بيان المدارس: حين تقدم المدارس العلم والمعرفة فانها بذلك تصنع التاريخ الذي تنسجه شخصيات كانت ذات يوم فوق مقاعد الدراسة كي تتسلح لمعركة الحياة بعلوم العصر وفنون البشرية. وكالأفراد وحركتهم المعروفة في الازمان، والعصور فان للمدارس ايضا دورها فيما تصنعه ـ رغم ثباتها الظاهري ـ في محيطها اذ تلعب دورا مؤثرا فيما وفيمن حولها يجعلها هي الاخرى صاحبة تاريخ لا ينفصل مطلقا عن تاريخ وحركة مجتمعها. حول المدارس ذات التاريخ والاثر والمكانة والدور نلتقي لنطالع تلك الملفات القديمة لـ «مدارس لها تاريخ». لعبت المدارس دورا اساسيا في تطور المجتمعات عبر ما تقدمه من علم ومعرفة للافراد وما تغرسه في نفوسهم من قيم ومباديء تصبح جميعها ركيزة في بناء الفرد وفي ايجابيته تجاه وطنه ومجتمعه. ولان المسرح يعد مدرسة للاخلاق فان وجوده في المدرسة كان ضروريا وفي الوقت نفسه مؤثرا كعنصر من عناصر التثقيف والتوعية اللازمة لاعداد الفرد وحسن تنشئته. وهنا نفسح المجال للمسرح المدرسي الذي انطلق من مدارسنا الخليجية في فترات متفاوتة وجمعته مؤخرا في الشارقة فعاليات المهرجان الاول للمسرح المدرسي الخليجي. ونستعرض معا تاريخ مسرحنا في مدارس اقطارنا الخليجية منذ بداياته ومرورا بمراحل تطوره حتى يومنا الحاضر وفقا لما ورد في دليل المهرجان المسرحي المدرسي الخليجي الذي اصدرته وزارة التربية والتعليم: في الامارات يمكن الجزم ان البداية الحقيقية للمسرح في دولة الامارات بدأت في مطلع ستينيات هذا القرن بعد التحول الاقتصادي الكبير في بيئة الدولة وخصوصا بعد اكتشاف النفط واستثماره بشكل حكيم في تطوير وتحسين البنية المعيشية والاجتماعية للفرد في دولة الامارات وكان من اولويات ذلك اعطاء الجانب التعليمي الحصة الاكبر من الاهتمام من خلال انشاء عدد كبير من المدارس وايفاد البعثات الدراسية الى خارج الدولة للاطلاع و،كسب الخبرات في شتى ميادين العلم والمعرفة والثقافة. وقد ادى ذلك الى تغيير النظرة الى فن المسرح في ذلك الحين واصبح هنالك وعي حقيقي بضرورة فن المسرح ودوره الايجابي في بناء الانسان والمجتمع وفي ترسيخ القيم والمباديء السليمة. وانطلاقا من ذلك بدأت بعض المدارس في الدولة وبتشجيع كبير من حكام بعض الامارات بانشاء فرق مسرحية داخل هذه المدارس وتقدم بعض المسرحيات ذات الطابع الوطني والتاريخي ويمكن الاشارة في هذا المجال الى ان مدرسة القاسمية في الشارقة هي السباقة في انطلاق النشاطات المسرحية في الدولة ثم تبعتها بعد ذلك مدرسة القاسمية في امارة رأس الخيمة، وقد اشار الى ذلك الباحث المسرحي عبدالله الطابور في كتابة «الحركة المسرحية في الامارات العربية المتحدة» بقوله في دولة الامارات تعتبر مدرسة القاسمية الرائد الاول للمسرح المدرسي ففي امارة الشارقة لعبت مدرسة القاسمية دورا بارزا في العمل التمثيلي وكذلك مدرسة القاسمية في رأس الخيمة ويشير الباحث ايضا الى ان الفرق الكشفية وبعض المؤسسات التربوية لعبا دورا في نهوض المسرح من خلال بعض التمثيليات والمسرحيات القصيرة. وبعد التطور الذي حصل في الجانب التعليمي عملت المؤسسات التربوية على الاهتمام بالانشطة الثقافية والفنية مما كان له دوره الواضح في بروز وتطور المسرح المدرسي، ومن العوامل المهمة التي ينبغي الاشارة اليها ان التوجه العام للدولة يسهم بشكل اساسي في تطور فن المسرح بشكل عام والمسرح المدرسي بشكل خاص وقد بدا ذلك واضحا من خلال اهتمام حكام دولة الامارات بدعم وتشجيع هذا المفصل المهم من مفاصل الثقافة في الدولة وتشير الدراسات التاريخية في هذا المجال الى ان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان وبعد ان تولى مقاليد الحكم في ابوظبي قد لبى دعوة احدى فرق الكشافة لحضور احدى فعالياتها المسرحية في امارة رأس الخيمة بالاضافة الى ذلك هناك الدعم الذي قدمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة في بداية السبعينيات لمجموعة من الشباب المسرحي بتشكيل فرق مسرحية في امارة الشارقة، وبطبيعة الحال كان هؤلاء الشباب قد تعلموا المسرح وبدأوا به على خشبات المدارس في امارة الشارقة ورأس الخيمة. ثم اخذ المسرح يتطور بشكل سريع وبدعم واضح من وزارة التربية والتعليم والشباب التي ساعدت على انشاء فرقة المسرح القومي للشباب في دبي التي استقطبت ايضا مجموعة من هواة فن المسرح في امارة عجمان ورأس الخيمة كما يشير الطابور في كتابه آنف الذكر. ومع تطور الرؤية التعليمية لوزارة التربية والتعليم والشباب في عقدي الثمانينيات والتسعينيات نالت الانشطة التربوية اهتماما واضحا واصبح المسرح المدرسي يشكل حضورا واضحا ومتميزا واصبحت تجاربه اكثر ثراء وتنوعا واصبحت الطرق ممهدة امامه للانطلاق بشكل فريد ونوعي نحو افاق بكر تنسجم مع طموحات وآمال الوزارة في الالفية الثالثة. من تجربة المسرح المدرسي البحريني مر المسرح المدرسي في البحرين منذ بداياته الاولى في العشرينيات من القرن الماضي وحتى بداية هذا القرن الجديد بتحولات ومنعرجات عكست في مجملها تطور التعليم في البحرين ونمو الوعي الثقافي والفني وتفاعلاتها المحلية والعربية وبالامكان اجمالا، التأكيد على ان المسرح المدرسي في جميع مراحل تطوره شكل قوة دفع للحركة المسرحية في البحرين عامة مختبرا اولا التجريب المسرحي مقترنا بالاهداف التربوية المعلنة سواء تلك المتعلقة بمنظومة القيم الاجتماعية والروحية ام تلك المرتبطة بتحقيق اهداف تعليمية وسلوكية نوعية ام تلك التي ترتبط بالجوانب الثقافية والجمالية والذوقية. البدايات ارتبط ظهور المسرح المدرسي في البحرين بافتتاح مدرسة الهداية الخليفية عام 1919م والتي كانت آنذاك اول نافذة على تعليم عصري مستنير ومنفتح على الحداثة بمفهومها انذاك، وقد ساهم وجود نخبة مميزة من المعلمين البحرينيين والعرب آنذاك من المتشبعين بالثقافة الكلاسيكية الاطلاع الواسع على تيارات الادب والفكر والفنون التي كانت تموج بها الساحة الثقافية العربية في بدايات النهضة في توسيع الافق والدور الذي تلعبه المدرسة، من حدودها التربوية والتعليمية المنهجية الى التفاعل مع حركات الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي. ولذلك كان أول عرض في البحرين وهو مسرحية انتجتها مدرسة الهداية بعنوان «القاضي بامر الله» في عام 1925 فاتحة لسلسلة من المسرحيات التاريخية منها: وفود العرب على كسرى في عام 1926. ابو القاسم الطنبوري في عام 1928. امرؤ القيس في عام 1929. ثعلبة داحس والغبراء في عام 1929... ومن المفيد في هذا السياق التأكيد بان مدارس البنات قد شهدت هي الاخرى المسرح المدرسي منذ البدايات الاولى لتعليم البنات فقد شهدت مدرسة المنامة الخليفية للبنات اول مسرحية في عام 1940م وعرضت مسرحية «كلمة الخلاص» في عام 1942م. في دولة الكويت تؤكد البدايات الأولى للفن المسرحي في الكويت على انه مسرح تعليمي تربوي ذو نزعة أخلاقية يتهم بأمجاد الإسلام والعروبة والتاريخ. وترجع البدايات الأولى لمحاولات نشوء الفن المسرحي في دولة الكويت إلى عام 1992م حيث قدمت فرقة مدرسة «الأحمدية» تمثيلية قصيرة بمناسبة مرور عام على افتتاح المدرسة وقام بتأليف تلك التمثيلية المرحوم عبدالعزيز الرشيد. وقد تناول شئون التعليم والدعوة إلى التبصر بأمور الحياة، وثبات فاعلية تطبيق نظام المناهج المدرسية على أساس متين، قوامه الادارة المخلصة والصادقة للقضاء على الأمية المتفشية بين فئات المجتمع الكويتي آنذاك. وبعد ان انفضت فترة العشرينيات شهدت أواخر الثلاثينيات المحاولة المسرحية الناشئة لمدرسة المباركية بتقديم مسرحية «إسلام عمر» في السابع من يونيو 1939م وقام بإخراجها مدرس اللغة العربية محمد محمود نجم وهو أحد أفراد البعثة الفلسطينية التي قدمت إلى الكويت في العام الدراسي 1938/1939م. وكان لحمد الرجيب دور كبير بتحفيز الطلاب للانخراط في فريق التمثيل، وبالفعل تكونت عدة فرق تمثيلية، فكانت نتيجة ذلك تقديم عدة عروض مسرحية خلال فترة الصيف، وقام بالاشراف عليها حمد الرجيب المدرس آنذاك في المدرسة الأحمدية.. ولقد كان لحمد الرجيب دور كبير في استمرارية المسرح المدرسي وتقديمه للنصوص العالمية الصعبة من أجل ان يعرف الجميع ان المسرح المدرسي يعتمد على الجدية. وقد شهد عقد الأربعينيات منافسة حامية في المسارح المدرسية بعد ان تأسست أربع فرق مدرسية وهي «فرقة مدرسة المباركية» و «فرقة مدرسة الأحمدية» و«فرقة مدرسة الشرقية» و«فرقة المدرسة القبيلة». كما شهد عام 1944م موسماً حافلاً تنافست فيه المدارس الأربع بتقديم عروضها المسرحية، ومنذ عام 1958/1959م شهد المسرح المدرسي تطوراً كبيراً وتم ارساء القواعد الأساسية لممارسة نشاطه المنظم. وفي عام 1965م أنشئت ادارة النشاط المدرسي وأصبحت احدى الوسائل لتحقيق أهداف التربية في دولة الكويت لما يتيحه للمتعلمين من فرصة نادرة للتعبير عن النفس واكتساب الخبرات الفنية والمهارات اللغوية والاجتماعية، وذلك على اعتبار ان النشاط المدرسي يمثل أحدث نظرية من نظريات التربية عبر تطوير الفكر التربوي. في المملكة العربية السعودية سجلت أول تجربة في المسرح المدرسي عام 1348هـ /1928م في مدينة عنيزة قبل ان ينتشر النشاط المسرحي على نطاق أوسع في الخمسينيات ميلادية من القرن الماضي، حيث كان الطلبة يقدمون بعض التمثيليات الفكاهية والاجتماعية التي كانت تتخلل المسامرات الأدبية وبعد تأسيس وزارة المعارف سنة 1373هـ في بداية الخمسينيات ميلادية أصبح المسرح المدرسي نشاطاً رسمياً ثم أنشئت له ادارة مستقلة تحت اسم النشاط الثقافي والمسرحي عام 1414هـ حيث صدرت العديد من الخطط والتعاميم المنظمة للمسرح المدرسي والتي تحث المدارس على تنفيذه وتطويره ونشره بشتى السبل. ـ منذ عام 1400 هجرية بدأت العروض المسرحية والمهرجانات تنتقل هنا وهناك ولكن مهرجان الفرق المسرحية بدأ ينتظم منذ عام 1418 هـ وينفذ سنوياً مع برامجه المصاحبة: الندوات التقييمية للعروض وورش العمل وبعض المحاضرات. ـ منذ عام 1419هـ شكلت 42 فرقة مسرحية نموذجية موزعة في مختلف المناطق والمحافظات وتقديم برامج سنوية انضم إليها أكثر من 1050 طالب. ـ يوجد أكثر من 150 مشرفا مسرحيا متخصصا أو مدربا موزعين في المناطق والمحافظات أما المدارس فيوجد في كل مدرسة مشرف للنشاط الثقافي والمسرحي وتحاول وزارة المعارف تدريبهم ضمن خطة تدريبية شاملة. ـ تقيم وزارة المعارف دورات تدريبية منذ عام 1402هـ للمعلمين المشرفين على النشاط المسرحي بمدارسهم وتقيم دورة تخصصية شاملة وطويلة المدة كل سنتين. ـ تقديم الوزارة منذ عام 1395هـ مسابقة في التأليف المسرحي للمرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة التربوية التي تشتمل على الموضوعات الوطنية والاجتماعية وغيرها. ـ تنفذ المدارس مسابقات مسرحية من خلال مسرح الطفل الذي يشتمل على المدارس الابتدائية ومسرح الشباب الذي يشتمل على المراحل الأخرى وتخصص المدارس ميزانيات محددة لتنفيذ هذه البرامج. واقع المسرح المدرسي في عمان قدم المسرح المدرسي في بداياته عدة مسرحيات وكان نشاطه المدرسي خلال فترة السبعينيات، يعتمد على الاحتفالات والمناسبات التي يقدم خلالها مدرسو وموجهو المسرح المدرسي فقرات بسيطة. ولقد كان تنظيم نشاط جماعة المسرح اعتمادا على الامكانيات المتاحة في تلك الفترة مسألة عسيرة فأغلب المدارس كانت تفتقد إلى مسارح مناسبة أو حتى إلى صالات صالحة لتقديم العروض المسرحية وكان من النادر تواجد موجه مسرحي نشط على مستوى المنطقة اذ انه قلما كان يتواجد معلم ضمن هيئة التدريب في كل مدرسة له اهتمامات مسرحية، وبهذا تبدو صورة النشاط المدرسي داخل المدارس قاتمة بعض الشيء ولكن هذا لا يعني اغفال اجتهادات فردية وموسمية من أهمها: 1ـ مسرحية معدة عن احدى مسرحيات موليير «طبيب رغم أنفه». 2ـ مسرحية شكسبير «تاجر البندقية». 3ـ بعض المعالجات المأخوذة من مسرحيات قصيرة لتوفيق الحكيم. وبينما نجاح التجربة المدرسية داخل المدرسة الواحدة يظل محدوداً لا يقارن بمستوى النجاح الذي قد يتحقق للأعمال المسرحية التي تقدم على مستوى المنطقة التعليمية في احتفالها السنوي الذي يسمى الاحتفال بيوم التربية والذي تقيمه كل منطقة على حدة معتمدة على خامات وكوادر مدارسها لكي تدخل في منافسة مع المناطق الأخرى.. وعن طريق هذه الاحتفالات تم تقديم العديد من التجارب المسرحية منها الأوبريت الغنائي التمثيلي الذي يحمل اسم «أرض الوفاء» والذي قدم على مسرح ثانوية جابر بن زيد بمناسبة العيد الوطني العاشر وشاركت فيه مدارس العاصمة مجتمعة، والتجربة المسرحية التي أخرجها عبدالكريم جواد عام 1987م مع ثانوية دوحة الأدب للبنات وثانوية روي للبنين في عمل مشترك يحمل اسم «بيت أبو مرهون». التربية المسرحية في قطر في سبيل المجد ـ البطل ـ الحاكم الشجاع ـ كان وأخواتها ـ صقر قريش ـ وامعتصماه ـ أمسية هادئة ـ ظهور الإسلام ـ وأسماء أخرى كثيرة هي عناوين مسرحيات قدمت من خلال مهرجانات المسرح المدرسي إلا انه في عام 1979 بدأت المهرجانات تأخذ أسلوباً متميزاً وذلك يرجع لاتساع رقعة النشاط المسرحي الذي لم يعد يشمل مدارس العاصمة بل امتد إلى الضواحي والقرى في عام 1980 اقيم المهرجان الأول للمسرحية المتلفزة وتوالت بعد ذلك المهرجانات السنوية. في عام 1971 استحدثت الوزارة مسرح العرائس ضمن نشاطها المسرحي يتكون ضمن برامجها التعليمية والتربوية وأنشأت له قاعة خاصة يتوفر فيها كل الاحتياجات المطلوبة. محمود علام