً للدولة في خططها لمواجهة التحديات التي تطرحها التطورات العالمية المتسارعة على مختلف الصعد.

وتفعيلاً لهذا الجانب أصدرنا مرسوماً أميرياً بتكوين »المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية المتخصصة« لتشرف وتتابع وتراقب نشاطات المدن الصناعية وتتولى مسؤولية تنمية الصناعات غير النفطية وتحديد أولويات التصنيع كما أصدرنا مرسوماً آخر بإعادة تنظيم غرفة تجارة وصناعة أبو ظبي بحيث يتم اختيار مجلس إدارتها عبر انتخابات حرة تجري في الخامس من ديسمبر 2005.

واتساقاً مع هذه التحولات الاقتصادية التي تشهدها أبو ظبي أصدرنا »قانون الملكية العقارية« كما صدر قرار بتحديد المناطق المميزة المتاحة للاستثمار العقاري الحر والتي يأتي من ضمنها مشروع المدينة الساحلية بشاطئ الراحة الذي سيكون بمثابة بوابة جديدة لمدينة ابوظبي تضم أكثر من 120 ألف نسمة.

وإكمالاً لهذا الجانب جاء قانون تأسيس »شركة التطوير والاستثمار السياحي« لتختص بإدارة مناطق الاستثمار السياحي وتقوم بمساعدة هيئة أبو ظبي للسياحة والتنسيق معها لتنمية وإدارة وتطوير نشاطات الهيئة ومشاريعها وتنفيذ الخطط والبرامج المتعلقة بترويج وتسويق مناطق الاستثمار السياحي.

أما على مستوى التخطيط الحضري والإسكاني فقد انتهت بلدية أبوظبي من إعداد المخطط التطويري الشامل لمدينة أبوظبي حتى عام 2020 والذي اشتمل على العديد من المشاريع الإنمائية والإسكانية الجديدة.

التنمية الشاملة

أيها الأخوة المواطنون..

إن مدينة أبوظبي على الرغم من أهميتها كحاضرةٍ للإمارة وكعاصمةٍ للدولة إلا اننا ننظر لجميع مناطق أبوظبي بعين واحدة وستكون التنمية الشاملة والمتوازنة لكل مناطق الإمارة على رأس أولويات مرحلة التمكين.

فستشهد المرحلة اهتماماً بتلك المناطق نهوضاً عمرانياً بها وتوسيعاً للخيارات الصحية والتعليمية والخدمية والترفيهية وفرص العمل المتاحة أمام سكانها ورقياً ببنيتها الأساسية ومرافقها العامة وشبكات المياه والكهرباء وخطوط الصرف الصحي والاتصالات بحيث تصبح أكثر تأهيلاً لجذب الاستثمارات وخلق المزيد من فرص العمل لأبنائها.

وقد أجزنا بالفعل خطة طموحة لتطوير المنطقة الغربية تشمل النهوض بالبنية التحتية والرقي بالخدمات الحكومية وتحسينها وتحديثها وخلق بيئة استثمارية مشجعة على الاستثمارات كافة وزيادة دور القطاع الخاص وتفعيله لكي تصبح عملية التنمية حركة دائمة يتعاون القطاعان الحكومي والخاص على ديمومتها واستمراريتها.

ولن يتأتى إنجاح مشروعات مرحلة التمكين دون إعادة هيكلة الإنفاق العام وضبطه وترشيده وإجراء زيادة حاسمة في الإنفاق المخصص لتعزيز التعليم والتدريب والتأهيل وتمكين المرأة والشباب للقيام بدورهما في قيادة عملية التحول المنشود.

فتنمية لا تشارك فيها المرأة تنمية تبقى غير مكتملة، ونهضة لا يتبوأ الشباب فيها موقع القيادة نهضة منقوصة.. وعلى الرغم من أننا قطعنا شوطا يعتد به في تدريب وتأهيل الشباب والمرأة فما زالت الحاجة كبيرة إلى مواصلة هذا التدريب والتأهيل وتكثيفه فإدخال شبابنا وفتياتنا إلى ميدان العمل المثمر هدف نوليه كل طاقاتنا وسنهيئ له من الأسباب بما يكفل تحقيقه على الوجه الأكمل.

إنّ النجاحات الكبيرة التي حققتها أبوظبي هي انعكاس لتضافر جهود كل أبناء هذه الإمارة واعتماد التقنيات والمناهج الحديثة في تخطيط وتنفيذ العملية التنموية المستدامة والمتكاملة وعلى رأسها الاستراتيجيات التي تبنتها الإمارة لتطوير إنتاج النفط والاستغلال الأمثل للثروة الطبيعية وما تبنته من سياسات طموحة في إقامة مشروعات عملاقة في مجالات النفط والغاز والصناعات البتروكيماوية إضافة إلى تهيئة المناخ المناسب للاستثمار وصدور القوانين المتعلقة بالمناطق الحرة وحرية التجارة.

أيها الأخوة المواطنون..

وكما أن التاريخ حلقات متصلة مترابطة لا تلغي إحداها الأخرى فإن مرحلة التمكين لا تنفصم عن مرحلة التأسيس بل هي وليد شرعي لها واستمرار وامتداد واعٍ للنهج الذي مهده وحدد معالمه المغفور له الشيخ الراحل زايد بن سلطان آل نهيان »طيب الله ثراه«..

إنها مرحلة مكملة لخطى مشيناها على طريق المستقبل الذي نحلم به لوطن آمن مستقر يفخر كل منا بالانتماء لأهله ورمله ومائه وسمائه. وفقكم الله وسدد خطاكم على طريق التقدم والأمن والاستقرار.. والسلام عليكم ورحمة الله.