بيان المدارس: استمرت اسرائيل منذ احتلال القدس عام 1967 وحتى الآن في اعادة رسم حدود البلدية اليهودية التي تدعي أنها «بلدية القدس الموحدة والى الأبد» حتى أوصلتها الى رام الله شمالاً، وبيت لحم جنوباً، وقامت بسلسلة من المصادرات للأراضي حول القدس حتى بلغ مجموع هذه المصادرات في عام 1996 باعتراف اسرائيل 24000 دونم مما جعل 33% من اراضي القدس الشرقية تحت الادارة الاسرائيلية وذلك قبل مصادرة جبل ابو غنيم، والتي تمثل الحلقة السادسة من حلقات المصادرات لأراضي القدس والمناطق المجاورة. وأنشأت اسرائيل على هذه الاراضي 15 مستوطنة في محيط القدس العربية تضم 160 ألف مستوطنة يهودية حتى الآن ويخطط لها ان تستوعب 250 ألف نسمة حتى عام 2000 ونصف مليون مستوطن حتى عام 2010م، ولهذا الغرض ضاعفت اسرائيل مساحة بلدية القدس 12 ضعفاً، وسيطرت على 73% من مساحة القدس. ومن أجل السيطرة على المدينة وخلق وقائع جديدة على الارض، تمنع الوصول الى اي حل سياسي في القدس، لم تكتف اسرائيل بهذه السلسلة من المصادرات وانشاء المستوطنات التي تشكل حزاماً بشرياً يحيط بالقدس من جميع جهاتها، وانما تقوم باختراق المنطقة العربية بمصادرة المنازل كما يحصل في سلوان ورأس العمود، وتصادر المساكن وتستولي على بعضها حتى داخل اسوار المدينة القديمة، حتى بلغ عدد المنازل المصادرة في المدينة القديمة ازيد من خمسين منزلاً، وانتقل للعيش فيها عدد من غلاة المتطرفين الذين يتغنون في مضايقة وايذاء السكان الاصليين من مسلمين ومسيحيين، وتشجيعاً لهذه السياسة فقد قام ارييل شارون نفسه بالسكن في أحد البيوت المصادرة، مع ما يمثله وجوده وحراساته من أذى متعمد، يحيل حياة السكان الى معاناة دائمة، وقد انتقلت عدد من المؤسسات الاسرائيلية الى القدس الشرقية، وقامت الحكومة باعفاء الشركات التي تنقل مقراتها الى القدس الشرقية من 15% من الضرائب، وأعفت الازواج الشابة التي تختار القدس الشرقية للاقامة فيها من ضريبة الممتلكات، كما اعفتها من 50% من الضرائب البلدية. التطرف اليهودي وهناك منظمتان متطرفتان مكرستان للسيطرة على المنازل خصوصا في محيط المسجد الاقصى والاحياء المجاورة له مثل سلوان ورأس العمود، وهما منظمة «العاد» و«عطيرات كوهانيم» وهاتان المنظمتان تمولان بشكل شخصي من المليونير اليهودي الامريكي «موسكوفيتش» الذي رصد عشرات الملايين لتمويل هذه النشاطات الاحتلالية، تحت اسم «صندوق انقاذ القدس»، وقد تمت مصادرة 18 بيتا منذ بداية عام 1998 في المدينة القديمة داخل اسوار القدس. ومن ضاحية سلوان تحت الجرار الغربي من المسجد الاقصى يعيش اكثر من مئة يهودي، ويجري التخطيط لبناء مدينة في هذه المنطقة تسمى مدينة داود. ونتيجة لهذه السياسة من المصادرات والمضايقات المتوالية اكبرها يزيد على خمسين ألف نسمة من سكان القدس الفلسطينيين على السكان خارج مدينة القدس. وسحبت هويات 2011 من هؤلاء ليفقدوا مواطنتهم في مدينة القدس وأصبح الباقون مهددين بالمصير نفسه، وأصبحت 21 ألف عائلة مقدسية محشورة في مساكن لا تتوفر فيها ادنى شروط الحياة الصحية، وهي اليوم في اشد الاحتياج للترميم والاصلاح، فكثير منها تعاني من انعدام وسائل الصرف الصحي، واخرى مشققة الجدران والشقوق تحتاج الى تصفيح وتدعيم، وسكانها هم الذين تشاهدهم يتصدرون يوميا للجرافات الاسرائيلية بصدورهم العارية لا يرهبهم رصاص الحقد الاسرائيلي الذي يسعى لتشريدهم عن مدينتهم العريقة ومقدساتهم المهددة بالهدم والمصادرة. ورغم ان اسرائيل لا تعترف بمقدسية سوى 170 ألف نسمة، فإن احصاء عام 1998 لمكتب الاحصاء الفلسطيني اظهر ان عدد سكان محافظة القدس بلغ 333 ألف نسمة يعيش منهم ضمن حدود البلدية 210 ألف نسمة و628، 113 نسمة يعيشون في الضواحي التي تشكل حزاما بشريا فلسطينيا خلف الطوق الذي يضربه الاسرائيليون بالمستوطنات حول المدينة المقدسة، كما انه اكثر من 60 ألف من سكان القدس يعيشون في المملكة الاردنية عدا عن البلدان الاخرى. وما يزيد على خمسين ألف يعيشون في الضواحي التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية. أضرار اقتصادية بالغة لقد كانت القدس عبر التاريخ وحتى زمن الانتداب البريطاني عاصمة لكل المنطقة المحيطة لما تتميز به من مكانة دينية وروحية سامية، فهي اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين مسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومهد السيد المسيح عليه السلام، هفت اليها قلوب المؤمنين من الديانات السماوية الثلاث، وشكلت مثالا انسانيا رائعا للتعايش والتسامح والتساكن، وتلاقح الافكار، والاديان، وامتزاج الحضارات على مر العصور، منها خرجت الرسالات، وعلى ارضها تتابع الانبياء والرسل جيلا بعد جيل، فهي قبلة روحية، وتحفة معمارية، ومركز اقتصادي، ومصدر اشعاع روحي ينتشر في ارجاء المعمورة، ولم يكن الاقتصاد بمعزل عن هذا التميز الحضري لمدينة القدس، حيث يتقاطر المؤمنون والحجاج من كل حدب وصوب وتزدهر الصناعات، ويتبارى المفكرون والصناع في تقديم الجديد، فالحاضرة الدينية تحولت الى حاضرة اقتصادية وعلمية وفكرية مبدعة الى ان جاءت الصهيونية الى القدس، فنشرت الحقد وسممت اجواء التسامح، وتراجع العمران، ومنذ احتلال اسرائيل للقدس الشرقية عام 1967 اصبح الشغل الشاغل للصهاينة محاصرة القدس والقضاء على معالمها التاريخية الحضارية والدينية تمهيدا لتفريغها من سكانها الفلسطينيين فأغلقت في وجه المصلين وحرمت من اية خدمات تقدمها البلدية او الدولة وضرب عليها نطاق الحصار القاسي بحجج امنية واهية بغية قطع العلاقات بين القدس وبقية الشعب الفلسطيني. وعرفت القدس نقصا هائلا في عدد الزوار الفلسطينيين والاجانب مما تمخض عنه نقص كبير في جميع نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياحية. ففي عام 1995 على سبيل المثال كانت عائدات القدس من السياحة تساوي 25944 مليون دولار فقط بينما كانت عائدات القدس الغربية في السنة نفسها 151301 مليون دولار. تراجعت مبيعات حوانيت القدس بنسبة 75% وحصل تراجع في عدد الوظائف، في مقابل الزيادة في عدد السكان مما يغوي رؤوس الاموال والتجار الى الانتقال الى مناطق اكثر فائدة وأمنا في المناطق المحررة، وعرفت المدينة ركودا خطيرا وصل الى حد توقف الحياة العامة فيها تماما بعد الغروب، واغلقت كثير من المتاجر ابوابها خشية المصادرة من الديون والضرائب المتراكمة، وخصوصا في ظل المقاطعة العربية والاسلامية، وتراجع مستوى مواكبة هذه الفنادق للمتطلبات الدولية للسياحة، ورغم ان القدس عربية تحتضن جميع الآثار الدينية والتاريخية للأديان السماوية الثلاثة، الا انها لا تجني من عائدات السياحة والحج سوى 5% فقط من هذه العائدات. رباط أهل القدس أمام هذا الواقع فان سكان القدس الأبطال مصرون على الدفاع عن مدينتهم المقدسة، ويعتبرون انفسهم مرابطين على هذه الأرض التي باركها الله من حول المسجد الاقصى والصخرة المشرفة، نيابة عن امتهم العربية والاسلامية، بل والمؤمنين جميعا، وعلى العالم الاسلامي ان يتحمل مسئولياته في انقاذ المدينة المقدسة اليوم قبل الغد حيث ينهمك اعداؤنا في تثبيت الامر الواقع، حتى لا نجد غدا ما نفاوضهم من اجله، وهذا لا يتوفر بالتغني بأمجاد القدس وتاريخها العريق ومكانتها المقدسة، وتداول بطولات اطفالنا العزل في امجادنا واشعارنا، لان ذلك وحده لا يقودنا الا الى النواح على اطلالها في المستقبل القريب. بل اننا مدعوون الى وضع مخطط عملي شامل ينظر للقدس نظرة كلية شاملة، كمدينة لها مستقبل لابد ان يكون واعدا بما يؤهلها لأن تؤدي الرسالة السماوية التي وضعها الله فيها، قبلة روحية لكل المؤمنين من شتى بقاع الارض، وعاصمة للدولة الفلسطينية التي لابد ان تسود فيها القيم القدسية من الاخلاص لله، والتسامح المفضي الى التعاون الهادف لاسعاد البشر. وكالة بيت مال القدس الشريف وقد كان للملك الحسن الثاني عاهل المملكة المغربية شرف جمع شمل الامة الاسلامية عام 1969 على اثر حريق المسجد الاقصى، فقد بادر باعتباره مفوضا من العالم الاسلامي لرئاسة لجنة القدس الى اقتراح تشكيل هيئة متخصصة من العالم الاسلامي تضطلع بمهمة توفير الدعم اللازم لصمود القدس ومقاومة مخططات التهويد، واقترح نظاما اساسيا لهذه الهيئة التي اختار لها اسم «وكالة بيت مال القدس الشريف» تكون مهمتها حصر الاحتياجات الضرورية لمدينة القدس وتحسيس العالم الاسلامي بواجباته للنهوض بهذه الاحتياجات ووضع الخطط العملية اللازمة لتلبيتها على أرض الواقع، وبعد ان اقر النظام الاساسي في مجلس وزراء خارجية العالم الاسلامي وصودق عليه في الدورة السادسة عشرة للجنة القدس في مدينة افران عام 1997، جاءت الدورة السابعة عشرة في آخر يوليو 1998 لتطلب منه تفعيل وكالة بيت مال القدس الشريف، وفي الدورة نفسها وطبقا للنظام الاساسي للوكالة قام بتسمية المدير العام، والذي صودق على تعيينه بالاجماع، وقامت الحكومة المغربية بتجهيز مكتب الوكالة في الدار البيضاء، والذي استكمل هيكلته وانظمته في وقت وجيز، وبدأ فورا بحصر جميع احتياجات مدينة القدس من سكن، وتعليم وصحة وترميم المساكن والدفاع القضائي عن الممتلكات وتشجيع الاستثمار في المدينة المقدسة، وتنظيم الرحلات لزيارة المقدسات في القدس الشريف انطلاقا من الاراضي المحررة في فلسطين، وقد سارعت المملكة المغربية مشكورة الى وضع اللبنات الاولى في صرح هذا البيت، كما بادرت بعض المؤسسات المغربية مشكورة الى القيام بواجبها بمجرد الحصول على رقم حساب الوكالة في المصارف المغربية «بنك المغرب». الدعم الاسلامي لحماية المقدسات ولما كانت لجنة القدس في اجتماعها الاخير في المغرب في دورتها السابعة عشرة اواخر يوليو 1998 قد حثت الدول الاسلامية على تقديم المزيد من الدعم للمؤسسات الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني لتمكينه من حماية المقدسات الاسلامية والمسيحية، والمحافظة على مدينة القدس الشريف وتراثها الحضاري والتاريخي والديني، وتعزيز صموده ومقاومته للاحتلال الاسرائيلي وللمخططات الاستيطانية، «توصية رقم 11» ودعت الدول الاعضاء ومؤسسات التمويل والبنوك والصناديق الاسلامية والشركات والافراد الى تقديم المساعدات السخية لدعم بيت مال القدس الشريف وتنظيم حملات تبرع على المستوى الشعبي لصالح مدينة القدس الشريف، حتى تتمكن المؤسسات والدوائر المقدسية من الاستمرار في اداء دورها في مساندة ودعم صمود ابناء المدينة المقدسة في وجه الاحتلال. «توصية رقم 12»، ودعت وكالة بيت مال القدس الى اتخاذ الاجراءات لمباشرة مهامها المنصوص عليها في نظامها الاساسي بما في ذلك جمع التبرعات، «توصية رقم 16» فاننا نرجو ان تكون هذه الندوة الخيرة حول مستقبل القدس الشريف بداية انطلاق عملية، تحفز الجميع على ايجاد الآليات الفاعلة لتنمية صندوق الوكالة لتمكينها من القيام بالواجبات وتحقيق الامال التي يعلق عليها مؤتمر وزراء خارجية العالم الاسلامي ولجنة القدس، والمبادرة من الآن بتشكيل لجنة اسلامية او لجان قطرية في جميع انحاء العالم الاسلامي، لجمع التبرعات واتاحة الفرصة امام المؤسسات والشركات و البنوك والمؤمنين جميعا بالمساهمة في انقاذ مستقبل القدس لتعود كما كانت حاضرة اسلامية وعاصمة فلسطينية حرة مزدهرة لدولة فلسطين المستقلة، وما ذلك على الله بعزيز. نص ورقة عمل القيت امام المؤتمر الدولي السابع المنعقد بالمملكة المغربية تحت عنوان: «مستقبل القدس العربية». أعدها: وجيه حسن علي قاسم مدير عام بيت مال القدس