تولي الدول المتقدمة اهتماماً كبيراً بموضوع التعليم الالكتروني والاستفادة من شبكة الانترنت من اجل متابعة الدراسات الجامعية والدراسات العليا. وقد عقد في الاسبوع الاول من مايو مؤتمراً دولياً حول التعلم الالكتروني استضافته المانيا في مدينة برلين تحت شعار «مشكلات وحلول التعليم الافتراضي في القرن الحادي والعشرين». شارك في المؤتمر 350 خبيراً عالمياً واساتذة جامعة من مختلف دول العالم. الاستاذ العربي الوحيد الذي شارك في هذا المؤتمر هو الدكتور ميلاد سبعلي رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات في الجامعة الاميركية بدبي، وقدم ورقة عمل بعنوان: «تحديات التعليم الافتراضي في الدول النامية. وتنوع ثقافات الشعوب» وكان عضو اللجنة الدولية المنظمة لهذا المؤتمر. ولتسليط الضوء على مضمون ورقة العمل ومعرفة تحديات التعليم الافتراضي أو التعلم الالكتروني كان اللقاء مع الدكتور ميلاد سبعلي ولنقرأ معاً ماذا قال؟ ورقة العمل التي قدمتها ضمت ثلاثة محاور: الأول: يتعلق بالمشكلات التقنية واللغوية وكيفية ايجاد الحلول المناسبة لها. وقد عرضت آخر التقنيات المستعملة في مجال تطوير المناهج، وتوصيلها عبر شبكات الانترنت. وادارة العملية التعليمية، وكافة الخدمات الطلابية بشكل افتراضي. اما المحور الثاني: وهو دور التعليم الافتراضي في رفع مستوى التعليم العالي في الدول النامية بشكل عام وفي تقديم اختصاصات حديثة وتقنيات عالية غير متوفرة في مؤسسات التعليم التقليدي في هذه المجتمعات. ويضيف الدكتور ميلاد: ان المحور الثالث: ضم المشكلات التي قد تنشأ نتيجة الاختلاف والتنوع في الخلفية الثقافية والحضارية والعلمية بين المجتمعات المنتجة للمواد والمناهج الحديثة وبين المجتمعات المتلقية لهذه المناهج. المحور الاول واوضح الدكتور ميلاد سبعلي ان اهم الصعوبات التقنية تكمن في النقص في الخبرة والتمويل لدى جامعات ومؤسسات الدول النامية التعليمية، مما يعجل تطوير البرامج محلياً أمراً صعباً للغاية، خاصة اذا تم الالتزام بالمعايير والمواصفات العالمية، اضافة الى ان الشبكات المحلية في معظم هذه الدول غير مؤهلة لنقل الكم الهائل من المعلومات وحتى تشكل جزءاً من هذه المناهج بالسرعة والنوعية المطلوبة. وهناك اشكالية اخرى تكمن في عدم وجود الخبرات الكافية لتطوير بيئات افتراضية مرنة الى حد تقديم الخدمات الطلابية بشكل سهل وفعال. واضاف قد يكون الحل الامثل في المراحل الاولى ان تبدأ هذه الدول من حيث انتهى الآخرون، وتستعمل المناهج المحدثة في الدول المتطورة والمتوفرة بشكل كبير عبر شبكات الانترنت. وهذا يساعد المؤسسات التعليمية في هذه الدول على التدريب واكتساب المعارف والخبرات الموجودة في هذا المجال في الدول المتطورة الى أن تستطيع ان تبني قاعدة متينة للبدء في عملية التطوير المحلي. اضافة الى ذلك يمكن ان تسعى الحكومات والمؤسسات التعليمية في الدول النامية التي لديها انظمة اتصالات غير متطورة الى بناء مراكز متخصصة للتعلم الالكتروني في المناطق المختلفة بحيث تتيح للطالب وسيلة سريعة ومجانية للتواصل مع المناهج والاختصاصات المقدمة عبر الانترنت، غير ان ذلك يطرح مشكلة اخرى هي صعوبة التواصل والفهم المتبادل بين مدرس ومنهج اجنبي وطالب محلي لكل خلفياته العلمية والثقافية والحضارية. المحور الثاني وعن المحور الثاني في ورقة عمله ذكر الدكتور ميلاد سبعلي ان هذا المحور ضم مراحل تطور التعليم الافتراضي حيث بدأ بالتميز بين التعلم والتعليم، فالتعلم فاعله هو الطالب، بينما التعليم يكون الفاعل فيه هو المعلم. كما ضم هذا المحور المعايير المعتمدة لتحديد مستوى تقدم التعلم الالكتروني وهي: نوع محتوى المناهج وكيفية ايصالها وادارة العملية التعليمية وطريقة التفاعل بين المعلم والمتعلم خلال العملية التعليمية. واضاف انه يوجد ثلاثة اجيال من التعليم الالكتروني بدأت في اوائل الثمانينيات من القرن المنصرم مع الجيل الأول من التعلم الالكتروني عن بعد، حيث كان المحتوى الالكتروني على اقراص مدمجة، يتم ايصاله بطريقة تقليدية الى الطالب وادارة العملية التعليمية تتم عبر وسائل اتصال تقليدية ايضا كالمراسلة والفاكس والتفاعل فردي بين الطالب والمعلم مع التركيز على دور الطالب. وهذا سمي الجيل الأول من التعلم الالكتروني. واعتبر في حينه تراجعاً عن مفهوم التعليم التقليدي حيث التفاعل بين فرد ومجموعة وبشكل مباشر. لذلك اقتصر استعمال هذا النوع من التعليم على الحالات الاستثنائية جداً حيث يتعذر حضور الطالب الى الجامعة. اما الجيل الثاني بدأ مع بداية استعمال الانترنت، حيث تطورت طريقة ايصال المحتوى الى طريقة شبكية وتطور معها المحتوي بحد معين. كما تطورت عملية التفاعل والتواصل من كونها افرادية الى كونها جماعية يشترك فيها عدد من الطلاب مع استاذ محدد، لكن ادارة العملية التعليمية بقيت تستعمل الوسائل التقليدية. واضاف انه مع ظهور مفهوم التجارة الالكترونية والدفع الالكتروني والامن الالكتروني في اواخر التسعينيات من القرن الماضي، اصبح بامكان ادارة العملية التعليمية عبر شبكة الانترنت. وقد ترافق ذلك مع تطور سريع في تقنيات الوسائط المتعددة والواقع الافتراضي. مما اتاح الفرصة لتطور الجيل الثالث من التعلم الالكتروني حيث تنشأ بيئة افتراضية تتشابه الى حد كبير مع الجامعة التقليدية من حيث الخدمات الطلابية والادارية والاكاديمية التي تقدم للطالب، هذا المفهوم سمي بالتعليم الالكتروني لانه ومن ضمن هذه البيئة الافتراضية فتح المجال امام عدد كبير من الراغبين في التعلم سواء كانوا طلاباً أم موظفين أم مدراء للالتحاق بصفوف افتراضية والتفاعل فيما بينهم مستعملين التقنيات الحديثة التي توفر لهم بيئة تعليمية وهم في مراكز عملهم دون الحاجة الى الانتقال الى مبنى مدرسي او ترك العمل او تغيير نمط حياتهم. واكد الدكتور ميلاد على ان عملية التفاعل هذه اغنى من التفاعل التقليدي لأن المشاركين في هذه العملية ليسوا فقط تلاميذ واستاذ بل مجموعة الخبرات المتنوعة التي تغني النقاش وتفسح المجال امام التعلم البيني اضافة الى التعلم من الاستاذ والمناهج. المحور الثالث وحول مضمون المحور الثالث في ورقة العمل قال الدكتور ميلاد: المحور الثالث يتعلق بالاختلافات الحضارية وتمت مقاربته بخلفية سيكولوجية وسوسيولوجية، وكانت مقدمته تعريف علمي للحضارة وهو برمجة جماعية للعقول وبناء عليه فقد ادى نشوء الانترنت الى بزوغ حضارة جديدة تسمى حضارة (السايبر) او عالم الانترنت لها خصائصها المختلفة عن الحضارات الاخرى وهي متأثرة بشكل كبير بثلاثة عناصر رئيسية هي: حضارة امريكا الشمالية لأنها نشأت هناك اللغة الانجليزية، ثقافة المهندسين وعلماء الكمبيوتر لانها طورت من قبلهم. وقد كان لهذه العناصر الثلاثة تأثير على حضارة السايبر يتماشى مع حضارة امريكا الشمالية، لكنه يتضارب مع الحضارات الاخرى بما فيها الاوروبية والعربية والشرق الأقصى. واضاف الدكتور ميلاد: هنا يبرز تساؤل حول مستقبل هذه الحضارة خاصة بعد ان يتسنى للحضارات الاخرى امكانية المشاركة الفعالة فيها؟ فهل ستنتج هذه المشاركة حضارة جديدة متنوعة العناصر أم ستؤدي الى محق حضاري من جانب واحد للحضارات الاخرى؟ والجواب على هذا السؤال يكمن في مدى ديناميكية الحضارات الاخرى وكثافة تفاعلها مع الحضارة الجديدة ونقل عدد من خصائصها المميزة الى الحضارة الجديدة وهذا المفهوم ينطبق على التعليم الالكتروني بشكل خاص، لان هذا التعليم يتناول برمجة عقول الجيل الشاب في المجتمعات النامية بناء على مناهج مطورة في مجتمعات اخرى. فإذا كانت المجتمعات النامية متلقية فقط في هذا المجال فإن حركة التعليم الالكتروني ستؤدي الى محق الخصائص الحضارية المرتبطة بالهوية الثقافية والقومية لهذه الشعوب وانتاج جيل جديد منبهر بالدول المطورة وساخط على حضارته وخصائصه وهويته. الحل المقترح وحول الحل المقترح يقول الدكتور ميلاد: الحل من وجهة نظري ليس فقط ببناء الجسور التكنولوجية التي تتيح تواصل الطالب مع المناهج والمحتويات الاجنبية بل بتصميم جسر حضاري ثقافي ينتجه مثقفو ومتعلمو المجتمعات النامية الذين درسوا وعاشوا في الدول المتطورة وعرفوا الحضارتين بمزاياهما المتشابهة والمختلفة هؤلاء فقط يستطيعون ان يستنبطوا خصائص حديثة لهويتهم الحضارية تتماشى مع حضارة السايبر وتضيف اليها لوناً حضارياً جديداً وتكون ذخراً للجيل الجديد في هذه المجتمعات، يتسلح به من اجل الحفاظ على الهوية القومية وفي الوقت نفسه الاستفادة القصوى من آخر ما توصلت اليه حضارة السايبر. محاور المؤتمر وحول المؤتمر بشكل عام والمحاور التي طرحت فيه يقول الدكتور ميلاد ان المؤتمر غطى خمسة محاور هي: ـ مؤسسات التعليم الالكتروني. ـ التكنولوجيا المستخدمة في التعليم الالكتروني. ـ مفاهيم وأطر حديثة للتفاعل والتعاون لتغيير اشكال التعليم الالكتروني. ـ تصميم وتطوير وعرض مضامين جديدة للمناهج الالكترونية. ـ تأثير واقع المجتمعات النامية والمتطورة على انتشار التعليم الالكتروني.