كنت جالسا في مجلس أدب وعلم وثقافة، ورأيت الناس يتجاذبون اطراف الحديث، فمرة يحكون عن الماضي، ومرة عن الحاضر، ومرة اخرى عن المستقبل. وكان المجلس يضم شرائح من الناس، ما بين شبابهم وشيبهم، ومعاصرهم ومخضرمهم. ـ وفجأة قال أحدهم: رحم الله فلانا كان على قدر كبير من العلم والفهم والثقافة، وكان على أدب جم في تعامله مع الناس، لكنني أتعجب انهم ما قدروه حق قدره، فلم يتقلد منصبا يليق به، ولم يكافأ على مجهوداته العلمية رغم انه من الاوائل وكان متفوقا على أقرانه. ـ قلت له يا سبحان الله، أتقول هذا وأنت أحد اقطاب هذا البلد، ولك كلمتك في المجتمع، ولك مكانتك؟ ألم يكن باستطاعتك ان ترفع مكانة هذا الرجل باعتباره صديقا لك؟ او أن تسعى له فيما هو يرنو إليه ويصبو وأنت تعلم أنه أهل له؟ ـ يا ترى لماذا لم تفعل ذلك في حياته، ولماذا تتأسف اليوم بعد مماته والشاعر يقول: ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها ـ قال هذا صحيح، ولكن الشيطان ينفخ في الانسان، فلا يرضى بمن ينافسه في المنصب أو في المال او في الشهرة او في العلم. لذلك تراه يتربص له اما حاسدا واما حاقدا. ورحم الله القدماء كانوا يخشون هذه الاصناف من البشر حتى في الاشياء الصغيرة فلا يحبون ان يطلع الناس عليها، حتى أن شاعرهم يقول: اقصد هديت ولا تبح بثلاثة سن ومال ان نطقت ومذهب فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة بمحقر وبحاسد ومكذب ـ قلت له أنت تصلي؟ قال نعم ولا تفوتني صلاة الجماعة في المسجد مع الجماعة. قلت له ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، اما أنت فلا اراك كذلك، ولعلك اتخذت الصلاة عادة لا عبادة. ـ قال يا أخي هذا هو شأن الناس جميعا في هذا الزمان الا من عصمه الله. تراهم يقولون شيئا ويفعلون شيئا، وكأنهم لا يعلمون ان الله مطلع على خفايا قلوبهم. ـ قلت له ان انصاف الناس مسألة مهمة في حياتنا، لانه الميزان الذي به يعرف الانسان. فالمرء لا يمتدح بكثرة ماله، او رفعة منصبه، او قوة عضلاته ما لم يتصف ذو المال بالكرم ليؤثر غيره على نفسه، وما لم يتصف ذو الجاه بحب الخير فينصف الملتفين حوله، وما لم يتصف ذو القوة بالرحمة لكي لا يظلم الضعفاء. ـ نعم، ان فلانا حصل مكافأته منه بعد ان مات، فها هو يقول رحم الله فلانا، لماذا؟ لان صفحته نقية، وجزاء ما قدم في الدنيا عند رب العالمين. لكن صاحبنا الذي يبلع حسراته الآن، ويشعر بمرارة ظلمه لأخيه في حلقه ماذا يفعل الآن، وكيف يصحح أخطاءه؟ ـ ان المسألة لا شك انها معقدة، لأن الحقوق اذا كانت متعلقة برب العباد فبينك وبين الله وهو غفور رحيم. اما الحقوق التي بينك وبين العباد فلن تقضيها اذا مات صاحبك الا عند الميزان، ويومئذ لا يتنازل احد عن حقه، حتى الأب يفر من ولده، والاخ يفر من أخيه. ـ قال لي الصديق الذي كان يتحدث عن فلان المتوفى: انني اشعر الآن فعلا بأننا ظلمنا فلانا، ولم نقدر علمه ولا مكانته رغم انه كان يفوقنا. وانني أود الآن ان اعمل له شيئا. ـ قلت له اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث: علم ينتفع به، او صدقة جارية او ولد صالح يدعو له. اما انت يا فلان فلست احد الثلاثة والله يقول: وان ليس للانسان الا ما سعى، لكن بامكانك ان تبر ابناءه، وتحيي كتبه وعلمه. والصدقات والدعوات بشكل عام تنفع الاموات بخلاف قراءة القرآن فانها تنفع الميت اذا كان القاريء ينتسب الى الميت. ـ والاهم من ذلك ان ترعى الاحياء فتنسى احقادك، وتكظم غيظك فتعفو وتصفح وتجود وتؤثر وتحسن الى من اساء اليك. ـ ان فعلت ذلك فعسى الله يعفو عما سلف لان المرء يحاسب على ما يموت عليه لا على ما كان عليه سابقا. ـ انظر الى عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد ورابعة العدوية وابراهيم بن الادهم، وانظر في زماننا الى الداعية احمد ديدات ويوسف اسلام، ومجموعة الفنانات اللاتي عدن الى رحاب الطاعة. ـ هؤلاء جميعا سوف ينظر الله اليهم بعين الرحمة والرضا لانهم تابوا الى الله وهم يقولون: الهي لاتعذبني فاني مقر بالذي قد كان مني اذا فكرت في ندمي عليها عضضت اناملي وقرعت سني ـ هذه الابيات قالها ابو نواس، وهل هناك شاعر فاق ابا نواس في الخلاعة والمجون؟ ـ كلا... لكن مع ذلك فانه لو عاد الى الله تائبا كما قال فان الله يقبل التوبة من عباده ولا يقنط من رحمته الا الكافرون. ـ ثم تذكر انك سوف تكون يوما من الايام في عداد الموتى والمفقودين مثل صاحبك الذي ترحمت عليه. فكن اذن ذكرى طيبة لتحصل من الذين يشيعونك كلمة كان رحمه الله سليم القلب والنية. اقول: هذه دعوة مني الى كل من تسول له نفسه ان يمشي بالحاق الاذى بالناس بحكم منصبه او ماله او قدرته فالدنيا دول ورحم الله ابا البقاء الرندي الذي يقول: هي الامور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته ازمان فجائع الدهر انواع منوعة وللزمان مسرات واحزان ـ يروى ان نبي الله داود اتى راهبا في رأس جبل، فصاح به: ياراهب من انيسك؟ فقال: اصعد تره، فصعد داود فاذا بميت مسجي قال من هذا؟ قال قصته مكتوبة عند رأسه فدنا منه داود فقرأ الكتاب، فاذا فيه انا فلان بن فلان ملك الملوك في الدنيا تمست الف عام وبنيت الف مدينة وهزمت الف عسكر، واحصنت الف امرأة فبينما انا في ملكي اتاني ملك الموت فأخرجني مما انا فيه فها انا ذا التراب فراشي والدود جيراني قال فخر داود مغشيا عليه. ـ اقول: انني لم اسرد هذه الابيات ولا هذه القصة لاسبب للقراء الاحباط ولكنني تعودت ان اكون صريحا في اقوالي وافعالي. فلم اقل ولامرة لاحد: فالك طيب ان شاء الله وانا لا استطيع ان افعل له ما طلب مني. ـ ولا اريد ان ازين له الدنيا، وأنا ادري ان بهارج الدنيا خداع في خداع، ورحم الله احد مشايخي الذي كان يقول: هذه الدنيا شأنها الغادة الحسناء التي تسلم جسدها لطالبيها، ولا تسلمهم قلبها. اذن العاقل من كان ميزانا بين الخلق والخالق وبين الهوى والضمير أليس كذلك؟