من المعلوم ان عالم الجن مخلوق قبل عالم الانس، والجن والانس هما المعنيان بالتكاليف الشرعية، لذا فان من الصنفين مؤمنين وغير مؤمنين. والكافر من الصنفين محاسب امام الله لا محالة، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: «سنفرغ لكم ايها الثقلان». انني في الواقع لم اقف كثيرا امام هذه الاية قدر ما وقفت امام الاية التي تليها وكلتاهما في سورة الرحمن. تقول الآية التالية: «يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان». اقول اذا كانت الاية الاولى فيها وعيد وبشكل عنيف ومرعب كما نقرأ ذلك من خلال سين التنفيس «سنفرغ» واسنادا لله تعالى الفعل الى نفسه، ومن ثم الخطاب الموجه الى الثقلين مباشرة. اذا كان كذلك فان الاية الاخرى التي بدأت بالخطاب المباشر ايضا والموجه الى كل شخص من الصنفين وهي اقوى لانها حملت اشكال التحدي والتعجيز بشكل لا يقبل الشك. انني في الواقع انظر في هذه الاية نظرة علمية تأملية وليست نظرة سطحية دروشيه، او نظرة معاند او مكابر. انني انظر فيها فأرى مشاهد لتحديات بشرية عمياء ولكن تقف هذه الآية حيالها لتقول لاصحابها: يا ناطحا صخرة يوما ليوهنها فما اضر وأوهى قرنه الوعل انظر من خلالها الى من جاء ووضع مباديء ونظريات في العقيدة، ليحرف الناس من عبادة الله الى عبادة الله. وانظر الى من جاء ووضع لوائح ونظما في المعاملات ليضاهي بها الكتب والاديان السماوية، متهما الكتب السماوية بالجمود، وظنا منه انه سوف يقدم للبشرية افضل مما قدمه رب البشرية. وانظر الى من جاء ليستهزيء ببعض القضايا والامور التي اقرها الدين الحنيف لحكمة شاءها رب العاملين ولم يدركها هو، فتمرد عليها ظنا منه بأنه ادرى بمصالح البشر. وانظر الى من قال ونادى بمساواة المرأة بالرجل لا من باب تكريمها واعطائها حقوقها المشروعة بل لغرض اهانتها وانزالها الى شارع العمل المشين، واتخاذها سلعة رخيصة يزين بها جدران الملاهي. وانظر الى من يستغل منصبه او جاهه او علمه او فكرة او شجاعته لتحقيق رغبة في نفسه وكأنه اخذ تلك المنزلة بقوة سواعده لا قضاء وقدرا ويظن انه قادر على تغيير ما يشاء في الكون. وانظر الى الذي يقتل الاطفال والنساء ظنا منه بأنه بذلك يغلب جماعة الذكران وانه يضع حدا لتزايد الشعوب الذين يكرههم هو بدافع العنصرية او القومية. وانظر الى الذي يلهمه الله علما نافعا فيقلبه الى ضار، ويظن انه بذلك يطور فنون الحرب، واساليب القتال، ولا يفكر انه ربما صار كما قال الشاعر: اعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني وانظر الى الذي يسرق اموال الناس بأفكاره الجهنمية كأن يزين له مرة بأن العمل الفلاني يدر عليه ارباحا ومرة بأنه يؤدي الى تطوير المشروع وفي النهاية سراب في سراب لكن مقدمها يشعر بنشوة غامرة بانه يجمع اموالا طائلة بفضل ذكائه. وانظر الى الذي يزين للناس بأنه ينفع ويضر بفضل ما اوتي من اساليب السحر والشعوذة، ولا يفكر بأنه ينكشف ولو بعد حين وعندئذ يخسر دنياه كما خسر آخرته من قبل. وانظر الى الذي يسرف في ملذاته ظنا منه بأنه يأتي على كل ملذات الدنيا قبل ان يموت وانه لو مات وبقيت تلك الملذات في نفسه لن يعوضه الله في آخرته. وانظر الى الذي ينوي في نفسه ان يبدل سيآته حسنات ولكن متى؟ بعد ان يشبع نفسه بالمحرمات ظنا منه بأن الاجل طوع يديه، وسوف يخبره بقدوم ملك الموت قبل ان يحل عليه. وانظر الى الذي يدعى انه الاعلم فلا يستشير احدا، ولا يقتنع برأي احد، ظنا منه انه اوتي علوم الاولين والآخرين. وانظر الى الذي يحتقر الناس وينظر اليهم نظرة استعلاء وكأنه خلق من طينة علوية، والآخرين خلقوا من طينة سفلية، ظنا منه بأنه بذلك يخفض العالي ويرفع السافل. اقول لكل هؤلاء ما قاله رب العالمين: «يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان» اي يا اصحاب النظريات والمباديء ويا من جئتم لتتهزؤا ببعض القضايا الدينية ويا من جئتم لتنادوا بمساواة الذكر والانثى في كل الامور ويا من غركم الجاه والعلم والفكر والشجاعة ويا أيها المتعطشون لدماء النساء والاطفال، ويا من يصنع القنابل الذرية، ويا من يآكل اموال الناس بالدجل، ويا أيها السحرة والمشعوذون، ويا أيها المسرفون في ملذاتهم ويا أيها المتجبرون المستبدون بآرائهم المحتقرون للناس. يقول الله لكم جميعا مهلا فإنكم مهما آوتيتم من قدرات ومهما فعلتم فإنكم لن تقدروا على ان تغيروا سنة الله في كونه. انكم تنتقلون في ارجاء الكون الواسعة في الارض مرة، وفي السماء مرة، ولكن لا تنسوا انكم مازلتم في قبضة مدبر السموات والارض. ان الذي تفعلونه لا يخرج عن اطار ما قضاه الله وقدره، ففروا من قدره الى قدره. ومما يروى ان احدهم عاش ما عاش، وارتكب ما ارتكب من الخطايا، ثم لما دنى اجله قال لأولاده اذا مت فأحرقوني، ثم اطحنوا عظامي، واذروا بها الرياح عند البحر ففعل أولاده ذلك، وعند المحاسبة جمع الله تلك الذرات من البحار، وقال للرجل أأنت فلان؟ قال نعم، قال اتذكر يوم كذا عندما امرت اولادك بكذا؟ قال نعم، قال له الرب، ولم فعلت ذلك قال خوفا منك يارب. قال الله تعالى: انت كنت متمرداً عليّ، ولم تكن تعترف بأن هناك حياة اخرى غير الحياة الدنيا، فما الذي جرى؟ قال الرجل: نعم يارب كذلك، ولما دنا اجلي تغير ذلك التمرد الى قلق وخوف، وتيقنت بأني كنت مخدوعا وبعد ان انكشف الغطاء عني وجدت اني ميت واني انفرد في قبري بعملي واني محاسب لا محالة. قال الله تعالى: اذهب لقد غفرت لك. اقول انني سردت هذه القصة، ويقيني بأن الكثيرين من مدّعي العلم والمعرفة والفكر والثقافة ينظرون اليّ بأني مازلت اعيش حياة الوهم والتخلف. وكأني لا اعيش عصر الانترنت والفضائيات التي قلبت الموازين واظهرت للناس ما كان خافيا بالامس، لدرجة انهم رأوا ما في الارض وما في السماء، وقادهم الى ان قالوا، لا إله إلا المادة، ولا حياة إلا المتع فعش للمرح وقل: هذه ليلتي وحلم حياتي بين ماضٍ من الزمان وآت نعم يقولون ذلك، وفي قرارة انفسهم يحسدونني على ما املك من ايمان ويعون انفسهم على هذا الجفاء الذي يعيشونه. اقول لكل هؤلاء: انني فكرت يوما من الايام ان اوسع على نفسي وطلبت من الدنيا ان تعطيني الضمان والامان فقالت لم استطع ان اضمن لمن قبلك فكيف اضمن لك؟ قلت لها اذن الافضل ان لا اسلم نفسي اليك وقد رأيت انك اوردت غيري المهالك أليس كذلك؟