السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 قبل خمسة وعشرين عاما وبالتحديد عام 1978 عندما انتهيت من نسخ القرآن الكريم كاملا بيدي، قال لي أحد الاخوة وهل في هذا العمل اعجاز؟ ان المصاحف كثيرة، وما هناك حاجة الى ان تكتب انت مصحفا بيدك. قلت له انني عندما اقدمت على ذلك فعلته استشفاء بالقرآن لألم قد ألم بيدي اليمنى، والقرآن فيه شفاء للناس. ثم هل تعتقد ان الله سبحانه وتعالى ان لم يجزني خيرا على ما فعلت فانه يعاقبني عليه ويدخلني النار بسببه؟ قال اعوذ بالله انا لا اقول هذا، بل العكس ربما القرآن يشفع لك اذا شاء الله تبارك وتعالى. اقول يا سبحان الله، ما اشبه الليلة بالبارحة، ففي ليلة حفل تسليم مصحف مكتوم، الثلاثاء 18/3/2003 سمعت احد الجالسين بجانبي يقول لي ان المصاحف كثيرة وهل نحن في حاجة الى نسخ المصحف من جديد؟ قلت ان الانشغال بالمصحف عبادة سواء كان الانشغال بكتابته ام بقراءته او بحمله او بالنظر فيه، لانه كلام الله. نعم.. وكم كان المشهد رائعا عندما قام الدكتور عيسى بن عبدالله المانع مدير دائرة الاوقاف سابقا رئيس لجنة المصحف بتسليم أول نسخة من مصحف مكتوم الى سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة. هذا الموقف جعلني استرجع سنوات مضت، اي منذ ان فكر صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في انشاء مشروع مكتوم لتحفيظ القرآن الكريم. وبعد ذلك قام الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بانشاء جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم. واليوم رأينا سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم يلقي خطابه ويشيد بدور أخويه في الوقت الذي هو نفسه يرعى دائرة الاوقاف والشئون الاسلامية التي تحتضن المساجد ومراكز التحفيظ في مشروع مكتوم لتحفيظ القرآن الكريم، اضافة الى مراكزه الدينية والخيرية التي انشأها خارج الامارات. فقلت في نفسي ان الله سبحانه وتعالى اراد الخير لدبي عندما وفق الاخوة الثلاثة فكونوا ثلاثية للقرآن الكريم: مكتوم وحمدان ومحمد. ثم ان هذا المصحف الذي أهداه صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم الى العالم الاسلامي سوف يضيف الى عالم المصاحف المخطوطة جديدا. وقد علمت ان بدايته كانت عام 1995 عندما شكلت لجنة القرآن وعلومه في دائرة الاوقاف والشئون الاسلامية بدبي برئاسة الشيخ عيسى المانع مدير الدائرة آنذاك وعضوية عدد من المشايخ اهل الاختصاص حيث قاموا بالاتصال بدول اخرى للوقوف على ملاحظاتهم على المصاحف المطبوعة السابقة. وعندما وصلوا الى القناعة بانه لابد من البدء في العمل بدأوا في المرحلة الثانية وهي تشكيل لجنة رسم المصحف والمرحلة الثالثة هي اعتماد نسخة لكتابة المصحف عليها ثم اختيار الخطاط. اما المصحف فكان مصحف الملك فؤاد الاول الطبعة الثانية ومصحف المدينة المنورة. واما الخطاط فكان جمال بوستان من سوريا، ومن ثم كانت البداية الحقيقية وهي في يناير عام 1996. منذ ذلك الوقت بدأ الخطاط ينسخ ويحيل ما يكتبه الى لجنة المتابعة والتدقيق في دبي وهي مؤلفة من مشاهير متخصصين في علوم القرآن من رسم وضبط وقراءات وغيرها وهم من مصر والسعودية وسوريا والمغرب. قامت اللجنة بالمراجعة اكثر من عشر مرات، وفي 23/3/1997 صدر القرار بتشكيل اللجنة العليا لمشروع طباعة مصحف مكتوم. وهذه اللجنة ضمت كبار القراء والمتخصصين من بلاد عدة. حيث اجتمعوا مراراً وكان يشاركهم بالحضور الدكتور احمد بن الشيخ محمد نور سيف رئيس مجلس الأوقاف. واتفق المجتمعون في نهاية هذه اللقاءات على ان يتميز هذا المصحف عند كتابته باستدراك ما فات المصاحف المكتوبة السابقة مثل معالجة التنوين المنصوب الذي ليس بعده حرف حلق، واعطاء كل حرف حقه في الكتابة، وتنقيط التاء بشكل افقي، وتفريغ وسط الميمات وتوحيد كتابة الهاء في وسط الكلمة ووضع الحركات بأشكال متناسبة مع بعض، واعتماد مذهب مالك في السجدات مع بيان المذاهب الاخرى، وكتابة بعض الكلمات باثبات الألف، مثل ظالمة، وتعديل بعض الوقوف. ثم قام الخطاط بعد ذلك بكتابة المصحف كاملاً وفق قرار اللجنة العليا وتم تسليم المخطوط الى مدير عام الاوقاف، وكانت هذه هي المرحلة الرابعة. اما المرحلة الخامسة فكانت عام 1997 حيث تم التأكد من صحة الملاحظات، وصحة تنفيذها. والمرحلة السادسة كانت لاجراءات زخرفة الطباعة وتدقيقها، حيث ظهرت بعد ذلك المجموعة التجريبية الاولى عام 1999م. وفي عام 2000 كان المصحف قد استوفى حقه من مراجعة الضبط والرسم والتدقيق والزخرفة، وعندئذ تقرر طبعه بشكل نهائي. اذن مصحف مكتوم الذي وزعته دائرة الاوقاف بدبي على من حضر الحفل المقام بهذه المناسبة مساء يوم الثلاثاء 18/3/2003 بحضور سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم يعد بحق مفخرة جديدة تعتز بها دبي التي احتضنت المشاريع القرآنية المتعددة. وسوف يسجل هذا العمل في سجل حسنات آل مكتوم اضافة الى انجازاتهم الاخرى الخالدة. وكما سمعنا من خلال التقارير التي تلاها القائمون على مشروع المصحف فإن العمل لن يتوقف عند طبع هذا المصحف وتوزيع الطبعة الاولى بل يستمر. لقد قدم الشيخ كريم راجح شيخ قراء دمشق وهو عضو ضمن اللجنة العليا للمصحف عدة توصيات او مقترحات فقال: ان المطلوب الآن انشاء مجمع كبير يتولى أمر هذا المصحف من طباعة بأحجام مختلفة ومن توزيع على الجهات والاشخاص، اذ يفترض ان تصل نسخ هذا المصحف الى كل البلاد الاسلامية، وبشكل كاف، بل مطلوب ايضاً ان يطبع بروايات مختلفة ايضاً، حيث ان المغاربة يقرأون برواية، والمشارقة يقرأون برواية، واهل شبه القارة الهندية لهم مصحف خاص مطبوع بخط يتميز عن المطبوع في مصر والشام والسعودية. اذن لابد من طبعه بهذا الخط ايضاً، لأن حجم السكان في هذه البلاد كبير ويستحيل ان يقرأوا في المصاحف الاخرى ذات الطبعة المصرية او الشامية او المدنية. ثم ان هذا المشروع يعد من الصدقات الجارية التي لا تنقطع بموت صاحبها، وقد قال عليه الصلاة والسلام «اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية، او علم ينتفع به، او ولد صالح يدعو له». اقول: ان هذه المقترحات قدمها قارئ التقرير الى سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم مباشرة، وكون سموه يرأس دائرة الاوقاف والشئون الاسلامية وهو صاحب اليد البيضاء في العمل الخيري والديني فإن الامل كبير في ان ينظر في هذا الاقتراح، اليس كذلك؟